أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

الثورة السورية و زلزال العراق في رؤية استراتيجية ... محمد نور الدين الوفائي

مقالات وآراء | 2014-07-06 00:00:00
الثورة السورية و زلزال العراق في رؤية استراتيجية ...  محمد نور الدين الوفائي
لا يمكن لنا ان نفهم ما يجري في العراق بدون وضعه في اطاره الصحيح استراتيجياً، فالقول بأن ما يجري هو ثورة اهل السنة المظلومين ضد حكومة المالكي الطائفية هو قول صحيح لكنه لايفي الأمور حقها، و يبقى قولا منفصلا عن سياقاته الأقليمية التي تفرض نفسها و تأبي تفسير ما يجري في اي من أقطار المشرق العربي بمعزل عن انعكاساته في دول الجوار، و لهذا السبب ايضا يعاني القول الآخر من ذات النقائص و نعني به القول بأن ما يجري في العراق هو مؤشر اكتساح الأرهاب و الفكر الإرهابي للمنطقة.
و لكي نضع ما يجري في العراق في اطار التحليل الاستراتيجي الصحيح لا بد لنا من فهم ما جرى و يجري في سوريا، فالحدث السوري الذي بدأ في آذار 2011 هو الحدث الأبرز و الأكثر أهمية و هو بالفعل ما يدفع المنطقة نحو تحولات جذرية مذهلة.
دأب الإعلام الرسمي السوري و منذ بداية الثورة السورية التي طالبت باسقاط النظام على تكرار مقولة سمجة مفادها ان اسقاط النظام مستحيل، لأنه لا وجود لنظام في سورية بل هناك منظومة مكونة من جيش و شعب و قائد، و على الرغم من ان هذه المقولة السمجة مستوردة أصلا من كوريا الشمالية و هذا ليس بالمستغرب قياسا بتشابه الدكتاتوريات الفجة في كلا البلدين، لكن ما يهنا هنا هو فكرة المنظومة، و هي فكرة صحيحة تماما.
إن الشعب السوري الذي خرج في آذار 2011 لاسقاط النظام لم يكن يعلم انه بدعوته لإسقاط النظام السوري انما يدعوا لإسقاط منظومة سياسية مترابطه متكاملة نشأت و تطورت في المشرق العربي بعد الحرب العالمية الأولى و سقوط الدولة العثمانية، و هذه المنظومة هي التي افرزت هذا النظام البعثي- العلوي في سوريه ليكون جوهرة هذه المنظومة و صمام الأمان فيها، وإن هذه المنظومة تم انشاؤها برعاية دولية بل و ان سقوطها سيكون له ابعد الاثر في تداعي حتى المنظومة الدولية لما يمثل المشرق العربي من قيمة اقتصادية – سياسية – ثقافية سيكون لبعثها و تحررها أثرا غير مسبوق في السياسة و التوازنات الدولية.
ربما لا يعلم الشعب السوري انه و بثورته المجيدة و تضحيات ابناءه قد استطاع اسقاط نظام الأسد ، و انه قد اسقط هذا النظام عمليا في لحظة ما من عام 2012 ، لكن المؤكد هو انه و في لحظة ما قبل السقوط الفعلي للنظام تدخلت المنظومة بكل زخمها و بامتداداتها الدولية لمنع اسقاط النظام حفاظا على النظام السياسي للمشرق العربي و هذا ما حصل عندما تم تفويض ايران و حزب الله و المليشيات الطائفية الشيعية بالتدخل الميداني لدرء تهاوي النظام ، و قد تم هذا التدخل بمباركة امريكية اسرائيلية تمثلت في الصمت الذي يستبطن القبول . على المقلب الاخر تكفلت روسيا بتوفير الغطاء السياسي لحماية النظام في المحافل الدولية المختلفة في ظل تذمر دولي ( امريكي – اوروبي) يستبطن القبول ايضا، فالمؤسسات الدولية من مجلس الأمن نزولا حتى اصغر مؤسسة دولية لم تكن لتشكل عائقا امام الغرب عن اي تدخل في اي مكان في العالم و لنا في امثلة العراق و افغانستان و البوسنة و غيرها امثلة واضحة.
للتدليل على السقوط العملي للنظام في عام 2012 يكفينا الرجوع إلى المؤشرات الميدانية ( انهيار كبير في الجيش و تقدم ميداني كبير لقوات المعارضة) و الاقتصادية ( انهيار الاقتصاد السوري تماما بعد انقطاع كل اشكال المداخيل الفعلية للدولة بدأ من النفط و الغاز وصولا لفواتير الكهرباء التي لم يعد يسددها المواطنين للدولة) و السياسة ( انكشاف النظام دوليا و ظهور جرائمه للعيان و التشكيك بشرعيته في كل المحافل الاقليمية و الدولية) لقد كان هناك مساحة بسيطة تفصل النظام عن الانهيار الفعلي عندما تدخلت المنظومة و امتداداتها الدولية لحماية النظام و رفده ميدانيا بالسلاح و الرجال و الخيراء و كذلك اقتصاديا و سياسيا.
لكي تكتمل الصورة لا بد لنا من توضيح ماهية هذه المنظومة التي تم انشاؤوها بعد الحرب العالمية الأولى و التي تحكمت في المشرق العربي لما يقارب القرن من الزمان.
تتثمل هذه المنظومة من عدة مكونات نمت و تطورت و حملت عناوين و اسماء مختلفة في فترات مختلفة لكن جوهرها هو التالي :
1- اتفاقيات سايكس – بيكو و تعديلاتها التالية التي رسمت حدود المشرق العربي و دويلاته المختلفة.
2- تفاهمات و توافقات بيرسي كوكس – عبد العزيز آل سعود التي تم بموجبها ترسيم حدود الجزيرة العربية
3- دولة اسرائيل التي تم انشاؤوها و رعايتها في قلب المشرق العربي.
4- الايديولوجيا اللبرالية – العلمانية على مختلف تصنيفاتها و الوانها من قومية و يسارية و يمينبة و وطنية وغيرها و التي كان للأقليات المشرقية دور كبير في تكوينها، و التي استبدلت الأيديولوجيا الإسلامية السنية التي هيمنت في ظل الدولة العثمانية.
5- الأنظمة السياسية التي تتحكم بها قوى الأقليات المشرقية كالموارنة في لبنان و العلوين في سوريا، و مع صعود و تنامي الدور الإيراني في المنطقة برز دور الشيعة في كل من لبنان و العراق.
جميع هذه القوى و التكوينات و امتداداتها الدولية شعرت بالخطر نتيجة الثورة السورية و انهيار النظام السوري فسارعت للتدخل لدرء هذه الكارثة او على الأقل احتواءها و التحكم بمساراتها و نتائجها. و قد تبلورت مجموعة من الخيارات و النماذج للتدخل في الملف السوري نجملها كمايلي:
1- خيار بقاء النظام بشخوصة و رأسة المتمثل في الرئيس بشار الأسد و استمراه بعد الانتصار على قوى المعارضة التي تم دمغها بختم الارهاب و التطرف، وهذا الخيار لم يكن ينتصر له و يؤمن بإمكانيته سوى النظام نفسه و دولة اسرائيل، و قد وضع اصحاب هذا الخيار امامهم نموذج الجزائر و نموذج الشيشان ، ففي النهاية و بمواجهة البطش الشديد و الحصار سيقبل الناس بالأمر الواقع و يتعايشوا معه و فلا سبيل لإسقاط النظام.
2- الخيار الثاني هو خيار الحفاظ على النظام مع تغير اشخاصه و رموزه بما فيهم راس النظام لكن الحفاظ على الجيش و الأمن بما يكفل للنظام استمرار لعب دورة الأقليمي المطلوب للحفاظ على المنظومة السياسية للمشرق العربي، و هذا الخيار هو ما انحاز الية الأمريكان و الروس في مؤتمر جنيف الأول، لكن التغيرات الميدانية و تعنت النظام اسقط هذا الخيار في مؤتمر جنيف 2
3- الخيار الثالث هو الخيار الأخطر الذي كان يخشاة النظام الدولي و افقليمي، و الذي انحاز له جموع الشعب السوري بعفوية، و القوى الإسلامية الرديكالية عن قناعات ايديولوجية لكن ربما دون ادراك كامل لنتائجة و مخاطره البعيدة المدى، و هو خيار اسقاط النظام بالقوة و تحقيق انتصار ناجز. هذا الخيار الذي يعني عمليا سقوط المنظومة الأقليمية برمتها، وقد عملت القوى العربية المعتدلة و من ضمنها السعودية على توضيح مخاطره للكثير من الإسلامين المعتدلين و دخلت بقوة على خط المعارضة السورية لترجيح كفة التعقل و الاعتدال.
هذه هي النماذج النظرية لمآلات الثورة السورية و هي ما تبلورت من حولة كل التحالفات و المناورات السياسية في محيط الحدث السوري.
بعد فشل مؤتمر جنيف 2 و عجز قوى الثورة و المعارضة على تحشيد مواقف اقليمية و دولية لتحقيق انتصار فعلى على النظام السوري ، بدا و كأن الأمور تجري نحو الخيار الأول خاصة و بعد الانتخابات الرئاسية و التراجعات الميدانية لقوى المعارضة، و على الرغم من قناعة بعض الطراف الدولية و الأقليمية باستحالة هذا الخيار لكنها ربما قالت في نفسها لننتظر و نرى .
في هذا اللحظة بالذات جاءت التطورات العراقية لتخلط الأوراق مرة اخرى و لتصفع العالم بقوة معلنة إضافة لاهدافها المحلية المختلفة و المحقة بدون شك، ان النظام السياسي للمشرق العربي قد تغير ولا سبيل لإعادته إلى سابق عهده ابدا. لقد دفعت التطورات العراقية المشهد الشرق اوسطي إلى اصعب الخيارات و هو خيار انهيار المنظومة السياسية في وقت لا يبدو أن العالم مستعد لمثل هذا الخيار، و هذا ما يفسر حالة الوجوم و التخبط الأقليمي و الدولى تجاه ما يجري في العراق.
طبعا لسنا بحاجة لأثبات ان تقسيم العراق سيمتد خلال سنوات قليلة لدول الجوار وصولا لاعادة تكون كل المشرق العربي بطريقة اسرع مما كان سيجري فيما لو حصل التقسيم في سوريا، فهذا يعرفة كل المحللين الاستراتيجين، لكننا نريد ان نوضح خطورة ما يجري في نظر العالم و النظام الدولى و لذلك سنطرح سؤال كبير و خطير. هل سيؤدي انهيار النظام السياسي المشرقي ، نظام سايكس – بيكو إلى سقوط كل مكونات المنظومة الأقليمية المشرقية بمكوناتها التي ذكرناها آنفا ؟؟ و سوف نخاطر بالإجابه على هذا السؤال ونقول : نعم
إن المنطقة مقبلة خلال عقد من الزمن و ربما اقل من ذلك على تغيرات كبيرة و جذرية، نظريا و تاريخيا قإن انهيار هذه المنظومة سيؤدي و ربما لأول مرة في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي لتحقق شروط موضوعية تجعل من انهيار اسرائيل امرا واقعيا، و دون الحاجة ربما إلى حروب مدمرة. و بالتالي فعندما دفع النظام السوري رامي مخلوف ليصرح من قلب الولايات المتحدة مع بداية الثورة السورية بان سقوط النظام السوري يعني سقوط اسرائيل كان يدرك خطورة و جدية الرسالة التي يرسلها لإسرائيل و العالم.
إن انهيار المنظومة الأقليمية المشرقية سينعكس على طبيعة التوازنات و حتى الخرائط السياسية للجزيرة العربية ، و إن هذا الانهيار سيضع أيران كدولة اقليمية كبرى أمام خيارات مصيرية وجودية قد تدفعها لارتكاب حماقة سياسية و عسكرية. و سيضع كذلك تركيا أمام خيارات مصيرية يبدو انها غير مستعدة لها حتى هذا اليوم.
الآن و بعد سيطرة المقاتلين السنة ، سواء كانوا من داعش أو من العشائر أو من غيرها، على أجزاء كبيرة من العراق،و بعد إعلان دولة البغدادي الإسلامية التي سيكون لها دور ابرز في عملية التفكيك السياسي للمنطقة ، يعود المشرق العربي إلى لحظة فارقة، إلى مربع البداية الذي كنا فيه عام 1916 ، ما يرشح المنطقة لجولة جديدة من الصراع اشمل و اكثر خطورة من سابقاتها لكنة في ذات الوقت يدفع بخيار سقوط المنظومة السياسية المشرقية إلى الواجهة و يفرض على كل القوى الأقليمية و الدولية للتعامل معه كخيار واقعي لا مهرب منه.
لا نستطيع التاكيد لكن هناك الكثير من التحركات من نوع الاجتماعات المتكررة و السرية لقوى دولية مهمة و اساسية و التي لا يعلن عن نتائجها ، يمكن ان تكون مؤشرا على ان المنظومة الدولية قد ادركت انه لا مفر من التغيير الكبير و ان المنظومة السياسية التي تم ارساؤوها بعد الحرب العالمية الأولى قد شاخت، و هذه قناعة واقعية يستطيع العقل العملي البرغماتي ان يستوعبها و كما قال كيسنجر مرة فإن الحدود التي تم رسمها بقلم رصاص يمكن ان تغير بالممحاة. السؤال المصيري الذي يواجهنا كأمة اليوم هو هل سنكون طرفا في تحديد مصيرنا و مستقبل أمتنا ام اننا سننتظر ما تمليه الدول الكبرى في هذا الشأن؟. للأسف و حتى هذا اليوم يستمر الغياب العربي على مستوى الرؤى و التصورات على الرغم من أن الشعوب العربية اليوم هي اللاعب الأساس.



• - دكتوراة في العلوم السياسية، باحث مختص في القضايا الاستراتيجية.
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
أنا الزعيم..ألم تعرفوني؟... د. محمد الأحمد*      دار أيتام منصور الأتاسي...عدنان عبد الرزاق*      متجاهلاً قتلى الأسد..شبيح يُقيم نصب تذكاري لضابط روسي قًتل في حماة      جرحى بانفجار مفخخة شرق ديرالزور      بينهم عناصر من "الدولة".. فرار عددٍ من السجناء من أحد سجون "عفرين"      سوق العمل اللبناني يلفظ 160 ألف موظف منذ بداية الحراك والفقر يهدد نصف الشعب      "فيسبوك" يغلق حساب المرشد الإيراني خامنئي      التدفئة في مناطق "نبع السلام" تعتمد على الحطب و"الجلّة"