أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

فلسطين في التاريخ: المكانة وأبعاد الصراع الدائر ... هشام منور

تبوأت (فلسطين) تاريخياً رتبة مميزة في صفحات التاريخ بمراحله وأطواره المتعددة، لما تستأثر به هذه البقعة من الأرض من مكانة روحية لدى أتباع الديانات السماوية الثلاثة، وما تشتمل عليه أرضها من بركة وخيرات، ولما تحوزه من أهمية جغرافية تجعلها تحتل قلب العالم القديم بقاراته الثلاث (آسيا وإفريقيا وأوروبا).
يحاول هذا الكتاب تلخيص أهم الأحداث في تاريخ فلسطين، فالوعي بجوهر القضية الفلسطينية والإحاطة بأبعادها الاستراتيجية، وعلاقتها بواقع الأمة العربية والإسلامية وبمستقبلها، يقتضي الوقوف على تاريخية هذا الصراع المحتدم على أرض فلسطين، وعلى دوافع وخلفيات القوى الإقليمية والدولية المنخرطة فيه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
يتناول المؤلف في فصل الكتاب الأول أوضاع فلسطين قبل الفتح الإسلامي، إذ كانت تشكل جزءاً من الإمبراطورية الرومانية - البيزنطية، فلم تشكل (فلسطين) عبر التاريخ كياناً سياسياً مستقلاً عن بلاد الشام والتي كانت امتداداً طبيعياً وبشرياً لجزيرة العرب. داحضاً رؤية المؤرخين اليهود باعتبار فلسطين كياناً مستقلاً عن محيطها الجغرافي والحضاري، ومعتبراً أن الوجود اليهودي في فلسطين لا يعدو كونه مجرد دخول "لجماعة مضطهدة تبغي النجاة والأمان والتعايش السلمي مع الشعوب الأخرى». فاليهود لم يكونوا حملة حضارة أو ثقافة، بل تعيّشوا على حضارات المنطقة ومعارفها دون أن يستفيدوا منها؛ بسبب نزعتهم الانعزالية والعدائية تجاه الشعوب الأخرى.
ويبحث المؤلف بعد ذلك في مقدمات الفتح الإسلامي لفلسطين. إذ اعتبر هذا الفتح بمثابة "الولادة السياسية والاقتصادية والثقافية لفلسطين" الحقيقية، فالفتح العربي الإسلامي لفلسطين لم يكن تأسيساً لعلاقة طارئة بين العرب المسلمين وبين فلسطين، كما يزعم كثير من المؤرخين الغربيين، لأن العرب كانوا أتوا إلى البلاد مهاجرين منذ قرون مضت، وكانت مسيحيتهم غير عميقة، فاستبدلوها بالإسلام بسهولة، كما تدعي دائرة المعارف اليهودية العامة. تلك العلاقة المميزة هي التي جعلت الخلفاء الأمويين والعباسيين وحتى آخر خليفة عثماني، ينظرون إلى فلسطين باعتبارها وقفاً إسلامياً للمسلمين على مر الزمن، وليس مجرد دار عادية.
ثم يبحث الكتاب في أحداث الغزو الصليبي واحتلال بيت المقدس، وما تبع ذلك من استعدادات لمواجهة هذا الغزو الذي استوجب توحيد الشام وإعلان الجهاد وخوض معركة حطين بقيادة صلاح الدين الأيوبي وآثار تلك الحروب ومنعكساتها على فلسطين وأهلها. نافياً أن تكون الحروب الصليبية قد شنت بذريعة ادعاء استنجاد مسيحيي الشرق بالبابا لحمايتهم، إذ كانت الكنائس الشرقية تعيشين مع المسلمين على مدى القرون بانسجام وحرية كاملة، ويتولون المناصب الرفيعة في الدولة الإسلامية ويشرفون بأنفسهم على كنائسهم من دون تدخل الدولة. فضلاً عن أن البابوية كانت تعتبر الكنائس الشرقية مجرد هرطقة كافرة، وعندما نجحت الحملة الصليبية الأولى في احتلال فلسطين، استولى الصليبيون على كنيسة المهد وحولوها كنيسة لاتينية وعاملوا أبناء الكنيسة الشرقية باعتبارهم شرقيين وليس مسيحيين. ولم يتم التمييز بينهم وبين المسلمين في موضوع الضرائب والإتاوات المرهقة وفي تسخيرهم لخدمة الغزاة الغربيين ورفاهيتهم.
فيما مرّ الكتاب سريعاً على الفترة الزمنية التي أعقبت خروج الصليبيين حتى دخول العثمانيين. فتحدث عن المماليك وأعمالهم، ثم عن تآمر بقايا الصليبيين مع المغول الذين أسقطوا بغداد عام 656هـ. إلا أنه استفاض بعد ذلك في بيان فترة حكم العثمانيين لبلاد الشام ومصر، وما رافقها من بروز أطماع أوروبا في الشرق. مروراً بحكم محمد علي باشا لفلسطين، حتى الثورة على ابنه إبراهيم باشا راداً أسبابها إلى نظرة الازدراء والتعالي عند هذه النخبة الحاكمة في تعاملها مع السكان، وأن حملات محمد علي في شبه الجزيرة العربية والسودان، ثم بلاد الشام، جاءت خدمة لمطامعه السياسية في بناء دولة أو مملكة له ولأولاده لا لـ «الأمة العربية». ثم أوجز الحديث عن الأيام الأخيرة من الحكم العثماني لفلسطين، متوقفاً عند حكم السلطان    عبد الحميد الثاني وظهور فكرة الصهيونية في عهده وما رافقها من سعي لشراء فلسطين منه.
في خاتمة الكتاب، يلخص المؤلف أهم الأحداث التي أعقبت الثورة العربية الكبرى حتى عصرنا الراهن، معللاً غياب "التيار الإسلامي" عن العمل السياسي الفلسطيني بتزايد المد القومي العربي، "واشتباك حركة الإخوان مع الخطين القومي واليساري المتصاعدين، ما دفع الحركة الإسلامية إلى الانزواء والاكتفاء بدورها التقليدي على الصعيد التربوي الإسلامي والدعوي". بيد أن هزيمة حزيران شكلت بداية القطيعة مع الخط الرئيس للإخوان المسلمين، الذي تعامل مع قضية تحرير فلسطين من المحتل بوصفها مهمة مؤجلة. ليشهد عقد الثمانينات تكوين الخلايا الجهادية الأولى داخل فلسطين. مصبغاً على الجهاد المسلح منذ تلك الحقبة صبغة أيديولوجية تتجاوز حدود الصراع ضد العدو ويضع فلسطين في موقعها المحوري للأمة. ملحقاً الكتاب بعدد من الخرائط المبينة لأهم الأحداث التاريخية التي شهدتها فلسطين.
على الرغم من الطابع البحثي الذي من المفترض أن يطبع الكتاب بطابعه الهادئ المتوازن في الطرح والمعالجة، إلا أسلوب الكاتب غلب عليه الطابع الإنشائي السجالي المؤدلج، وبدا وكأن الكاتب "يوظف" الأحداث التاريخية التي باتت في حيز المعلوم لدى غالبية المهتمين بهدف تمرير رؤية خاصة لطبيعة الصراع مع العدو، الأمر الذي ينأى البحث العلمي الرصين عن الخوض فيه أو الانجرار إلى مساجلاته التي ليس هذا محلها على أقل تقدير.

 عنوان الكتاب: فلسطين في التاريخ الإسلامي، بلاد أولى القبلتين وثالث الحرمين.
المؤلف: عمر سعادة.
الناشر: دار الفكر، دمشق، طبعة أولى، 2008م.
عدد الصفحات: 200.

             

 


 

ايلاف
(18)    هل أعجبتك المقالة (21)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي