أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الديمقراطية والاسلام ... د.أسامة الملوحي

بسم الله الرحمن الرحيم

مثل هذه العناوين تفتح باب التعارض والنقد وبدون موانع كثيرة يصل ذلك النقد للتجهيل والتكفير... ولكن لا مفر من طرح هذه العناوين وبهذه الطريقة المباشرة .ومن أبرز ما يوصف من يتبنى مسمى الديمقراطية أنه موال للغرب وعميل مؤصِّل لقيم الغرب وشعاراته... رغم أن إدارات دول الغرب وخلال خمسين عاما لم تدعم أي اتجاه ديمقراطي في منطقتنا بل أسست لديكتاتوريات أو أبقتها أو تعاونت وتأقلمت معها...وحصل ذلك بوضوح شديد في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي وحصل بشكل أوضح في مصر منذ شهور...واستبدال مصطلح الديمقراطية بمصطلح الشورى هو أمر صحيح ومريح ويبخّر زيفا رائجا مستهلكا غزيرا.... وأغلب الذين يطرحون الديمقراطية من العلمانيين العرب يطرحونها كشعار وهتاف بينما هم ديكتاتوريون مغالون ومتطرفون فكرا وتطبيقا وتاريخا حتى أن كلمة متطرف تليق بهم أكثر من أي أحد غيرهم... ووصل الحد عند الشيوعيين الذين أسسوا فكرهم أصلا على ديكتاتورية البروليتارية أن يرفعوا اليوم شعارات ديمقراطية باستهلاك واضح. وفي مسألة التعريف الحرفي الذي وقف عنده كثيرون في أن الديمقراطية هي حكم الشعب للشعب فهناك ارتباط بما يقصده الذي يأخذ بهذا التعريف فإن قصد أن لا شأن لله بالأرض وأن الأرض يجب ان تبتعد عن الله وأن يُفرض على الناس قناعة أن دين الله يفرق ولا يجمع وأن دين الله يصادر حرية الناس وقرارهم فهذا مفهوم غريب ممجوج ويخالف حرية الاختيار بفرض والزام الناس أن يأخذوا بهذا الفصل بين الدين والدنيا ... وكلما عرض هذا الأمر في بلادنا في استقراء عام أو تطبيق ديمقراطي اختار الناس في أغلبيتهم أن يكون الدين لله في السماوات وفي الأرض (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)....وأن الوطن للجميع من مسلمين وغير مسلمين ولا ضامن لذلك إلا دين الله الذي جعل للذمي غير المسلم حصانتين وحرمتين ... حصانة حرمة الدم والمواطنة والجيرة وحصانة حرمة إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم فقد أعلن النبي ( من آذى ذميا فقد آذاني ) ...ومن فهم معنى حكم الشعب للشعب أن الشعب يختار.... يختار الأشخاص والأفكار وأن الدعاة يوضحون ويشرحون ويروجون ويمهدون للشعب ليختار ...ليختار الأفكار والأشخاص فهذا أمر سليم بل هو أساس السلامة...والاختيار هو الشورى ... اختيار الأشخاص واختيار الأفكار...وأساس ذلك في الإسلام في آيتين محكمتين ...(وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله...)... (وأمرهم شورى بينهم ) وهناك آيات أخرى كثيرة فيها دلالات واشارات واضحات لفرضية الشورى وأنها أمر من الله وفرض ..فرض عظيم ...فرض يكاد أن يكون ركنا...وإذا لم يكن اختيار الأشخاص ضمن نطاق الشورى وهو أهم أمر يخص المسلمين فما الذي يكون...إن الشورى في اختيار الأشخاص أمر ملزم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم (إذا كنتم ثلاثة فأمّروا أحدكم) إنما هو واضح جلي وخطابه فأمّروا هو للجماعة كلها و لا سبيل لأي جماعة أن تنفذ ذلك إلا بالانتخاب والاقتراع...و الرسول لم يترك نصًّا مكتوبًا كما ادعى البعض ولم يشر الى ذلك لا بخطبة ولا بحديث وإنما ترك الأمر شورى بينهم، وأنصع ما يرد على الذين ادعوا أن النبي نص لعلي بالخلافة هو ما رواه أبو وائل قال: قيل لعلي بن أبي طالب: ألا تستخلف علينا؟ قال: "ما استخلف رسول الله فأستخلف، ولكن إن يُرِدِ اللهُ بالناس خيرًا فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم....... لقد ترك الأمر للمعنيين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إنهم كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار ...إنهم أهل الحل والعقد...يقرر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم – ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يتولاه، ووجود النصوص القرآنية القطعية لا يدع للأمة المسلمة شكا في أن الشورى مبدأ أساسي، لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه...أما شكل الشورى والوسيلة التي تتحقق بها، فهذه أمور قابلة للتحوير والتطوير وفق أوضاع الأمة وملابسات حياتها، وكل شكل وكل وسيلة، تتم بها حقيقة الشورى – لا مظهرها – فهي من الإسلام... وإذا حققت الديمقراطية حقيقة الشورى من غير فرض قيود وشروط جبرية فيها فلا حكمة ولا مسوغ شرعي لرفضها...وهناك أمر مدهش لافت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو أن النبي لم يمض أمرا بين المسلمين إلا واستشار ولم يستشر مرة واحدة إلا وأخذ برأي بالشورى...وقبل معركة أحد استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بشأن ملاقاة المشركين ومقاتلتهم في المدينة واختار أكثرية الصحابة الخروج وحاول النبي صلى الله عليه وسلم ثنيهم وقال لهم إني رأيت في المنام سيفي ذا الفقار انكسر، وهي مصيبة، ورأيت بقرا تذبح، وهي مصيبة، ورأيت علي درعا وهي مدينتكم لا يصلون إليها، إن شاء الله تعالى...لقد أوضح النبي لصحابته أن رؤياه تشير الى هزيمة إن خرجوا من المدينة ...ولكن الصحابة أصروا على الخروج فأمضى النبي رأي الشورى ونزل على رأي الأغلبية ...ولما أحس الصحابة منه الغضب تراجعوا الى رأيه ولكنه عليه الصلاة لم يتراجع وأصر على الخروج....والملفت أن النبي ترك دلالة الرؤيا مع أن رؤيا الأنبياء وحي ...في الحقيقة لقد أخذ النبي بوحي الكتاب ... اخذ بالآيات المحكمات التي تفرض الشورى بأمر رباني صريح ووحي الكتاب اقوى من دلالات الرؤيا...و بعد هزيمة المسلمين في "أحد" نزلت الآية الكريمة: "فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر" ليقرر رب العزة مبدأ الشورى في مواجهة أخطر الأخطار التي واجهت استعماله، وليثبت هذا المبدأ في حياة الأمة المسلمة، أيًا كانت الأخطار التي تقع في أثناء التطبيق، وليسقط الحجة الواهية التي تثار لإبطال هذا المبدأ في حياة الأمة المسلمة، كلما نشأ عن استعماله بعض العواقب التي تبدو سيئة، ولو كان هو انقسام الصف كما وقع في "أحد" والعدو على الأبواب، لأن وجود الأمة الراشدة مرهون بهذا المبدأ، ووجود الأمة الراشدة أكبر من كل خسارة أخرى في الطريق...

(6)    هل أعجبتك المقالة (7)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي