أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الله يرى ولكنه لا يتدخل..... علي لهروشي

دقت الساعة الحائطية مزعجة مسامع – زايد - الذي حدق بعينيه البريئتين ، في عقاربها وهي تعلن السادسة مساءا ، بينما لا يزال ممدد الجسد في الغرفة التي تفوح منها رائحة النوم الكريهة ، سرعان ما وقف و هو يخطو خطوات بطيئة كالمشلول ، متوجها نحو النافذة للتعرف على حالة الطقس خارج البيت ، فلم يلاحظ أي فرق بين ظلمة الشارع ، وظلمة البيت ، فكر في مواصلة النوم عساه يحتفظ على المبلغ المالي الذي يتوفر عليه ، لأن الخروج من البيت يعني الدخول إلى الحانة التي لا تنام ، حيث الإسراف ، إذ لا مكان لأحد بالشارع بعدما طردت برودة الثلج الجميع ، وكأن البلاد في حالة الطوارئ ، وحضر التجوال ، لكنه تساءل منفعلا : إلى متى البقاء بالبيت ؟ وأي مكان أخر يتقبل ثقل جسدي هذا المساء غير الحانة ؟ اقتنع أن الحانة هي النور الذي يضيء ظلمة بيته وقلبه.. وهي التي ُتخرج الهولنديين من عزلتهم ، ووحدانيتهم في شققهم الضيقة ، توجه مسرع الخطى إلى الحانة التي يجد فيها راحته بأمستردام التي لا تعرف عيونها النوم ، المدينة اليقظة التي تناولتها حناجر المغنيين و أقلام الكتاب و الشعراء ، ليلا ونهارا ، لما تخفيه من غرائب وعجائب ، وما توفره لأهلها من أمن وأمان .. طالت سهرته ، وكاد أن ينسى نفسه ، ساهرا مع يقظة حانات المدينة ، حتى يسرف كل ما بحوزته من نقود ، لولا دخوله مرحاض الحانة ، ليفرغ بطنه المملوء بالجعة ، وهو يتبول بغزارة ، كمن استعمل الصنوبر ، ونسي الماء يتدفق .. غاب عقله عائدا إلى قريته ، التي يبعده عنها بمسافة تتجاوز ثلاثة ألف كيلومترا ، فسأل نفسه موبخا ، إياها أشد التوبيخ ، وهو يحدق بعينيه الذابلتين من جراء السكر كالوردة الهرمة ، بالمرآة المعلقة بالمرحاض قائلا: " ماذا أفعل بهذه البلاد الباردة المثلجة ؟ كيف استسلمت لداء الهجرة لينهش نخاع عظامي ، و ينخر جسدي كالسرطان ، ونسيت أيام عمري تمر بلا فائدة ؟ كيف تركت المجال فارغا بوطني لملك يأكل الأخضر و اليابس كالجراد ؟
شعر أنه استيقظ من سكره بعدما تلقى صفعة قوية على خده الأيمن ، من ماضيه اللعين ، ومع ذلك تعامل معه وفق تسامح المسيح ، حيث أدار له خده الأيسر ، لما قرر أن ينهي ليلته بالمرقص مرددا :" لا تظنوا رقصي بينكم طربا ... فالطير يرقص مذبوحا من الألم " .. انزوى إلى ركن من أركان الحانة ليس ليستكمل سهرته ، و إنما ليألف قصة حول عالم قريته الصغيرة ، التي تطارد مخيلته أينما حل وارتحل ، فتأسف باكيا من أعماق قلبه ، بكى بكاء من دواخله ، صار على إثره كالصبي الذي لا يعرف المرء سبب بكاءه ، إن هو مجرد رغبة في نيل شيء ما ؟ أم بكاء ، وصراخا ، وعويلا من جراء ألم يصعب التعبير عنه عبر النطق و الكلام ؟ أجهش بالبكاء لما تذكر تواضع ، و إنسانية أهل قريته رغم فقرهم المدقع ، هم لا يعرفون الضوء ، ولا المرحاض ، فكيف لهم أن يعرفوا شيئا عن التطبيب ، و التأمين وأوراق الإقامة ، و التعويض عن المرض أو البطالة ...؟ أطلت عليه طفولته عائدة به إلى الوراء..إلى السادسة من عمره حين دخل غرفة من الغرف المظلمة ، المكونة لمنزل أبائه .. منزل مبني بالطين و القصب ، كانت رغبته أن يطل على أمه ، تلك المرأة التي أخرجته لحمة من رحمها ، بعد تسعة أشهر من الحمل ، وجدها ممددة الجسد على الأرض ، ملقاة على زربية قديمة ، دون أن يعلم أنها قد فارقت الحياة ، و هي حامل ، ماتت و بداخل أحشائها شيء مجهول ، وانتقل السر معها إلى القبر ، سر ظل مجهولا كهذا الزمان المعقد عن الفهم ..قد تكون ماتت بسبب جنين عصى عن مغادرته الرحم نحو هذا الوجود الغامض ، كأنه يدري قسوته ، وبذلك حدد أيام عمرها ، لما خطفتها المنية في ليلة بائسة ، كان فيها شيخ القرية يفرض على الناس رفع راية المغرب الحمراء ، لترفرف بالقوة على علو المنازل ، و القصور ، و الأكواخ ، بتهديد يحمل معه معاقبة من لم ينفذ الأمر ، لأن الملك وحاشيته ينتحلان عظمة الله و الملائكة ..كان البرد قارسا ، بينما الغم و الهم يخيمان على قلوب الأجانب من القادمين نحو بلاد الأراضي المنخفضة ، خاصة المهاجرين من البلدان الحارة الدافئة.. فجأة قذف الباب الخارجي للحانة بجسم – زايد - هذا الشاب في الثلاثينات من عمره ، قصير القامة ، أسود الشعر ، تعلو وجهه تجاعيد الإعياء ، و التعب ، مما يظهره كرجل مسن غارق في همومه ، وغموضه كعالم الغيب و الوجود ، كان جسده يرتعد بردا، و هو يتمايل يمينا و يسارا ، وقد بلغت دوخة رأسه حدها ، و شعر بدوران غريب ، كأن رأسه سينكسر ممزقا شظايا كالمرآة التي تكسرها العاهرة الشرسة ، كلما فقدت الثقة في جمال وجهها ، مكتشفة أن حسنها قد خدعها لزمن طويل ، و أخذتها السنوات نحو اليأس ، وفقدان الأمل ، في ما تبقى من حياتها .. كبل الحزن عقله ، وذاكرته كتلك العاهرة ، حين شعر أنه ينتقم من نفسه مستغلا حرية هذه البلاد الباردة ، التي لا تعرف كل فصول السنة الأربعة ، بلاد منحته حرية الشرب ، و السكر حتى الموت إن شاء ذلك ، فهو صاحب الاختيار ، دون أن تطاله أيادي القمع الوسخة ، التي تحكم وطنه تحت راية نتنة قذرة ، تتوسطها نجمة خماسية ، خضراء اللون لا تحظى باحترام أحد من العقلاء ، فكم من واحد عبر سرا ، أنه يكرها أشد الكره ،إلا أن إعلان ذلك جهر ا يؤدي بصاحبه إلى الموت والنهاية ، أو إلى الهجرة كأسراب الطيور بحثا عن مناطق الدفء و الأمان ...
توقف قلمه عن الكتابة .. احتارت نفسه ، وذاكرته ما بين ممارسة الضغط لإعصار الذاكرة و مزاولة الكتابة ، حيث التذكر والتدوين ، وما بين المزيد من الشرب واحتساء الجعة ، حتى بلوغ قمة الدوخة ، و السكر حيث الرقص والنسيان ، حينها قرر أن يتجه بجسده المتعب ، للتخلص من عتمة ، وسواد هذه اللحظة ، فكان أن انتقل مشيا للتربع طيلة الليلة على مقعد من مقاعد حانة مجاورة لسكناه ، حانة قابعة البنيان بمنطقة الشرق القديم لأمستردام ، حيث يقطن.. مدينة شاء الطقس هذه الليلة أن يلبسها بذلة بيضاء كالعروس ، حيث الإفراط في تساقط الثلج ، فاختلط تعبه ببرودة جسده ، فلم يدر لماذا حرقت ذاكرته كل هذه المراحل ، لتطل من عالم الغربة و الاغتراب على أوجاع وطنه المجروح ، كالطير المصاب بطلقات نيران بندقية الصياد ، صار مثل ذلك الطير المرفرف في أعماق المجهول ، باحثا عن موطن الخضرة ، و العيش.. قلب ، ويقلب صفحات ماضيه متوقفا عند كل صفحة تذكره بعظمة ، وتواضع ، و كرم أهل قريته المنسية ، فيقف لهم إجلالا و تقديرا ، و احتراما لصبرهم ، وعزمهم ، وإصرارهم على مواجهة ظروف الحياة الصعبة ، وهم يخرجون الشيء من العدم ..وكثيرا ما شعر بمفعول الجعة ، ودوران الرأس ، و الحنين يشدونه بحبالهم القوية إلى قريته ، يعجز أحيانا عن المشي و الحركة ، كلما أحس بذلك الصمت الذي يخيم على الأزقة و الشوارع كقنطار ثقيل على كتفيه من الهم والغم و القنوط .. إنه صمت مخيف كسكون الليل والجنازة.. اختطف عقله من قبل تلك اللحظة والسكينة الهادئة ، كما تخطف العاشقة حبيبها للانعزال به في مكان يحقق لها رغبتها في الحب و الغرام ، بعيدا عن العيون ، مما جعله يتسلل خلسة للنبش في أغوار ماضيه ثانية ، وثالثة ، ورابعة .... و إلى ما لا نهاية .
جلس كما يعرفه زبناء الحانة ، وسيما واعيا ، يستمع أكثر مما يتكلم ، وهو المعروف بنصحه لمعارفه ، و أصدقائه على أهمية الصبر ، و الثبات ، والرزانة .. فجأة دخلت فتاة هولندية جميلة الوجه ، حلوة الابتسامة ، تثير نظرة الذكور من الرجال عيناها تشبهان البحر في عمقه ، وزرقة مياهه ، فتمنى أن تلتفت إليه كجالس هادئ ، صامت ،غارق في وحدانيته ، وتكلمه ، مرددا في الخفاء : " آه ! لو تذكرتني ، و تكلمني تلك الجميلة التي تشبه القمر ، إنها من الملائكة ، تمنيت أن تلتفت إلي كي أحيها بابتسامتي الغرامية ، مذكرا إياها بلقائي القصير الأول معها الذي رتبته لنا الصدفة من قبل سنة ، حينها ستكون سعادتي عن غير عادتها ، و أكون أنا المحظوظ بهذه الحانة ، لكنني أخشى أن أكلمها فتنفر مني ، أو قد لا تحب معاشرة الأجانب ، وخاصة من يتبين أنه من العرب و المسلمين ، هي لا تعرف دواخلي على أنني لست لا عربيا ، ولا مسلما ، ولم أكن متدينا من قبل ، و ليس لذي نبي و لا إله ، فإلهي هو الضمير ، فمن له ضميرا له بذلك إله ..." لم يكلمها خشية أن لا يضايقها ، ويفسد جلستها ، وليلتها الهادئة ، وهي تقبل النساء المتواجدات بالحانة ، تمنح لكل واحدة منهن لحظة وجيزة ، كأنهن ينتعشن من عبيرها ، تتحرك بينهن لتفرق عطرها كالوردة ، توزع رائحتها الجذابة بالتساوي ، مقيمة الوزن بالقسط ، كي لا تخسر الميزان .. قمع ذاته كعادته ، ومنعها من أخد المبادرة ، محاولا أن ينظف طاولته المملوءة بأوراق ، بعضها مسودات قديمة تنتظر التمزيق ، وأخرى بيضاء تترجى مند أيام أن تكتب عليها كلمة من الكلمات ، كي تدب فيها الحياة ، وتتبدل من ورق إلى أيام وذكريات ، بمفردات وبكلمات فقط ، ليجتاز بها يبوسة الصمت نحو خضرة الكلام ، ويعبر بها الجسر من بحر النسيان إلى بحر التذكر ...
- أتسمح لي بالجلوس جانبك ؟
يأتي صوت حنين ، رطب لين كالحرير ، لينزل على مسامعه كالوحي ، فلم يهتم بالأمر لأنه منشغل بتنظيف الطاولة من أوراقه المبعثرة ، تجنبا لإثارة غضب النادل ، سمع السؤال مرة ثانية ، لحظتها رفع رأسه لشغفه بتتبع خطوات تلك الحسناء ، فوجدها واقفة بجانبه تنتظر منه الإجابة عن سؤالها ، تحرك مرتبكا كالفقير الجائع الذي عثر على الكنز ، وقف بأدب ولياقة ، تقديرا لجمالها الناعم مرحبا بقدومها للجلوس جانبه ، معتذرا بينه وبين نفسه دون اعتذار ، على وجه حزن لم يخلعه مند أيام ، فخذله صوته مبرزا فرحه بقوله:
- تفضلي ، تفضلي ، يسعدني جلوسك هنا بجانبي .
رتب كل الأوراق ، ليترك مكانا لها ، و لكأسها المملوءة بمشروب الجعة الباردة ، تلك الكأس التي تتبدل بين لحظة و حين من قبل النادل المراقب بعينيه الواسعتين لكل حركات الزبناء ، من الواقفين و الجالسين ليحقق مطالبهم ، وضعت مطريتها السوداء ، على جانبها الأيمن ، وأرخت شعرها الذهبي ، على وجهها الجذاب بجماله السحري ، الذي تحول بابتسامتها إلى شبه وردة يحفر جمالها في باطن القلب ، خاصة بقلبه الصحراوي الجاف ، الذي لم تنزل عليه أية قطرة حب من قبل ، ثم قالت :
- هل لازلت تتذكرني ، أم نسيت لقائنا الأول ؟
حينئذ خطف ورقة بيضاء ثم كتب عليها : " من منا الآن يطفئ أو يشعل مشاعر الآخر ؟ لا أدري ، فقبل تعرفي على هذه الحسناء لم أنجز شيئا في مجال الكتابة يستحق الذكر .. معها فقط سأبدأ الكتابة ويكون الحب ، والشقاء هما الحبر والمداد .. و لا بد أن أعثر على الكلمات ، لأنسج خيوط شعوري ، وإحساسي الرقيق اتجاه هذه الجميلة التي عرفتها لساعات معدودة ، فصارت أزمنة تحسب بالسنوات ، لما خطفتها مني الأيام اللعينة ، كما تخطف الأم القاسية ثديها من فم رضيعها البريء ، فمن حقي أن أقرر اليوم كيف أكتب الكلمات خلف الأخرى لألون هذه الصفحات ، بدءا من لقائنا الأول ، حتى هذا اليوم السعيد حين عادت كما يعيد التاريخ نفسه بهذا العالم الغريب . عادت رغم ابتعادها عني لمدة تجاوزت السنة " وبعد هذا الصمت نطق مجيبا :
- لأزال أتذكر حتى اسمك - ياريخ – وهذا ما وشم بذاكرتي كصلصال لن يمحوه الزمن ، أليس كذلك ؟
- حقا أنت تتذكر اسمي رغم إفراطك في السكر ، ذاكرتك قوية وقلبك طيب .
لم يذكر بالضبط اللحظة التي التهمته فيها نيران الحب و العشق و الغرام ، كما تلتهم ألسنة النار الحريق ، فاحترق قلبه بحبها كفتاة يانعة ، لامعة كالذهب ، ذات الوجه الجميل الصافي كالماس ، فرد قائلا :
- قد أنسى كل شيء سوى اسمك ، وصورة وجهك الجميل ، كم حاولت الاتصال بك على رقم الهاتف الذي منحتني إياه ، ولم أفلح ، فأخذك الزمان مني ، كما أخدني من نفسي .
- اسمح لي لقد غيرت رقم هاتفي لأسباب أوضحها لك في لقاء أخر ، أخشى ألا تكثر من شربك للخمر ، وتضر بصحتك ، سجل رقم هاتفي الجديد وحدد معي موعدا للقاء آخر قد نتحدث فيه بتفصيل صريح . فأنا متأسفة ونادمة على ما حدث
- لم يحدث شيئا ، و لا داعي للأسف ، فأنا واحد ممن يفقد كل الأشياء الغالية بسهولة ، وقد تعود قلبي على تحمل الهزائم.
- سأعوض لك كل شيء أعدك وعدا لا يخالف
لم يتركها تكمل كلامها حتى سألها بفضوله قائلا :
- وهل سنتقابل مرة أخرى ؟
- أكيد ، وقد تتوطد علاقتنا من جديد إن شئت ذلك ، فما رأيك في تحديد موعد غدا ؟
- نعم ، نعم لا مانع عن ذلك ، و كم ترجيت لقاءك .
- إذن ، أستودعك اللحظة وسنلتقي بمقهى – البالي - غدا .
- وداعا ، وليلة سعيدة
- سأراك غدا .
رن المنبه على الساعة السادسة والنصف من صبيحة اليوم الموالي ..كان الصباح هادئا .. صامتا صمت المقبرة ، والرأس مليء بتصاميم مختلفة منها القيام بالعصيان ، والتمرد ضد الشغل والمشغل ، تلبية لنزوة الجسد في الخلود للراحة و الاستمرار في النوم العميق ،الذي لم يزر الجفون بعد ، بينما الأزمة ، والضائقة المالية ، و العوز ، والفقر يفرضون معادلتهم في رفضهم لتلك الرغبة و النزوة ، لكن الخوف و التخوف من الأزمة المادية حيث الجوع و العوز يطغون بثقلهم على الذهن و القلب ، حينما يحس المرء بالمسؤولية و بالضعف أمام قوة ، وشراسة الزمان ، ومتطلباته .. يرتعش الجسد ، فترتبك الأفكار منحسرة داخل العقل ، بين المزايدة على الزمن حيث الاستمرار في نوم يعقبه الندم ، كلما ظل المرء متأزما ، وبين الاستسلام للواقع ، والنهوض سريعا بلا تردد لمغادرة السرير ، حيث الاتجاه نحو مكان الشغل ، فلم يكن – زايد – الوحيد الذي يوضع كل صباح باكر أمام هذا الصراع النفسي ، بل كل من يقضي ليلته في السكر حتى الثمالة ... تمنى أن يمر اليوم بسرعة ضوئية حتى يتسنى له الإنفراد بعشيقته للحظة سعيدة .. شعر بالفرح ، والحماس في شغله ، خاصة وأن مشغله من أطيب الناس لما يبدله من مجهود لمساعدته ، و لم يخيم على ذهنه ، سوى حرارة اللقاء المنتظر ، وما يخلفه الحب من دفء بالذهن وبالجسد ..مشى بعيدا .. بعيدا و هو يتحرك كالماء في المنحدر، لم تهزمه العقبات ، و لا المنعرجات ، و لم يشعر بالإعياء ، رغم ما يقال على أن المرء النحيف الجسد ، والضعيف البنية البدنية ، والأعرج مثله قد لا يقاوم محنة الشغل ، و لا يتحمل المشي لمسافات طويلة ، ولن يستطيع مواصلة الطريق نحو النهاية ، ومن تم تحدى بعزه ، و بشرفه البداية ، فكانت الانطلاقة .. انطلق لأن الفقير مثله ليس لديه ما يخسره سوى عزه ، و كرامته تلك ، فليس غاضبا سوى على وطنه الذي رمى به بعيدا في عمق بحر الغربة و الاغتراب ، كما يرمى بالخرق المتسخة عند ولادة الجنين ، لكن نيران غضبه سرعان ما تنطفئ من جراء حبه لصديقته الهولندية ، وهو الزاد الذي يقتات منه ، و يمنحه القوة و البقاء .. مشي متحديا قسوة الطبيعة ، كما سبق له و أن تحدى حياته الشاقة ، التعيسة ، بينما الساعة مسائية يخيم عليها زمهرير بارد ، وريح صرصار عاتية ، تخيف القلوب بنشرها الرعب في نفوس ساكنة أمستردام ، من جراء تكسيرها لأغصان الأشجار الجافة ، وزعزعتها للأبواب ، ولنوافذ الشقق ، و المنازل .. أسرع خطاه ملتويا مع أزقة ، و شوارع المدينة ، التي يعيش فيها مهاجرا مقيما بطريقة غير شرعية ، دون أن يخشى سلطاتها كما يخشى السلطات القمعية المستبدة بوطنه المغرب ، فلا شيء يشغل باله في هذه اللحظة سوى رغبته في الانضباط ، و حضوره في الزمان و المكان المحددين للموعد المضروب مع صديقته بمقهى – البالي – مقهى تحولت بنايتها من مجرد سجن ، تعلوه صيحات السجناء ، إلى مقهى مفتوحة للجميع ، فيما يحول النظام المغربي المقاهي إلى مخافر للأسر ، لتعذيب المعارضين له ؟
فتح - زايد - باب بيته وسكنه أمام الجميع ، وأغلق قلبه أمام العشق ، والود ، والغرام ،بعدما أصيب بالإحباط النفسي ، فلم يزره أحد ، ولهذا قرر أن يغلق باب بيته من جديد ، ليفتح قلبه عسى أن يكثر زواره .. يمشي ملتفتا إلى كل من يمر جانبه ، يحيه مبتسما في وجهه ، حتى وإن كان البعض لا يرد التحية بالمثل ، ممن يكرهون الأجانب ، فيتساءل كلما تصفح صفحة من حياته مطلا على طفولته قائلا : " أيحق لي أن أبتسم وأنا الغريب بين أكوام من الثلج الشبيهة لمادة الملح ، أو السكر المكدس بمخازن ، و معامل الأغنياء بوطني الأصلي ؟ من يصدق أحزاني ، و أشجاني عندما أشعر بالخوف من هذا العالم الذي لم يشعرني بالدفء ، والحنين كما تشعر المرأة عشيقها أو صبيها بذلك ؟ " لكنه ضحك كالأبهى وحيدا في الشارع ، عندما برز الوجه الحسن لصديقته وهو ينعكس بمرآة مخيلته ، مهيمنا على رؤيته ،و قلبه لحظة نومه و يقظته ، يطل وجهها كالشمس الساطعة ليضيء فراشه ، وتظهر قامتها بارزة في كل زمان ومكان ، وبكل ركن وزاوية ، وهي خيط الأمل الوحيد الرابط بين حياته أو مماته بالمهجر . كان أمله الوحيد في هذه اللحظة أن يجدها في الموعد ، فابتسم فرحا مسرورا حتى فاضت عيناه بالدموع ثم ردد قائلا : " إن أفضل ، و أجمل ابتسامة هي التي تشق طريقها عبر الدموع ، سأعمل كل جهدي لأقنع صديقتي بالزواج مني ، مادمت فرحا لأول مرة في حياتي بسبب حبها وعشقها لي ، أنا المنسي من قبل الله و البشر، أكون معها أسرة صغيرة متضامنة ، متحابة متخلقة ، لا يفرق بينها أحد مهما كانت شرارة الحساد ، و المنافقون ، ممن يسعون إلى التفريق بين المتحابين ، بحجة اختلاف الثقافات ، أو العادات ، و الآراء ، والأديان ، فأنا الوحيد الذي يعرف رغبات نفسي ، ومطالبي ، ولا حاجة للاستماع لآراء الآخرين فيما يتعلق بالحب و الغرام ، أعرف أن المرأة من الأصل المغربي لا تناسبني ، ولن تدوم حياتي الزوجية معها - نعم- لن يتحقق ذلك اللقاء ، فأنا أكره العادات ، و التقاليد ، لن أذبح شاتا ، و لا خروفا ، ولا دجاجة ، فلا شأن لي بالأعياد الدينية ، و لا بشهر رمضان ، شهر الصيام والغضب ، و الجوع ، ولن أطلق أسما عربيا على ابن من أبنائي ، اللذين لم يولدوا بعد ، فأسماء أجدادي الأمازيغيين هي أصلي ، وفصيلتي ، فمن هي الفتاة المغربية التي ستفهم رغباتي ؟ من سيبلغ منهن الدرجة الإنسانية التي بلغتها حبيبتي الهولندية؟ "
خطى خطوات مسرعة بقامته القصير، و شعره الأسود سواد الليل ، ووزنه الخفيف ، مما يجعل البعض يتكهن أن الريح ستحمله كما تحمل أ وراق الأشجار الذابلة ، في صبيحة خريفية .. شعر بالفرح والسرور لما وجد نفسه عاشقا ، ومعشوقا من قبل فتاة جميلة ، فالحب شعور رهيب مفرح ومخيف ، وإحساس يتملك دواخل الذكر أو الأنثى ، ويعمي البصيرة ، فيعجز العقل بذلك عن رؤية أي شيء ، دون المحبوب ، لهذا قال زايد في الخفاء : " الحب سحر ، وجاذبية تجدب الإنسان للانبطاح لمن يعشق ، ويحب ، مهما كلفه ذلك من ثمن ، و المحب أسير لحبه حتى وإن طالت مدة الأسر . " صار بدوره أسيرا لحب فتاة بهذه المدينة الأوروبية ، المتميزة بتربتها التي تغير ألوانها الثلاثة كل سنة ، حيث اللون الأسود كلما ظلت السماء ملبدة بالغيوم ، مكثفة ، غاضبة ، فيكشر المطر عن أنيابه إذ لا يتوقف عن النزول لشهور عديدة ، قد يفرح فيها الفلاح ، فيما يحزن فيها التاجر ، و تتغير هذه البذلة السوداء ، كما تتغير قلوب الناس بين البياض ، حيث السلم و التسامح ، وبين السواد ، حيث الانتقام والعدوان ، فترتدي المدينة بدلتها البيضاء الناصعة الصافية ، حينها يعم الفرح و البهجة على القلوب الغاضبة ، رغم برودتها القاسية ، كلما نادت اللحظة بذلك ، فيتساقط الثلج الكثيف ليكسو بياضه علو العمارات المتشابهة الألوان و التصاميم ، و البنايات الشامخة ، وهو ينشر بياضه على أغصان الأشجار الضخمة الغير مثمرة ، ويغطي البساتين ، و الحقول ، و الحدائق ، كما تغطي الطيور صغارها بأجنحتها لحمايتها ، وقد يختلف الهولنديون بين من يحب المطر ، وبين من يعشق الثلج ، لكنهم يتوحدون ، ويسعدون ، ويفرحون حتى حد الجنون و الحماقة عند بزوغ الشمس ، و اخضرار الأشجار، حينئذ يكثرون من اللقاءات ، وتبادل الزيارات ، وتكثيف الاتصالات ، خارج مساحات منازلهم الضيقة ، وهم يهرولون متسابقين للحصول على مكان بحديقة من الحدائق ، أو بمنتزه من المنتزهات ، للتمتع بلدة الشمس الساطعة ، التي تظهر فجأة وتغيب بسرعة ، وهكذا ترتدي المدينة حلتها الخضراء ، ولونها الثالث خلال السنة . بهذا اللون الأخضر ينفجر المخزون الجمالي الذي تخفيه المدينة ، فيختلط جمال النساء بجمال الطبيعة ، يرسل المرء بصره للتمعن في جمال كل الأشياء . ومع ذلك تظل عيون أمستردام مستيقظة ، لا تنام ، لأنها تعودت عن المفاجآت التي يحدثها الطقس المتقلب ، صار - زايد – مثل أمستردام لم يهتم بذلك التغير في الجو ، أكثر مما اهتم بلقاء حميمي يجمعه مع معشوقته ، وكم ردد بينه وبين نفسه قائلا : " الورود كالنساء في الحسن والجمال ، والنساء بدون قيم كالورود الجميلة بدون رائحة ، ولن تفقد تلك الورود عبيرها إلا إذا شمها الجميع ، كما لن تفقد النساء الجميلات قيمهن إلا إذا عاشرهن الجميع في غرف النوم . "
وصل – زايد - في الوقت المحدد ، ينزف قطرات مطر مازالت عالقة على أطراف شاله الأسود ، يبدوا أنه جلس في المكان الخطأ ، مكان هادئ جدا هذا المساء ، رواده قليلون أنيقون ، أتى إليه النادل بكأس من الجعة ، نظر بعمق إلى مشروبه الأصفر اللون ، اصفرار زيت زيتون شجيرات قريته القليلة متسائلا في الخفاء : " لم لا تحتل الجعة مكان الليمون ، فيكون الفاكهة الأكثر إغواء ؟ ماذا كان أبي سيفعل لو علم أنني الآن هنا بهولندا أحتسي الجعة ، منتظرا قدوم حبيبة قلبي ، بعدما كنت لا أمثل بعوضة مضرة بوطني المغرب ؟.. راح يستعرض أسماء أصدقائه من أطفال قريته ، رأى نفسه طفلا واقفا كالمشلول ، فيما باقي الأطفال يفرون ، يهرولون ليستقبلوا أمهاتهم العائدات من حفلات القرية ، أو من مآتم من مآتمها ، وهن يجلبن قطعة خبز تتوسطها قطعة لحم ، تفوح منها رائحة لذيذة ، تثير شهوته كالكلب الجائع ، ولا أحد منهم يلتفت إليه ، يقف جامدا حزينا كالتمثال ، يخيم على عقله صوت الموتى ، لكونه يتيما.. ظل يتأمل حبات الزيتون التي تعيد ذاكرته إلى الطفولة ، حيث انتفاخ أصابعه بالبرد وهو يساعد أباه الذي وافته المنية بدوره من جراء الإهمال ، مات وفي قلبه غصة لأن صغاره الثلاثة بدون مأوى .. أبحر في أغوار ماضيه ، فجأة تعالى رنين هاتفه الخلوي على نغمة موسيقى – بيتهوفن – لينقل له صوت صديقته ، الذي يغزو اعماقه كالفرح .. اتصلت به - ياريخ - ، فتحول صوتها إلى سر غامض .. إلى حكاية انتقام لم تنطلق فصولها بعد ، فلم يتذكر من قولها سوى : "اعتذر عن لقائنا اليوم ، أرجوك أن تغير المكان المحدد ، وأن ترحل فورا من سكناك ، وأن تبحث لك عن شغل جديد في مكان مجهول ، لأن - موريس - قد سرق اليوم دراجتي ، سأخبر الشرطة حالا ، فلم أكن أتوقع منه أن يختار أسلوب الانتقام مني ومنك ، عندما علم برغبتي الزواج منك ، أنت الآن مجرد ضحية بريئة لأخطائي ، وسنتحدث في كل التفاصيل غدا .. استودعك الليلة ..انقطع الاتصال ، وتوقف صوت الهاتف ، لم يتردد لثواني ، طلب من النادل أن يمده بكأس أخرى من الجعة ، وينهي الحساب " لا بأس" تمتم النادل وهو يخطو خطوات لتلبية الطلب ، عاد يتكلم ، ويتكلم حاملا معه الفاتورة ، فيما كان - زايد – لا يفكر سوى في تصرف – موريس – الذي يخفي حقده وشره ، وحسده ، خلف نظارتين من زجاج أبيض اللون ، تضخمان له رؤية الأشياء ، فهو أعمى البصيرة ، ، وقليل النظر ، عيناه واسعتان ، تبرزان الغدر و الخيانة ، فيما يكثر من الابتسامة كلما حيا أحد من معارفه ، تارة يجلس منكمش القامة ، يبدو كخزان إنساني للحشمة والحياء ، وتارة يتحول إلى أسد أردد يطارد كل الفرائس لامتصاص دمائها ، والتلذذ في تعذيبها .. دميم الوجه ، يمشي مشي الأنثى ، يجهل أمه ومن أنجبه إلى هذا الكون حراميا متخصصا في إفساد علاقة الآخرين ، ينطبق عليه البيت الشعري القائل : " إن الأفاعي إن لانت ملامسها ... فعند التقلب في أنيابها العطب " و كيف يا ترى هيمن بخُدعه على عقل هذه الحسناء ؟ مع العلم أنه من السهولة على كل من تجاذب معه أطراف الحديث مند الوهلة الأولى أن يكتشفه كمخلوق خطير، مزدوج الشخصية ، يظهر الود ، والصدق ، والإخاء ، والتسامح ، فيما يمارس الحقد ، والعداوة ، و الشر و الانتقام .. كان رجلا متجاوزا للأربعين سنة من عمره ، داكن اللون ، طويل القامة ، نحيف الجسد ، لا شغل يثنيه على تعقب خطوات – ياريخ – لكونه مستغلا لها لفترة طويلة لتحقيق نزواته ، يراقب حركاتها وسكناتها من بعيد دون أن تعلم بذلك ، تسلل هذا المساء خلفها كاللص المتمرن على النهب ، والسرقة ، تركها تغلق دراجتها ببطء كعادتها ، متجهة نحو بيتها لتستحم ، مستعدة للقاء حميمي مع صديقها الجديد – زايد – الذي ينتظرها على أحر من الجمر ، أسرع – موريس – فسرق دراجتها ، نكص على عاقبيه ، وولى الأدبار فماذا سيكون شأنه لو بصرت به عين ، أو شاهده إنسان ! ها... ها ... لأضحى إذن عبرة في الورى ، ومجرما لا صنو له .
ابتلع – زايد – غضبه متحاشيا اتخاذ أي قرار متسرع قد يدمر حياته ، ويغير مجراها بعودته نحو البؤس ، والفقر المدقع ، والرمي به فريسة للسلطات المغربية ، التي تنتظر عودته عن شغف ، لمعاقبته على اثر مناهضته للملكية الحاكمة ، تحت راية الظلم والطغيان .. راح يتصفح جريدة من الجرائد الهولندية ، يتابع أخبار محرقة إحدى عشرة شخصا من المهاجرين السرين بالسجن ، مستغربا من برودة أعصاب الحراس ، الذين لم يهتموا بصفارات الإنذار ، وكأن السجناء مجردة أمتعة يمكن تعويضها ، ومن تعنت الحكومة اليمينية التي ستجلب بتعصبها ، وبعنصريتها الدمار ، والخراب ، لهذا البلد المستقر ، فتساءل منفعلا : متى سيعي الجميع أن الإنسانية فوق القانون؟ وهل يضيف التاريخ مأساة هذه المحرقة الحديثة ، إلى محرقة اليهود القديمة ؟ وما الفرق بين المحرقتين إذا كان الإنسان فيهما هو الضحية ؟ خرج من فضاء تأمله وما يستنتج عنه من فرضيات محرجة و مخيفة .. دفعه الإرهاق وثقل الأسئلة للتوقف ، ثم السير نحو الباب الخارجي لمقهى - البالي – دون أن يهتم بصفعات البرد القاسية ، لأن دواخله قد تحولت إلى بركان تلتهمه ألسنة النيران المشتعلة غضبا ، وحزنا .. واصل السير ، ثم توقف جانب بوابة البنك المجاور ، بدت له البناية قديمة ، عتيقة ، و ازدادت دوخة رأسه شدة ، بأضواء المدينة ومنظرها الجذاب ،الذي يحيي في أعماق المرء رغبة الطفولة ورغبة السهر ، والمرح ، واللهو ومواصلة السكر ، حتى بزوغ الخيوط البيضاء لفجر مجهول ، تعالى رنين هاتفه من جديد .. نبهته صديقته بعدم ذهابه للبيت الذي يسكنه ، لكون - موريس - الشرير قد أبلغ الشرطة بتواجد ه بأمستردام كمهاجر غير شرعي ، وهي الخطة التي رآها مناسبة ، لتكسير العلاقة الغرامية ، الصادقة المشتعلة بين – ياريخ – التي كانت تبحث منذ صغر سنها عن رجل يمنحها الدفء و الأمان ، وبين – زايد – الذي يستطيع منحها كل شيء من أجل الحب و الغرام.
قرر – زايد - في هذا اليوم الذي يعرف طقسه نوعا من الاضطراب ، و التبدل ، أن لا يغرق في عالم السياسة كعادته .. فضل بذلك الانعزال لحظة في خلوته للتأمل في وضعه كمهاجر غير شرعي ، عساه يجد حلولا ترضي نفسيته ، سرعان ما جرته ذاكرته إلى شرود لم يعشه من قبل .. أمعن النظر في محيطه الغريب ، متسائلا في الخفاء : كيف تتحرك عقارب الساعة بهذا الزمن مسرعة نحو النهاية ، و الفناء ، وكيف تتبدل الأشياء ؟ كيف تختلف رغبات و طموحات المخلوقات ؟ فظهرت له الوصولية ، و الأنانية ، وحب الذات تهيمن على رغبات الإنسان ، وتنمو كما ينموا الزرع المحاط بكل عناية الفلاح ، تهيمن على الأذهان ، كأن الأمر يجري بعالم الحيوانات ، حيث لا يسود سوى منطق القوة و الغلبة .. كما لمس الطغيان والاحتقار ، يسري بين الناس ، كأنه يلمس خصر مومس متوحش ، في ليلة يخيم عليها الزهو ، و السكر ، كلما سبح في غموض هذه المدينة التي لا تنام ، وما تخفيه أعماقها ، تاءها بين أسوارها ، وأزقتها ، إنه عالم علمه صحة البيت الشعري القائل " إن رأيت أسنان الليث بارزة ...فلا تظن أن الليث مبتسم ".. خشي بذلك سقوطه أسيرا بيد الشرطة الهولندية التي قد تعيده بلا تفكير في العواقب إلى المغرب ، لكونه لا يحمل أوراق الإقامة ، ولن يشغل بالها سوى التخلص منه خارج حدود بلدها ، وهي لا تعلم أن المغربي المعتقل لا يعرف كيف يدافع عن نفسه أمام العذاب ، لتبرئة ساحته ، هو ينفي والجلادون يرفعون من درجة العذاب والتعذيب..يطلب النجدة .. يحلف يمينا غليظة بأنه بريء ، لكن ترى من سيصدقه ، ومن جراء العذاب قد يضطر بالاعتراف بذنب لم يقترفه ، وذلك بعد تهديد ، وتعذيب ، وتنكيل ، آه من العدالة ...! وتذهب المحكمة لتصدر عليه حكمها النهائي الصارم ، ليضاف ضحية إلى ملايين الضحايا ، التي لا يفوت تلذذ القضاة بإصدارهم لأحكام جائرة وغير عادلة في حقهم ، فلو كانت حيطان المحاكم ومخافر الشرطة ، والسجون تتكلم لصرخت عاليا في وجه الملك ، الذي حول البلاد إلى مجرد ضيعة له ، يتدفق فيها الدم ، ويسفك غزيرا ، فائضا شبيها بالورد الأحمر . . لم يدرك – زايد - كيف يعزل الخيوط البيضاء من السوداء ، ولا كيف يجد رؤوسها المتشابكة .. فلم يبقى أمام خياره سوى أن يتجه مسرع الخطى ، عائدا للحانة لمعانقة الجعة ، فيصبح بذلك مجرد عين من عيون أمستردام التي لا تنام ، عسى أن ينسى الحكاية متأكدا أن الله يرى كل شيء ولكنه كالضمير لا يتدخل !


علي لهروشي
مواطن مغربي مع وقف التنفيذ
أمستردام – هولندا


alilahrouchi@hotmail.com
(27)    هل أعجبتك المقالة (28)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي