أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

للنظام لا لسوريا.... الموازنة العامة للعام 2015.. عماد غليون

شيء مثير للاستغراب والاستفزاز استمرار أجهزة النظام ومؤسساته ووسائل إعلامه في عملها المعتاد وإصرارها على ذلك دون الأخذ بالاعتبار الكارث المتعددة الأبعاد التي تضرب البلاد؛ ويتحول ذلك مجالا للتندر والسخرية.

وبات يوصف بشار الأسد رأس النظام بأنه منفصل عن الواقع ويعيش في برجه العاجي دون الإحساس بمأساة شعبه.

قام النظام بإجراء الاستحقاقات الأساسية في البلاد من انتخابات بلدية ومجلس الشعب ورئاسية كالمعتاد رغم خروج أكثر من نصف مساحة البلاد عن سيطرة الحكومة المركزية التابعة للنظام ودون الاهتمام بعدم دستورية وقانونية هذه الاستحقاقات وفي السياق نفسه سيقوم مجلس الشعب بدراسة مشروع الموازنة العامة للدولة لعام 2015.

عشية اندلاع الثورة السورية كانت البلاد تعاني من أزمات اقتصادية خانقة ألقت بظلالها السلبية على الوضع المعيشي للمواطنين في ظل استشراء حالات واسعة من الفساد، وكان ذلك ينذر بقرب وقوع حركات احتجاج اجتماعية شعبية واسعة في البلاد.

تأثر الاقتصاد السوري بنمط الحكم الشمولي للبلاد الذي استاثر فيه حزب واح هو حزب البعث بالسلطة منذ عقود في ظل قانون للطوارئ ومن أهم مشاك الاقتصاد السوري:

1- التراجع المستمر في مساهمة القطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية في الناتج القومي لصالح قطاع الخدمات، ما سبب خسائر كبيرة في القطاع العام الصناعي وانهياره والعمل على تصفيته، بينما سببت السياسات الزراعية المتبعة وحالة الجفاف التي ضربت البلاد في هجرة واسعة للمزارعين من منطقة الجزيرة باتجاه الداخل بحثا عن الاستقرار ومورد رزق.
2- رغم استشراء ظاهرة الفساد في البلاد وتحولها لحالة عادية، إلا أن اللافت انتشار الفساد الكبير بشكل سافر في أوساط عائلة الأسد والمقربين منها من أجهزة الأمن والجيش ورجال الأعمال مع وجود غطاء سياسي وحماية من النظام الحاكم، ما سبب بتراجع الطبقة الوسطى بشكل واسع وازدياد الفجوة بين الأغنياء الجدد والفقراء الذين اتسعت أعدادهم بشكل كبير.
3- وضعت الخطط الخمسية بافتراض قدوم استثمارات خارجية واسعة، لكن استثمارات ضئيلة جاءت للبلاد وفقط عبر ضمان ومشاركة المافيا الاقتصادية السياسية الحاكمة؛ ورغم إصدار العديد من القوانين التي تصب في خانة الإصلاح والانفتاح الاقتصادي إلا أن رؤوس الأموال لم تأتِ وبقيت بانتظار الإصلاح السياسي الحقيقي والضامن لباقي الإصلاحات.
4- اعتمد النظام سياسة دعم المحروقات وبعض المواد الغذائية الأساسية كنوع من التعويض والمساندة للطبقات الفقيرة بدخلها الضئيل جدا لمواجهة ظروف الحياة الصعبة، وفيما بعد وعند السعي للاندماج في الاقتصاد العالمي والشراكة مع الاتحاد الأوروبي بدأت الحكومة إجراءات لرفع الدعم وتحويله للمستحقين فقط، ولكنها لم تنجح في ذلك، بل سببت تلك السياسات أعبا وعند السعي للاندماج في الاقتصاد العالمي والشراكة مع الاتحاد الأوروبي بدأت الحكومة إجراءات لرفع الدعم وتحويله للمستحقين فقط ولكنها لم تنجح في ذلك بل سببت تلك السياسات أعباء إضافية على الفقراء والمزارعين وصغار الكسبة.

مع اندلاع شرارة الاحتجاجات الشعبية الواسعة في البلاد لجأ النظام للحل الأمني والعسكري منذ البداية للسيطرة عليها وقمعها، ما أدى إلى ظهور مشاكل إضافية للاقتصاد السوري:
1- موارد الموازنة العامة للدولة كانت تعتمد على الضرائب والرسوم بشكل رئيسي، وكذلك الفوائض الاقتصادية من شركات القطاع العام والأرباح الناتج من قطاع النفط؛ ومعروف التراجع الشديد في نسبة تحصيل الضرائب والرسو خاصة مع توقف مناطق واسعة خرجت عن سيطرة النظام عن الدفع، وكان هذا المورد يشكل لوحده أكثر من نصف موارد الموازنة وأصيب القطاع العام الصناعي بالشلل، بينما خسرت الموازنة عوائد الحقول النفطية بعد خروج هذه الحقول عن سيطرتها بشكل شبه كامل؛ وفي المقابل استمرت حكومة النظام ملتزمة بالإنفاق الأساسي في المناطق الخاضعة لسيطرتها مع الاستمرار في دقع الرواتب والأجور وتقديم الخدمات الأساسية بالحد الأدنى، وبالنتيجة أصبحت الدولة بلا موارد.
2- ترتب على حكومة النظام تأمين الموارد المالية الباهظة لتغطية الحملات العسكرية الواسعة والطويلة والمرهقة لجيش النظام ومن المؤكد عجز الاقتصاد الحكومي عن القيام بذلك لوحده لولا الدعم الكبير الذي تلقاه من روسيا وايران ومن رجال الأعمال المرتبطين والداعمين للنظام وبالنتيجة أصبحت دولة بلا مدخرات واحتياطيات مالية ولا نقد اجنبي مما سبب انخفاض سعر الليرة بشكل كبير وارتفاع معدلات البطالة والفقر والتضخم لتصبح سورية في مقدمة الدول الفاشلة
3- انهيار البنية التحتية في البلاد وعجز الحكومة عن اعادة تاهيلها واصلاحه لتكلفتها العالية ولاستمرار العمليات الحربية وهذا بدوره سبب بتوقف عمليات الانتاج المتبقية في البلاد ومنع أي استثمارات جديدة وبقيت مناطق الساحل السوري هي الأكثر استقرارا في البلاد وتم نقل الكثير من المصانع من المدن الأخرى إليها لكنها لا تزال تعتمد على الحكومة المركزية بشكل أساسي
4- بسبب الأعمال العسكرية فقد خسر الاقتصاد السوري موارد كبيرة إضافية في قطاعات السياحة والبنوك والترانزيت والتجارة البينية مع دول الجوار والتصدير الخارجي وتوقف الاستثمارات الخارجية .

بدراسة نقاط الضعف التي كان يعاني منها الاقتصاد السوري قبل الثورة وما طرأ عليه من ضعف إضافي بعدها نستطيع ان نضع الملامح الأساسية التالية للموازنة العامة لعام 2015 التي يزمع مجلس الشعب دراستها وإقرارها:
1- لا رصيد ماليا لدى البنك المركزي لتغطية الإنفاق في هذه الموازنة سواء بالعملة الصعبة أو المحلية، وقد قام النظام بإصدار عملة ورقية جديدة منذ مدة قصيرة دون غطاء مالي أو اقتصادي، ما ساهم بانخفاض شديد في قيمة الليرة. وفي ظل التضخم الكبير، فإن الموازنة يجب أن تقدر قيمتها بالدولار من أجل تقدير القيم الحقيقية للسلع والبضائع والمشاريع.
2- لن تلحظ هذه الموازنة مشاريع استثمارية وخاصة في مجال إعادة تأهيل البنية التحتية والصناعية والزراعية المدمرة فمن ناحية، ليس هنالك موارد ولا إمكانيات كافية ولا تسمح الظروف العسكرية والميدانية بذلك، ولن يتم توجيه الموازنة الاستثمارية لكامل الأراضي السورية في استمرار لتخلي الدولة عن واجباتها الدستورية والتزاماتها تجاه شعبها مع الاستمرار في دفع الرواتب والنفقات الجارية قدر الإمكان.
3- ستكون هذه الموازنة مسخرة لتغطية نفقات الآلة العسكرية والأمنية للنظام واستمرارا لموازنة السنوات السابقة ولن تخضع لضوابط قانونية أورقابية أو محاسبية.
4- لن تكون هنالك صلاحيات للحكومة والسلطة التنفيذية على الموازنة وسيبقى دور الحكومة منحصرا في تصريف الأعمال بالحد الأدنى الذي يعطى لها وبالأصل فإنه كان يتم تجاوز الصلاحيات الحكومية عبر المناقلات الكثيرة التي كانت تجري باستمرار وبطرق وكميات كبيرة وتخصيص مبالغ ضخمة من الموازنة غير محددة الإنفاق ويتم تحويلها وفق رغبات القصر الجمهوري.

معروف أن الموازنة وطريقة صرفها وإنفاقها وتأمين مواردها تحدد السياسات المالية للدولة، وبالفعل فإن هذه موازنة للنظام لا لسوريا، وهي تدل بصورة واضحة أين أصبحت البلاد وما هو وضعها الاقتصادي والسياسي وهو وضع مزرٍ بطبيعة الحال.

من كتاب "زمان الوصل"
(5)    هل أعجبتك المقالة (6)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي