أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عيد الفطر في حمص.. تقاليد خالدة في الذاكرة

قبل أن تسفر الحرب عن وجهها القبيح، وتطغى مشاهد الدمار والدماء والأشلاء على كل شيء كانت نسائم عيد الفطر تهب على الناس فتزرع البهجة والسرور وخصوصاً بين الأطفال وتبدأ طقوس الاحتفال بهذا العيد قبل حلوله بيوم أو يومين، إذ ينتشر باعة غصون الآس في شوارع المدن السورية، ويقبل الناس على شرائها ويهيئونها لزيارة القبور صباح أول يوم عيد الفطر قبل بزوغ الشمس، وتوزع الصدقات قبل الذهاب للصلاة ويذهب الناس إلى المساجد بأفخر ما لديهم من ثياب وزينة وبعد الصلاة يتصافحون ويباركون بعضهم بعضاً ثم يتبادلون الزيارات مع الأقارب والأصدقاء ويدعو الموسرون لطعام العيد بعض ذويهم من المعسرين وكذلك يدعو رؤساء الحرف صناعهم وأجراءهم ويقدمون لهم العيدية وخلال الزيارات للتهنئة تقدم الحلوى والمعمول والسكاكر أو الملبس.

أما الأطفال فللعيد عندهم معنى آخر، فالنقود كثيرة والثياب جديدة وهنا نتذكر برية العيد التي كانت تنصب فيها الأراجيح ويجتمع فيها الباعة ويرتادها الرجال والنساء والأطفال، وكان من المألوف أن يشارك المسيحيون إخوانهم المسلمين في التهنئة. 

عيديات الأطفال
في كشكول الطفولة الكثير من الصور والملامح والذكريات التي لا تُمحى عن عيد الفطر السعيد ومظاهر الاحتفال به في الماضي روى لـ"زمان الوصل" بعضاً منها الباحث مصطفى الصوفي قائلاً: في الأسبوع الأخير من رمضان تهتم العائلة بتأمين الملابس والأحذية الجديدة ولذلك تكون الأسواق قبيل العيد مكتظة بالناس وتنشط حركة البيع والشراء يبدأ الناس عيدهم بذهاب الرجال إلى المساجد بعد صلاة الصبح لأداء صلاة العيد، أما النساء فيذهبن إلى الجبانات قبيل الشروق حاملات باقات الآس أو الورد لتشكيل القبور. 

ويضيف الصوفي: بعد أداء صلاة العيد التي تتم بعيد شروق الشمس يتوجه الرجال مصطحبين أولادهم لزيارة قبور ذويهم فيتلون الفاتحة ويعايد بعضهم بعضا بالتحية المعروفة (كل عام وانتم بخير) ومن آداب زيارة القبور كما يقول محدثنا أن لا تقتصر تلاوة الفاتحة على أقارب الزائرين بل تتلى الفاتحة وتوهب لأرواح الجميع. وبعد ذلك يعودون إلى بيوتهم لتناول الفطور ومعايدة أفراد الأسرة وتوزيع العيديات وهي النقود التي تعطى للأطفال في هذه المناسبة ويتزاور الناس في أيام العيد الثلاثة مقدمين التهاني بالعبارات التقليدية، أما أغلب الناس من الأولاد والمراهقين والشبان، فيذهبون إلى أماكن الألعاب، حيث توجد القلابات والدويخات وغيرها وحول هذه الألاعيب كنت ترى بائعي البزورات والقضامة والمسكي والسوس واللبن العيران والليمون إذا كان الجو حاراً وكل ذلك يختلط بأهازيج الأطفال وراء من يحرك بهم الدويخة أو القلابة قائلا: 
يا حج محمد، فيجيبه الأطفال باللازمة ( يويا .. يويا ) 
عيرني حصانك ... يويا ... يويا 
لشد واركب ..... يويا ... يويا 
والحق اسكندر ... يويا ... يويا
واسكندر مات ... يويا... يويا 
خلّف بنات .... يويا ... يويا 
بناتو سود ... يويا ... يويا
طقش البارود يويا ... يويا
ثم يقول لهم: قوموا انزلوا، فيجيبونه ما بننزل، ويعلو صياحهم حتى ينتهي الشوط حسب الزمن الذي يقدره صاحب الأرجوحة أو الدويخة أو القلابة ودوران الدويخة افقي أما القلابة فدورانها عمودي.

ولعبارة (يا حج محمد) التي يرددها الأطفال أثناء ركوب الأراجيح في المدن السورية قصة طريفة يرويها الباحث شاهر يحيى قائلاً:
عندما اعتقل الفرنسيون في سوريا الثائر إبراهيم هنانو وسجنوه تمهيدا لمحاكمته قامت السلطات الفرنسية بتكميم أفواه الناس وملاحقة كل من يتظاهر لمصلحة هنانو وقد اعتقل عدد كبير من الوطنيين والمفكرين لأنهم طالبوا بإطلاق سراح هنانو وقد تولى ملاحقة الناس في شأن إبراهيم هنانو في حلب ضابط كبير فرنسي عُرف باسم اسكندر، ولإرهاب الناس منعت السلطات الفرنسية عن أبناء حلب استيراد الأرز والسكر كعقوبة لهم بسبب مظاهرات قاموا بها محيين من خلالها هنانو وقد أصاب الناس جوع من جراء هذا المنع، إلا أن تجار لبنان تحايلوا بتهريب هذه المواد إلى حلب، وفي هذه الظروف ظهرت أغنية شعبية انتشرت بسرعة هائلة بين أبناء حلب ثم انتشرت في باقي المدن السورية وهي (يا حج محمد عيْرني حصانك) ومازلت هذه الأغنية جزءاً من طقوس الاحتفال بالعيد عند الأطفال في سوريا مرافقة لركوبهم الأراجيح.

خالد عواد الاحمد - زمان الوصل
(1)    هل أعجبتك المقالة (1)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي