أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

نسف الثقافة العربية ... نضال نعيسة

الكل يعلم تماماً ما هو التصحر. وكيف تزحف الرمال الصفراء على الأراضي العشبية الخضراء الغضة والجميلة فتحيلها إلى أراضٍ قفر يباب تصفر فيها الرياح وتسرح بها الأشباح. وتتحول الواحات الخضراء التي يضربها التصحر والصفار، بين طرفة عين وانتباهتها، إلى أراض قاحلة جرداء ليس فيها أي شكل من أشكال الحياة. وهذا هو حال ما يسمى بالعقل العربي الذي ضربته العاصفة الفكرية الصحراوية قبل ألف وأربعمائة عام. فما حدث في التاريخ العربي، ومع الثقافة الرملية الصحراوية القادمة من أعماق البيداء، هو، وبحق، عملية تصحير فكرية بحتة للعقل وللحضارات العظيمة التي اندثرت وبادت مذ اجتاحتها أوبئة الصحراء الفكرية، وأحالتها من لحظتئذٍ إلى يباب فكري قاحل لا عشب ولا روح ولا خضرة ولا ماء ولا إبداع فيه.

تعتمد آليات النقد والتشريح العقلاني الحديث على المبادئ البراغماتية والنتائج على الأرض أكثر من أي شيء آخر بغض النظر عن الإجراء والمضامين. وتعتبر نجاعة ونجاح أية نظرية ومفهوم أو مشروع بناء على ما يتركه من نتائج على الأرض وعلى مدى وإيجابية التقييم. ومن هنا، لا أجد أية ملامح جدية أو سمات إيجابية لما يسمى بالثقافة العربية، ولا أية إنجازات تذكر على صعيد البناء الفردي والجمعي العام. فنحن أبناء هذه الثقافة المصطلون بنيرانها، وقد تحولنا إلى وقود رخيص ولا قيمة له في ماكينات القهر والاستبداد والاستلاب والخواء والاجترار التاريخية. ومن هنا لا يعنيني أبداً البعد القدسي والغيبي لما يسمى بالثقافة والفكر العربي بقدر ما يعنيني ما فعلته هذه الثقافة في عقل وسلوك ووضع هذا الإنسان المنكوب بها وبما خلفته العاصفة الصحرواية الفكرية على هذه المجتمعات. ولا يهمني، البتة، ما تحتويه من فائض بلاغي "غني" وزائد عن الحاجة بقدر ما يهمني ما أنتجته وتنتجه وتجتره من خطاب بدوي رث وجاف قاحل وتدور في دوائره. ولا آبه، بالمرة، إذا كانت اللغة العربية لغة الجنة والقرآن أو لا، بقدر ما يهمـّني أنها عجزت عن إحداث أدنى درجات التواصل والتقارب بين أفراد وشعوب هذه القبائل المبتلاة. وبرغم احتوائها على مخزون هائل من المفردات والمصطلحات، لكنها ظلت تستخدم فقط الجانب المظلم واللغة السوداء من التهديد والوعيد والصراخ والتكفير والتخوين واللعن والعياط....إلخ. وعندما أطـّلع على ترجمة مجمع اللغة العربية لكلمة ساندويش، بالشاطر والمشطور وما بينهما، أدرك عجز هذه الثقافة واللغة عن التطور والتكيف مع قيم ولغة العصر التي تميل للسرعة والاختزال والاختصارات بسبب ضغط ونبض الحياة المتسارع. (هناك قاموس حديث ومستجد كامل للمصطلحات في اللغة الإنكليزية). وتقييمي لهذه الثقافة واللغة والفكر نابع من هذه المعايير وبناء على راهن الأوضاع.

وأزمة الثقافة والعقل العربي بشكل عام تكمن في مراوحتها في المكان، وفي عدم القدرة على تجاوز تلك اللحظة التاريخية التي ولدت صدفة في القرن السابع الميلادي بعد نجاح عملية عولمة ثقافة الغزو البدوي التي كانت جارية على قدم وساق فيما بين القبائل العربية المعزولة في صحراء فظة وقاسية. وإعطاء تلك التطورات الحربجية العسكرية والصراعات السياسية بعداً قدسياً وغيبياً تريد تلك الثقافة فرض رؤيته الأحادية وتفسيراته الإشكالية على عقول البشر في القرن الواحد والعشرين. ومن لا يفعل، ولا يأخذ بذلك فهو معتد آثم وكافر زنيم مهرطق فاجر.

وشكـّل ذلك التفسير الماورائي الغيبي لطبيعة الصراع وتحولات المجتمع وحركة التاريخ والإصرار العجيب على التمسك به واعتباره التفسير الوحيد، معضلة حقيقية أفضت لاحقاً إلى قطيعة فظيعة، وصدام حاد مع الحداثة والتجريب والتغيير الذي هو ديدن التاريخ وسمته الكبيرة وصلت حد العداء الشديد والتصادم المريع معه. وكانت هذه الثقافة والفكر هدية من السماء للطبقات والقوى التي تنزع للاستئثار بالمجتمعات حيث يمكن بسهولة تجيير تلك الثقافة ومضامينها بما يناسب تطلعاتها السلطوية وكان لها ما أرادت من قدرة في لجم هذه المجتمعات وإحباط عملية إقلاعها الحضاري.

وتصطدم اليوم أية محاولات للتغيير بكوابح الثوابت التي هي عماد "الفكر العربي". ورسخت اعتقاداً لدى حاملي هذه الثقافة بأن تلك التجربة الحربجية البدوية التي حصلت هي قمة وذروة الفعل الإنساني العظيم الذي لا يمكن مجاراته ولن يقدر أي كان أن يأتي بمثله على مر الأيام والتاريخ. وما حدث في ذلك التاريخ المبهم الكريه وبمقاييس اليوم الحقوقية، ومعاييرها الإنسانية الدولية هو مجرد عمليات قرصنة واعتداء سافر واحتلال غير مشروع وإخضاع بالقوة المسلحة لشعوب وثقافات ونزع لثقافة الشعوب المهزومة وإلغاء لتاريخها ولغتها ونفي لحقوقها، لا يسوغه مطلقاً الدافع والتبرير الغيبي له.

ومع هذا الانفتاح العولمي الهائل على ثقافات وأفكار وتجارب الشعوب الأخرى، بان تواضع واهتراء هذه الثقافة وهشاشتها أمام قوة المنطق والحقائق العلمية الجديدة، فانكمشت وتقوقعت على ذاتها لأن تلاقحها مع الآخر سيعني ذوبانها واضمحلالها وهزيمتها نهائياً. وهذا ما يفسر بروز الحركات المتطرفة السلفية الداعية إلى العودة إلى الوراء لأنه لا يمكن لهذه الثقافة وآلياتها أن تحيا وتعيش وتتنفس إلا في ذاك الزمن والظرف التاريخي فقط، أما إخضاعها لمعايير العصر وقيمه فسيعني ذلك نسفها وزوالها حتماً، فهي وبكل بساطة فاقدة الصلاحية أي Out of Date. ومن هنا فالمآلات الكارثية الجمة لهذه الثقافة الصحراوية القاحلة لا توجب أي قدر من الاحتفاء والتغني بها أو تستأهل أي نوع من التطنيب، بقدر ما تتطلب نسفها نسفاً كاملاً، وتحديداً من جذرها الغيبي.

وتبرز ما تسمى بالثقافة العربية اليوم، كعائق وحاجز أمام التواصل بين أبنائها ذاتهم بعضهم ببعض من جهة، وبين شعوب العالم وثقافاتهم من جهة أخرى. وظاهرة ابن لادن والجماعات السلفية والتكفيرية الأخرى، وبعيداً عن أحلامها الغيبية والأسطورية، ما هي إلا تعبير جلي وواضح عن أزمة هذه الثقافة وعجزها ورفضها للتفاعل مع قيم العصر والمستجدات الكونية وانطواؤها ونكوصها وارتدادها إلى ثقافة وعقل وفكر القرن السابع الميلادي حيث تشعر بالأمان وتجد رقعة لها هناك يمكن أن تغفو عليها. أما في معايير العصر الحالية فلا وجود أبداً ولا حياة للثقافة العربية بمضامينها السلفية والماضوية الميتة والمتآكلة.

وأول ما يلفت النظر في هذا الصدد هو عدم قدرة العرب المشبعين والمتلبسين بتلك الثقافة على التكيف والتأقلم مع المجتمعات الجديدة التي يفدون إليها من جحيم وسعير مجتمعاتهم العربية، لا بل تراهم يحاولون إعادة إنتاج نفس الظروف السياسية والاجتماعية التي دفعتهم للفرار الكبير من مجتمعاتهم الأصلية، في عملية تنطوي على قدر كبير من مازوشية مبهمة وغير مفهومة؟. وهي ظاهرة عجز واضح ليس إلا ولا يغرنكم ذاك التفسير عن الالتزام بتراث الآباء والأجداد.

ولم تفلح هذه الثقافة عبر تاريخها المديد في بناء اليوتوبيا العربية أو الكيان الأنموذج والحلم القوي والمتكامل القادر على أن يكون الحاضن والجامع لأبنائه والوقوف في وجه عواصف العولمة وقوانين التاريخ الصارمة وحركيته التي لا ترحم. وأصبحت الرثاثة والرداءة والانحطاط وكل القيم السلبية هي الملازم لهذه الثقافة ناهيك عن الصراعات الأزلية والحروب القدرية والخلافات الجذرية والإشكاليات الجوهرية التي تلازمها. كما لم تفلح عبر قرون طويلة ودهر مرير من إنتاج عقل سوي وشخصية متزنة بل أشباه أفراد صداميين وعصابيين ومأزومين ومهزومين ومهزوزين مترنحين ومترددين وعاجزين وخائفين من مواجهة قيم وفكر الآخر. ولم تنجح وعبر بنيتها العشائرية والقبلية إلاّ في تفتيت بنية المجتمعات التي هي أساس بناء ونهوض الأمم، إلى فتاتات صغيرة من الملل والنحل المتصارعة. فيما كان مفهوم المدينة الفاضلة واليوتوبيا هو ديدن ومحور حركة المجتمع والفكر والعقل وأحد أهم حوامل السعي الغربي لتجسيد ذاك المفهوم الذي تحقق إلى حد ما عبر منظومة القوانين والتشريعات الإنسانية العادلة التي تسود في الغرب وكان ذروتها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ونمط الرفاهية والاكتفاء الذاتي الذي تعيشه مجتمعاته. ( لم توقع ولم تلتزم معظم الدول العربية بذاك الإعلان ارتكازاً على ثقافتها).

لا سقف ولا حدود للثقافة والفكر، بينما كل ما أتت به بما يسمى بالثقافة العربية يدور ويحصل تحت سقف معروف لم يستطع أي "فيلسوف" ومفكر عربي "تقليدي" أن يقفز فوقه. والفلسفة التي هي أم العلوم والإبداعات والاختراعات، والتي هي حسب أفلاطون معرفة الحقيقة بصورة مطلقة، عبر آليتها ( أي الفلسفة) القائمة عموماً على الجدليات وإثارة التساؤلات وطرح الاستفسارات، هذه الفلسفة، مع أسئلتها، هي من محرمات ومحظورات وتابوهات الثقافة العربية التي يحتفون بها في كل عام، ولا يوجد في التاريخ العربي اسم لفيلسوف عربي "عليه القيمة" استطاع أن يتجاوز سقف الثقافة العربية المعروف ومن حاول كان مصيره التكفير أو الصلب وتقطيع الأوصال( السهروردي الحلاج ابن عربي أبو العلاء).

ولكن بالمقابل هنالك جيش عرمرم من الأئمة والمفتين ورواة الأحاديث والفقهاء ومشايخ الدين الذين يجترون على مر الزمان قصصاً وسيراً وأحداث بنفس النبرة والرؤية والتفسير وأسلوب الخطاب ولا يحيدون عنه قيد أنملة بفضل من الرحمن. وثقافتنا التي تحرّم السؤال والاستفهام والاستفسار اكتفت عبر تاريخها فقط بالأجوبة والرؤى والتصورات التي قدمّها بعض من رموز بدو الجزيرة العربية قبل ألف وأربعمائة عام، وتوقفت عندها وتعتبرها المرجع الأول والأخير الهام في كل قضية وأمر عضال، برغم التغيير الكبير في الظروف والمعطيات والكم الهائل من التحولات.

ولقد أقدمت الجامعة العربية، المشرف، والراعي الرسمي الحديث لعملية التصحير الفكري، على اختلاق بدعة ما يسمى "الاحتفالية بالثقافة العربية"، ونقلها من عاصمة "عربية" إلى أخرى لتذكير الشعوب بمأساتهم التاريخية وهولوكوستهم الفكري المستمر بنجاح وبلا انقطاع ليكتووا بناره في كل عام، في تحد وازدراء وتشف لهذا الإنسان الذي نكب بهذه الثقافة الصحراوية وأهلكته. ولكن والحق يقال، فإن تلك العواصم التي تنتقل الاحتفالية إليها كل عام تعكس وتجسد فعلاً بؤس وكآبة وفقر وفوضوية ورثاثة ورداءة هذه الثقافة.

كان "الشهيد" البطل المغوار صدام حسين بطل القادسيات العربية المعروفة، وحارس البوابة الشرقية التي فتحت لاحقاً على مصراعيها أمام جحافل "الفرس المجوس الروافض" وجبروت وقوة "كسرى" هذا الزمان، ما يبطل ويدحض أي بعد قدسي ورمزية غيبية للثقافة العربية، نقول كان "رحمة الله تنزل عليه"، يرغم ذوي من يقوم بإعدامهم وزهق أرواحهم على دفع ثمن الطلقات والعيارات النارية التي كان يتم الإجهاز بها على أبنائهم وفلذة أكبادهم في قسوة وامتهان واحتقار غريب وقاس لمشاعر الأهل المفجوعين والمحزونين. ولا أجد تشبيها أبلغ لسلوك صدام الهمجي الأرعن هذا، سوى في عملية الاحتفاء بالثقافة العربية التي كانت هي الأخرى المسؤول الأول والأخير عن الإجهاز على، وإعدام عقل ما يسمى بالإنسان العربي.


(6)    هل أعجبتك المقالة (6)

عدنان

2008-05-26

ولك والله معك حق أيها المفكر، والله يا أخي مكان في عرب تايمز مع المفكرين هناك والهايد بارك، وهناك ثقافة أمريكية ...لواط سحاق.شذوذ كل شي بدك، يعني شو بدك أحسن من هيك.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي