أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

قطة وكلب وحمامة.. ميخائيل سعد

مقهى سبيل يوسف باشا - تصوير: ميخائيل سعد

بعد أن غادرت محطة مترو "كباتاش" في العاصمة العثمانية، سرت في الطريق، الذي قيل لي إنه سيقودني إلى "قصر يلدز". فقد كنت أعتقد، قبل قدومي الى اسطنبول، أن القصر المذكور ليس له وجود، بل هو مجرد مثل يكرره السوريون للدلالة على أن البناء أو البيت المعني بالمثل هو فاخر وضخم، إلا أنه، مع ذلك، لا يرقى "إلى قصر يلدز" الأسطوري، ولكن تبين لي وأنا في اسطنبول أن "قصر يلدز" هو قصر حقيقي بناه السلطان سليم الثالث عام 1790، لوالدته يلدز، ثم تحول إلى مقر للحكومات العثمانية ابتداء من العام 1880.
ولما كنت قد اكتسبت، خلال وجودي في ديار العثمانيين، عادة التلصص على التاريخ ومواقعه التي تركها لنا، فقد كان أي أثر يستوقفني، لآخذ صورة له على الأقل، وهكذا لفت انتباهي، قبل الوصول إلى هدفي، بناء سبيل ماء قد تحول إلى مقهى عصري، فقررت إرواء ظمئي الصباحي بفنجان من القهوة التركية. جلست على إحدى الطاولات، وبانتظار حضور النادل قرأت لوحة تشير إلى أن السبيل قد بناه يوسف باشا عام 1786، استغربت لماذا سبيل المياه هنا، في مكان لا سكن فيه، ولا يبعد عن البحر أكثر من ثلاثين مترا، ولكي أنهي أسئلتي لنفسي قلت ربما إن يوسف باشا هذا كان بحارا أحد الأيام، ويعرف قيمة المياه العذبة وكيف يتسابق البحارة على شربها بمجرد مغادرتهم لسفنهم التي كانت تجوب البحر الأبيض المتوسط، الذي كان في زمن من الأزمنة بحرا عثمانيا، مثله مثل بحر إيجه ومرمرة والأسود ومضيق البوسفور، وقد يكون يوسف باشا تاجرا يشتري من هؤلاء البحارة ما تحمله سفنهم من خيرات الأرض إلى اسطنبول، فأراد أن تكون محطتهم الأولى في دياره، كي يكون له سبق الرؤية والشراء.

كنت ما أزال أطرح على نفسي الأسئلة محاولا في الوقت نفسه البحث عن أجوبة لها عندما تقدم مني النادل سائلا إذا كنت أرغب في شراب أو طعام، فطلبت، على عادة أغلب الأتراك، كأسا من الشاي أشربه مع كعكة السمسمية التركية، وسألته إن كان باستطاعتي التقاط بعض الصورة لسبيل الماء التاريخي وله فرحب بالفكرة. سألته، بعد أن جلس على طاولتي، عن يوسف باشا، فقال لا أعرف، ولكنه أحد الأثرياء، وأراد أن يذكر الناس اسمه ويترحموا على روحه بعد أن يموت كلما شربوا من ماء السبيل. سألته إذا كان يعرف تاريخ تحويل السبيل إلى مقهى، فقال: منذ حوالى ستين عاما، فقد كان قبلي مستثمر استمر هنا 25 عاما، ثم أتيت أنا، وأنا في هذه المقهى منذ ٣٥ سنة. سألت لمن يدفع الأجور، فقال لوقف اسطنبول، الذي يدير ويستثمر الكثير من هذه المواقع الأثرية، وهذا الوقف يعود بدوره لينفقها على المحتاجين ولترميم الآثار نفسها.

في الوقت الذي أمضيته بالحديث مع صاحب المقهى التركي، الذي ساعدته عربيته القرآنية في متابعة الحوار معي، كانت قطة بنية اللون قد استقرت عند قدمي تتمسح بساقي دون أن أهتم بها، صحيح أنني أحب الحيوانات، ولكن كنت مشغولا بالحديث مع الرجل، وفي قضم الكعكة، وكان في طرف الحديقة الملحقة بالمقهى كلب يستلقي بكل استرخاء واطمئنان في مكانه. بعد ان نفد صبر القطة وقفت على قدميها الخلفيتين ورفعت الأماميتين ووضعتهما على ركبتي بكل هدوء وثقة، حركت ركبتي قليلا كي تذهب ولكن دون فائدة، فقد عادت لتنتصب واضعة قدميها على ركبتي، نظرت في عينيها فقرأت حبا للإنسان ناضجا، لا خوف فيه منه، ولا تذللا في الطلب، فهي وإن كانت تطلب لقمة من الكعكة إلا أنها لا تشحذ ولا تتذلل، وإنما تطلب حقها الذي اعتادت على نيله من العثمانيين قبل قرون، وقبل ظهور مواثيق حقوق الإنسان والحيوان في أوروبا بمئات السنين.

لم أكن أبالغ في وصفي لنظرات القطة وما تحمله من معاني الطمأنينة والكبرياء والحق المحفوظ في الطعام والشراب والمبيت، فقد لفت انتباهي منذ أكثر من شهر ونصف، وهي فترة إقامتي في المدينة، أن الكلاب والقطط والطيور، وخاصة الحمام، موجودة في في جميع الساحات العامة والفناء الخارجي للجوامع والآثار وفي الأحياء السكنية، فغالبا ما يشاهد العابر أو الزائر أوعية خاصة موزعة في أكثر من مكان يقدم فيها الماء أو الطعام لكلاب الحي وقططه، كما يمكن للإنسان ملاحظة الأعشاش مسبقة الصنع التي تعلق على شرفات المنازل لإطعام الطيور العابرة. كل ذلك دفعني للبحث عن أصول هذه السلوكيات الإنسانية تجاه الحيوانات التي يمتع بها التركي فوجدت بعضها يعود إلى أكثر من مائتي عام، عندما كان العساكر الانكشارية يقدمون الطعام إلى الكلاب التي كانت تتجمع حول ثكناتهم، بالإضافة إلى الاجتهادات الصوفية التي كانت منتشرة في الدولة العثمانية، والتي تدعو إلى الرحمة والرفق بالإنسان والحيوان، وقد توارث الأتراك هذه الدعوات التي تحولت إلى سلوك يومي عبر السنيين. ويكمل السواح، هذه الأيام مهمة إطعام الحمام. فغالبا ما يشهد الإنسان باعة الحبوب في كل الساحات التي يتجمع فيها الحمام يبيعون علب الحبوب للناس الذين يودون التقاط الصور مع هذه الطيور.

أخيرا، ليست تركيا في ممارستها لهذه العادات، أوروبية، وانما هي إسلامية تستمد بعض عاداتها من تراثها العثماني الإسلامي، وهي ليست بحاجة لأن تنسخ تجارب الآخرين كي تتقدم وتزدهر اقتصاديا وإنسانيا، وخير مثال على ذلك هو تعاملها مع المهجرين السوريين خلال ثلاث سنوات من حرب الأسد عليهم.

من كتاب "زمان الوصل"
(21)    هل أعجبتك المقالة (21)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي