أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أقوى سلاح تمتلكه الثورة السورية اليوم!

لو جرى على رأس أي ثورة في التاريخ ما جرى على رأس الثورة السورية بشعبها وأبطالها وشبابها وأطفالها وناشطيها وإعلامييها ومختطفيها ومعتقليها وشهدائها... لكنا قرأنا آلاف المراثي في الكتب والأسفار، عن ثورة وئدت وماتت وانتهت قبل أن تتم عاما على انطلاقتها... ولكان مصيرها مثل مصير الحركة الاحتجاجية في إيران التي قمعت قبيل انطلاق ثورات الربيع العربي، وهي لم تر مما مر على رأس الثورة السورية ولا خمسة بالمئة مما رآه السوريون!  

لا أريد أن أذّكر بمآسي الثورة واحزانها، ولا أن أستعير قول نزار قباني (إن الثورة تولد من رحم الأحزان) لأزركش أماليّ بالاستشهادات الشعرية المناسبة... ولا أريد أن أحصي المجازر الطائفية، ولا القبور الجماعية، ولا التصريحات الشديدة الافتراء لمثقفين من أقارب القتلة، يتهمون فيها المقتولين بالمساس بوطنية القاتل وشتم هويته الطائفية، ولا وصور المعتقلين في هولوكوست لم يعرف التاريخ مثيلاً للصمت الدولي عنه...  لا أريد أن أرثي ضعفنا، ولا خسارات بيوتنا وآثارنا، فالبشر أغلى الحجر... البشر لهم حياة وموت وأهل وأقارب، البشر يتألمون أما الحجر فلا... وإن كان من يقدر قيمة هذه الحضارة يتألم بالتأكيدعلى ما تركه الأجداد على حجارة الماضي ومنجزاته! 

لا أريد أن أذكر بداعمي نظام القتل والإجرام من الدول والجماعات والأفراد، فقد صاروا معروفين إلى درجة الفضيحة، أسقطت الثورة أقنعتهم حتى بانت عظام وجوهم...  ولا أريد أن أستعرض سجل المثقفين العرب والسوريين، ومخازي فناني الكذب والعار، فشهادات الزور التي أبدعوها كتبت في سجل صحائفهم، قد يفخرون بها اليوم ويعتبرونها (موقفا)، لأن زمن خلط الأوراق وإلباس الحق بالباطل مازال مسيطراً، ماثلأ على الشاشات، يدس السم بالدسم، ويبيع دماء شباب سوريا وأطفالهم، ويزهق أرواح ضحايا الكيماوي في براءاتهم النائمة التي لن تنمحى، ولن يستطيعوا تزوريها مهما علا صوت التزوير، وامتد زمن الباطل، وصار الرعاع ضيوفاً على منتدى إعلامي هنا او هناك، لا يخجل أن يسمح لهم بتمجيد قاتهلم بحجة سماع كل الآراء. 

لا أريد أن أستعرض كل ما بات معروفاً وملموساً ومعاشاً كجرح مفتوح وطلقة نافذة... لكنني أريد أن أذكر السوريين الأحرار بأن الثورة السورية مازالت تملك أقوى سلاح يمكن أن تملكه أي ثورة في التاريخ: الأمل الذي يدفع أبناؤها للاستمرار والتشبث بهذه الثورة... الأمل الذي يقول لكل السوريين: بعد كل ما خسرناه، وكل ما شيعناه من شهداء وحطام بيوت، وانقاض مدن وقرى، لا أمل لنا بعد الله، سوى هذه الثورة التي لن يخذلها الله وإن تأخرت لحظة انتصارها أكثر مما كان يتوقع أعداؤها!  

أجل... لم تنتصر ثورة في التاريخ لم يشحن الأمل بالنصر نفوس أبنائها،... فكل الثورات كانت تمتلك آمالاً، وكانت تختزل أحلاماً هزمت مستحيل الواقع... لكن ميزة الثورة السورية أنها تمتلك هذا الأمل في زمن تبدو فيه وحيدة (وسوى الروم خلف ظهرها رومٌ)... وتمتلك الأمل في زمن، إذا أردنا أن نشرحه بواقعية وبعيدا عن الأماني والرومانسية الثورية، فكل ما فيه يدعو لليأس بما في ذلك ارتكابات واخطاء تحدث في صفوف الثوار أنفسهم، وكل ما يحدث يقول لنا: أن العالم كله لا يريد للثورة السورية أن تنتصر.. ومع ذلك فالسوريون يبدعون الأمل.. يقاتلون ويقتلون، يكسبون ويخسرون، يريدون ثورة يرونها ثورة حق، فإن ماتوا دونها... فقد ذهبوا إلى الموت وهم يطلبون الكرامة والحياة. 

الأمل الباهظ الثمن الذي يبدعه السوريون الأحرار، هو قدر سورية الحضارة، وسورية التي تتصارع على أرضها كل تيارات التغيير في العالم في شتى الحقب... وليس في هذا الكلام أي مبالغة، فقد ذكر المؤرخ آرنولد توينبي، صاحب السفر الشهير (قصة الحضارة) بمجلداته الاثني عشر، أن العالم به منطقتان استراتيجيتان، أماكن تلاقت بها أفكار شتى لا نهائية، وتحركات بشرية تقابلت وتصادمت وعصفت واستدارت لتؤثر في العلاقات الدولية على كل الاتجاهات. أحدها كان حوض سيحون وجيحون/ الأوكسوس والجاكرتس (البنتاغون الأمريكي يسمية اليوم آف- باك) والمنطقة الأخرى والأكثر أهمية هي سوريا... حيث تصارعت الحضارات والأديان لآلاف السنين، الأمر الذي ترك آثارا عميقة على تاريخ البشرية فيما بعد. 

هذه الفكرة استهلمها الأمريكي (شارلز هل) العضو البارز في معهد هوفرن والرئيس المشارك في مجموعة عمل (هوبرت وجين داويت عن الإسلام والنظام العالمي) وقد علّق عليها في تقديمه لكتاب (التمرد السوري) بالقول:

" سوريا هي موقع القيادة، أو كما وصفها توينبي الحلبة التي تواجه فيها كل القوى بعضها مع البعض الآخر، ويكون لذلك عقابيل – جيدة أو سيئة- في كل أنحاء العالم ". 

وإذا أردنا أن نأخذ رأي توينبي، وشارلز هِل من بعده... فإننا سندرك حقاً أي أمل تبدعه سورية الناهضة من زمن الديكتاتورية والطغيان وسبات الإرادة الشعبية، وسندرك أن كل التدمير الممنهج، الذي سمح فيه العالم لنظام الأسد أن يمارسه بكافة الأسلحة جهاراً ونهاراً، ما هو إلا ثمن تدفعه سورية لأهميتها الاستثنائية... ولأهمية اللحظة التاريخية التي انبثقت ثورتها فيها، متحدية كل التوقعات والمخاوف ووحشية الرد، وتكالب القوى الدولية والإقليمية على إرادة شعب... كانت معتقلة في ستة عشر فرع أمني، فصارت اليوم حرة طليقة ولو أنها لا تزال تحت الأنقاض، معلقة بين الموت والحياة. 

أعرف أن هناك مهزومين سيرون في هذا الكلام، مجرد كلام لا يعيد شهيداً إلى الحياة، ولا طفلا إلى حضن أمه، ولا يبث الروح في مدن باكملها دمرت وصار أهلها في المخيمات والمنافي وبلدان اللجوء... لكن ما يبدو اليوم مجرد كلام يشبث بالأمل، سيبدو في مسيرة سورية قدراً تاريخياً ندركه أو تدركه الأجيال ولو بعد حين... كل المناطق والبلدان ذات الأهمية الحضارية الاستثنائية، دفعت في حقبة من حقب التاريخ المرير ثمن أهميتها، وواجهت الشر والأطماع وتجار العبودية والذل والحروب... لكن قدرتها على البقاء في بؤرة الاهتمام وحركية التاريخ، توقفت على تمسك شعوبها وأبنائها بالأمل في صناعة مستقبل أفضل لبلادهم. 

ولا أجد انا اتحدث عن سلاح الأمل، أفضل من كلمات الكاتب المسرحي الروسي أنطون تشيخوف، الذي آمن بالمستقبل الذي يشرق بعد الآلام، وكتب في ختام مسرحيته (الشقيقات الثلاث) يقول على لسان إحدى شخصياته:

(سيـأتي عهدٌ، ويعرف الجميع لأي غرض كان هذا كله، ولماذا هذه الآلام.. سيمر زمن ونرحل نحن أيضا إلى الأبد، وسينسانا الناس، سينسون ملامحنا وأصواتنا وكم كان عددنا، لكن آلامنا ستصبح أفراحا لمن سيعيشون بعدنا، وستحل على الأرض المسرة والسلام، وسيذكرون بالخير ويباركون أولئك الذين يعيشون الآن.. يا شقيقتي العزيزتين، حياتنا لم تنته بعد. سوف نعيش)   

  أجل سوف نعيش... وستنتصر الثورة السورية، وسوف يعرف السوريون لمَ كانت هذه الآلام... وأي سلاح حملوه حين تخلى العالم عنهم، وأي أمل أبدعوه في أحلك وأقسى ظرف تاريخي عرفته ثورة في تاريخ العالم الحديث! 

من كتاب "زمان الوصل"

سوري حر

2014-05-22

لا بد لكل رواية طويلة من حدث عظيم مزلزل تنكشف فيه المواقف والوجوه ولا يبقى مجالا ً لأي شك أو جدل في موقع أي شخصية في الرواية وإلى أي جانب هي مع الحق أو مع الباطل تأتي بعده النهاية بانتصار الحق وأهله وزهوق الباطل وأهله. وهكذا هي قصتنا بقرب انتهاء هذا العالم الذي نعرفه . فلا عجب أن نرى هذا الكم من الإجرام والشذوذ الفكري من كثير من الحكومات والمثقفين بدعمهم للمغتصب وتنكرهم للمظلوم متمثلا ً بالشعب السوري المكلوم..


الهرمزان الصفوي

2014-05-22

الكاتب الرائع انت تستحق لقب مؤمن بالثورة و انها لمنتصرة و ان سورية فينيق التاريخ قد مر عليها الاف من كل انواع جيوش المغول من الشرق و الغرب و الشمال و الجنوب و تجدها دائما منتصبة القامة مزدهرة و لن يكون مغول هذه الحقبة باشد من سابيقيهم و المدن تتهدم بفعل زلازل او اعاصير او صواعق لكنها اجداث عرضية لا تخلد في التاريخ سورية اختارها الله سبحانه و تعالى لتدمر و نخلد في التاريخ على ايدي مغول العصر تحت عنوان الشعب الذي قاتل المغول اعزلا و انتصر و لم يتوقف ايمانه بالله تعالى و بنصره و لا لحظة عانى الجوع و المرض و قلة الحيلة و لكنه بقي شامخا لا تطاله سيوف النذالة..


سورية حرة

2014-05-28

الثورة ستنتصر بإذن الله مهما طال الزمن بوجود المخلصين لها و المؤمنين بعدالتها . دماء شهدائنا قناديل الأمل.


ثائر

2014-05-29

تتمثل مشكلة الثورة السورية ،حسب رأيي المتواضع، في عدم وجود شخصية كريزمية قوية تقودها بقوة في وسط هذا النكران العربي و العالمي المذهل..


التعليقات (4)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي