أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

البحث عما هو أقل سوءا ..... محمد جمول

ليس هناك شعب على وجه الأرض أكثر رضا وقناعة من شعوبنا. الفرد منا يرضى بالقليل الذي يحصل عليه. وإذا لم يحصل على شيء حمد الله لأنه لم يخسر شيئا مما عنده. وإذا خسر ما عنده وجد نفسه في حالة تستحق الفرح لأنه لم يخسر حياته وصحته حتى الآن. وحتى إذا ما تعرض لسوء المعاملة يعتبر الأمر عادياَ وليس له الحق في أكثر من ذلك. فحسن المعاملة يجب أن يظل من نصيب الذين خلق من أجلهم وخلقوا من أجله، وأنه سينعم به حين يصبح مؤهلا له. كل منهم يشعر بالسعادة لمجرد أنه خارج السجن، وإذا دخل السجن اعتبر نفسه محظوظاَ إذا اقتصر الأمر على الإهانات والسب والشتم لأنه لم يتعرض للضرب والعذاب الجسدي. وإن ضرب وعذب حتى الموت اعتبر نفسه محظوظاَ لأنه لا يزال على قيد الحياة. ومهما طال سجنه يظل سعيدا لأن هناك فرصة للخروج ذات يوم.

إنه كائن جميل لمجرد أنه لم ينقرض، ولهذا السبب وحده هو سعيد ومتفائل دوماَ، ولا يحب أي جديد فكل جديد يحمل شيئاَ ضده، وربما حمل أسباب فنائه. يشعر بالأمان مع الماضي فقط . الماضي هو الرحم الدافئ الذي يحن إليه دائماَ، وكل مالا وجود له في الماضي لا قيمة له في الحاضر والمستقبل. لذلك أدمن النوم، وحين فكر بالاستيقاظ ظل عشرات السنين يتثاءب ويتمطى ، معلناَ أنه ينوي النهوض. إذا استثير انفجر بطريقة تفاجئ الجميع لأنه يرى في القوة التي لا يمتلك منها شيئا، الحل الوحيد لكل مشكلاته. هذا ما يدفعه لقتل نفسه وخصمه في آن واحد بدل أن يحاور هذا الخصم أو يفكر بطريقة مناسبة لحل مشكلته معه، أو بأسباب هذا الضعف والبحث عن طريقة للخروج منه.
متدين بالفطرة، جميل بتدينه إلا إذا استيقظ وحش الطائفية أو العشائرية النائم في أعماقه ليحطم كل شيء، مبتدئاَ بذاته، إذ يعيده إلى جاهليته الأولى التي يحبها ولا يريد مغادرتها إلا بقدر ما تقتضي الطقوس والظروف الطارئة الضاغطة. كل مستحدث بغيض. يتطير حتى من الضحك أحياناَ . وحين يضحك من أعماقه يشعر أنه ارتكب إثما يخاف أن يدفع ثمنه أو يحاسب عليه. لذلك كثيراَ ما يتبع الضحكة بالقول " اللهم جنبنا شر هذه الضحكة “.

مقهور ومتفائل في آن واحد. مقهور لأن كل من حكموه كانوا دائما يقدمون له الوعود التي إن طالب بتحقيقها كان مصيره الجلد والسجن وربما الموت. ومتفائل بأن يكون حاكمه التالي أقل وعودا ليكون أقل عذابا و أقل شططا في تفاؤله وأكثر قناعة بما اقتنع أنه مقسوم له ، ولا مجال لزيادته أو نقصانه.
ألف انتظار من يقول له من يجب أن يحب ومن يجب أن يكره. وهناك من يتطوع دائما لتقديم هذه الخدمة الجليلة مجانا. ودائما هناك رجال دين ومفكرون كبار أو صغار يوفقون في إيجاد السند الديني والتاريخي والفكري المناسب اعتمادا على النصوص التي جرى تحضيرها وتحويرها وقسرها وقهرها لتناسب الغرض المطلوب حتى وإن كان طارئا. حين طلبوا منه أن يكره عبد الناصر وكل من شابهه في الفكر والمواقف اكتشف فجأة انه اهتدى إلى من إذا شتمه نال من الثواب ما يكفي لدخول الجنة. وعرف بطريقة لا تخلو من الإلهام أن عبد الناصر كان المسؤول عن خراب سد مأرب ولم تكن له أية صلة من بعيد أو قريب، بسد أسوان. وأنه السبب دائما في أمراض قناة أوستاش وقنوات الجسم الأخرى ، ولم تكن له أية علاقة بإعادة قناة السويس للسيادة المصرية ووضع عائداتها في خدمة الشعب المصري. ذات يوم قالوا له إن عليه أن يكره كل ماهو شرقي وأن يعشق كل ماهو أميركي وغربي ، فكان كما أريد له، وذهب وقاتل وضحى بالنفس والنفيس حيث طلب منه. والآن يستعد لصب جام غضبه على كل من تريد أميركا شن الحرب عليه، ابتداء من حزب الله والفلسطينيين وإيران وفنزويلا وكل من لا يرضى عنه سادة شركات النفط وصناعة الأسلحة وإسرائيل، لأنهم يعطلون توزيع العسل واللبن على شعوب المنطقة. وخصوصا أن إسرائيل وأميركا تعبتا وهما تحملان الكميات الكبيرة، التي كادت تفسد، من هاتين المادتين. إذا ما نجحت هذه المهمة ومنح أذنه وعقله وقلبه لأولئك الذين اعتادوا نصحه وتوجيهه، لن يبقى أمامهم إلا أن يطلبوا منه كراهية ذاته والحقد عليها، ثم يزودونه بالمتفجرات والصواعق والسيارات مجانا ويحددون له الأهداف والتوقيت

(11)    هل أعجبتك المقالة (10)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي