أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

غواية السارد في ( فيضان قلب ) لمحمّد المرّ

في تجربة محمّد المرّ القصصيّة يهيمن السارد على مختلف عناصر البناء الفنّيّ للقصّة القصيرة، وكأنّه صاحب النصّ وسيّده، لا سلطةَ إلاّ لوجهة نظره، ولا سطوة َإلاّ لموقفه الأيديولوجيّ.. وإذا كان للسارد في عمليّة القصّ دور محدّد، هو السرد، وهو في أبسط تعريفاته: قصّ الحدث واقتفاؤه سواء أ كان حدثاً حقيقيّاً أم متخيّلاً، فإنّه في تلك التجربة يلعب الأدوار جميعها، فالشخصيّة تخضع لمنطقه لا لمنطقها وظروفها الاجتماعيّة وملامحها الشخصيّة والنفسيّة، والحدث لا يجري إلاّ إذا حرّكه بيمناه، والبيئة في مختلف مستوياتها الزمانيّة والمكانيّة والاجتماعيّة والّلغوية هي بيئة السارد نفسه لا بيئة الشخصيّة. فالسرد من هذا المنظور النقديّ هو عين المؤلّف ووجهة نظره و( فيضان قلبه )..
وهذا السّارد تغويه متعة السرد، فيمعن في سلطته عليه واستبداده به معلّقاً على حركة الأحداث وملامح الشخصيّات أو مفسّراً موقفاً أو كلمةً.. وهو كثير في أضعاف قصصه، ولا سيّما قصّة ( خدمة البلد )، ومنها قوله: " وضعن الزعفرانيّة - وهي المسك والزعفران - والمحلب على رأسه وصدغيه وأعلى عنقه، ثمّ وضعن على رأسه حليّ الرأس الذهبيّة المعروفة: الهيّار على قمّة الرأس، والشناف على الجبهة "، ومنها أيضاً قوله: " جاءت الأمّ بالخلاخل الكبيرة، وألبسوها إيّاها، وأضافوا إليها الفتخ، وهما الخاتمان الكبيران اللذان يوضعان في إبهامي القدمين ". وهو نفس الدور الذي كان يقوم به السارد / الراوي في القصّة القصيرة التقليديّة، أيّ: هو دور ( الحكواتيّ ) الذي تقع على عاتقه وحده مسؤوليّة التفسير والتوصيل. ودور السارد في القصّة القصيرة الجديدة هو دور شهرزاد، لا يكمن في فعل السرد وحده فحسب، وإنّما يكمن أيضاً في البحث عن أساليب من السرد مستحدثة ومتنوّعة، تجعل المرويّ له / المتلقّي شهريار مشدوداً إليها ومأخوذاً بها، فمتى فقد السرد سحره فقدت شهرزاد حياتها، فالسرد من هذا المنظور أسلوب حياة وطريقة وجود، به يتوسّل السارد، ليحتمي من الإخفاق، وينجو من النسيان أو الموت.
ومن هنا نلاحظ أنّ السارد العليم ببواطن الأحداث ودواخل الشخصيّات يروي حكايته من مخزون الذاكرة لا من حركة الأحداث نفسها، وربّما اختلط السرد أحياناً بالحوار خلال تلك الرواية، وكأنّ السارد والشخصيّة ضمير واحد، لا نميّز حركة أحدهما من الآخر إلاّ من خلال علامة ترقيم هنا وأخرى هناك. ومن ذلك قوله في قصّة ( عشاء على ضوء الشموع ): " هو لا يحبّ الاهتمام بالتفاصيل المقيتة والمملّة لتربية الأطفال ومشاكل البيوت وخناقات النساء.. تمرّ الأيّام والأسابيع، ولا يتبادل معها سوى الأحاديث العمليّة الاعتياديّة. الدشّ الكبير الذي وضعه في بيته كلّفه ثلاثين ألف درهم. مبلغ كبير، ولكنّه يستأهل. أربعون محطّة تلفزيون فضائيّة، يقضي معها معظم لياليه، يتابع نشرات الأخبار والبرامج الوثائقيّة، برامج الحوارات التلفزيونيّة المنوّعة، برامج المسابقات، الأفلام الأجنبيّة.. تحسّنت لغته الإنكليزيّة، يستغرب من طريقة نطق اللغة الصينيّة، هل يستغرب الصينيّون عندما يسمعون لغتنا العربيّة ؟ لا بدّ أنّهم يندهشون من حروفنا المختلفة ".
وهذا السارد ليس عليماً ببرامج التلفاز وأفلامه فحسب، وإنّما هو أيضاً عليم بمختلف ألوان الأطعمة والأشربة وأشكال الحليّ والجواهر وأسماء المطاعم والفنادق والشوارع وأعلام الكتّاب والشعراء وأمراض السلّ والسكّر وألعاب البوكر والدومينو.. يستعرضها اسماً اسماً، ويحشدها في أضعاف قصصه القصيرة، حتّى ناء بها الحمل، وأثقلها الهذر، وكأنّ القصّة لديه وثيقة اجتماعيّة، والإشارة في القصّة القصيرة تغني عن العبارة.
ولا شكّ في أنّ مثل هذا السرد قد جعل أسلوب السارد تقريريّاً، لا أثرَ واضحاً فيه لتشبيه أو استعارة أو كناية.. ولا أفقَ كبيراً له من إيحاء ولا دلالة.. ولغة القصّة القصيرة تأخذ من النثر قدرته على التصوير والتعبير ومن الشعر طاقته على الإيحاء والإيجاز، وكأنّها تحتلّ المسافة الفاصلة بين الشعر والنثر، وتمزج بين ما هو واقعيّ وعقليّ ومنطقيّ وبين ما هو خياليّ وعاطفيّ ومثاليّ.. وهي لذلك تحمل عبئاً ثقيلاً، وتفيض بالدلالات والإيحاءات، حتّى تكون قادرةً على التوصيل واستحواز القارئ والإمساك بالموقف كلّه. والسرد التقريريّ في قصص ( فيضان قلب ) يكاد يفتقر إلى هذه الجماليّات البلاغيّة كلّها، فلو كنّى تدانت الكناية بين يديه، ولو شبّه خانه التشبيه، ولو استعار قارب الاستعارة.. وفي قصّة ( عشاء على ضوء الشموع ) نموذج مثاليّ واضح لحال هذه الفنون، تتكرّر على لسان الزوج والزوجة معاً سخريةً مرّةً، ويقول: " حدّثها عن الأستاذ الفيل، والأستاذ البعوضة، والأستاذ الساديّ الذي يلتذّ بتعذيب الطلبة جسديّاً ونفسيّاً، والأستاذ الذي يخطئ في نطق أسماء معظم طلبة الفصل، والأستاذ الذي لقّبوه بطه حسين، لأنّ نظره ضعيف جدّاً، والأستاذ الذي يكره السبورة، ولم يكتب عليها شيئاً طيلة السنة الدراسيّة سوى تاريخ اليوم.. وحدّثته عن المدرسة الجاموسة، والمدرّسة العجوز المتصابية والمدرّسة التي أطلقن عليها لقب البلياتشو من كثرة المساحيق وأصباغ التجميل التي تدهن وجهها بها كلّ يوم.. ".
وهكذا تتلاحق هذه الصور على لسان الزوج والزوجة بلا طائل، وتتتابع على لسان السارد بلا أدنى خدمة لسرد ولا لتصوير. ولو تتبّعنا التشبيه وحده في القصص الأخرى لما تغيّر حكمنا على ذلك السارد الذي بدا ( تقريريّاً ) لا ( تصويريّاً ) على الرغم من اصطناع تشبيه أو تشبيهين في القصّة الواحدة، ففي قصّة ( كتب متأخّرة ) نقرأ: " رمت الساعة، وكأنّها تتخلّص من حشرة لزجة ومزعجة "، وفي قصّة ( نبوءة) نقرأ: " خصلات شعر القصّة نافرة وساقطة على الجبهة بشكل غريب، كأنّها أسلاك أو رموش اصطناعيّة عملاقة سخيفة، ولكنّها الموضة هذه الأيّام، وهي تحوّل أكثر البنات إلى ما يشبه الحشرات العملاقة التي توجد لها أطراف أماميّة حادّة ومدبّبة، تساعدها في الهجوم على الأعداء أو في الدفاع عن النفس ".
وإذا كانت سلطة السارد في قصص ( فيضان قلب ) قد طغت على السرد، واستبدّت بأوصافه وأشخاصه وأحداثه.. فلا شكّ في أنّها أيضاً قد تركت أثرها في زمان السرد ومكانه، لأنّ حركة السرد نفسه لا يمكن أن تجري في فراغ. ولذلك كان الزمن يبدو لنا متداخلاً أو متقطّعاً أو خاطفاً.. ومن ذلك قوله في قصّة ( نبوءة ): " في عطلة الربيع جاءت الخالة مع ابنتها إلى الإمارات، وبالتآمر الناجح لأخته تمّت الخطبة قبل نهاية العطلة، ورحل الوفد العائليّ في الصيف إلى الكويت لإتمام الزواج "، فالزمن السرديّ - كما نرى - لا يتلاءم والزمنَ الحكائيّ، بل ربّما تقطّع في قصص، وضاق في أخرى، إذ ليس من المعقول أن تجري كلّ هذه الأحداث في أسطر معدودات.
وأمّا المكان، والمكان في القصّة القصيرة ضيّق ومحدود، فقد تعدّد وتنوّع في القصّة الواحدة، كما في قصّة ( شيء من المجهول ) وقصّة ( خدمة البلد )، وكان السارد يتفنّن في أوصافه ببراعة وحرص كبيرين، وكأنّه محرّك الأحداث والشخصيّات.. ولكنّه في قصص أخرى ضاق حيّزه، وصار محدوداً، وهو ما نلاحظه في عدّة قصص، منها: قصّة ( كتب متأخّرة ) التي دارت في مكتبة، وقصّة ( عشاء على ضوء الشموع ) التي جرت في مطعم، وقصّة ( ثرثرة جولي ) التي حدثت في غرفة للتدليك..
من هنا من تلك الأمكنة نجد أنّ السارد كان يشرف على واقعه من عليائه أو برجه العاجيّ، ليصوّر شخصيّات قصصه من بعيد تصويراً خارجيّاً، لا يكاد يلامس انفعالاتها ومشاعرها، ويرصد حركة أحداثه رصداً هادئاً، لا يكاد يثير صراعاً داخليّاً ولا خارجيّاً، وكأنّ ذلك السارد حريص كلّ الحرص على ألاّ يخرج سرده التقليديّ إلى فضاء من السرد أرحب، والقاصّ المرّ ليس مغرماً بـ ( التجريب ) ولا ( التحديث )، كما صرّح غير مرّة، فقد ظلّت تجربته ضمن إطارها المدرسيّ الرصين، ولم تسع إلى الخروج على بنائه الفنّيّ. ولعلّ المحاولة الوحيدة التي نهض بها في مجموعة ( فيضان قلب ) القصصيّة هي قصّة ( فيضان قلب ) نفسها التي سردها على الهاتف فيضاً من المشاعر والتداعيّات، انتهت بمفارقة دراميّة، فاجأت السارد / البطل حين علم بعد فوات الأوان أنّ اتّصاله بمحبوبته كان خطأً، وهي نوع من المفارقة كان الكاتب المرّ يحرص على أن يخلص إليها في أغلب قصصه القصيرة.

محمّد المرّ في سطور

- من مواليد دبيّ 1955.
- تخرّج في جامعة سيراكيوز الأمريكيّة، وعمل رئيساً لندوة الثقافة والعلوم في دبيّ ثم رئيساً لمجلس دبيّ الثقافيّ.
- أصدر أولى مجموعاته القصصيّة ( حبّ من نوع آخر ) عام 1982، وصدرت أعماله القصصيّة الكاملة في ثلاثة مجلّدات عن دار العودة في بيروت عام 1992، وبعدها صدرت الطبعة الأولى من مجموعته القصصيّة ( سحابة صيف ) عن مطابع البيان التجاريّة في دبيّ بلا تاريخ، ثمّ صدرت الطبعة الأولى من مجموعته الأخيرة ( فيضان قلب ) عن المطابع نفسها عام 2000.
- ترجمت بعض قصصه إلى لغات عالميّة، ومنها ما ترجمه المستعرب الإنكليزيّ بيتر كلارك من مختارات، جمعها كتاب ( قصص دبويّة )، وصدر عن دار فوريست في لندن عام 1991.
- جمع مقالاته الصّحفيّة في عدّة كتب، منها: آمال وطنيّة 1997، وعجائب الدنيا 1998، وحول العالم في 22 يوماً 1998.
- من مصادر تجربته ومراجعها الرئيسة:
ثقافة المكان للدكتور رمضان بسطاويسيّ، دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة 1998.
الظواهر الاجتماعيّة في القصّة الإماراتيّة لبدر عبد الملك، دار الكنوز الأدبيّة في بيروت 1995.
فنّ القصّة القصيرة لمحمّد محيي الدّين مينو، منطقة دبيّ التعليميّة 2000.
مدخل إلى القصّة القصيرة الإماراتيّة للدكتور الرشيد بو شعير، اتّحاد أدباء وكتّاب الإمارات في الشارقة 1998.
مشكلات مجتمع الإمارات في قصص محمّد المرّ لأحمد محمّد عبيد، دار الخليج في الشّارقة 1998.
معجم القاصين العرب للدكتور سمر روحي الفيصل، دار جرّوس برس في طرابلس 2001.
المكان في القصّة القصيرة في الإمارات لبدر عبد الملك، المجمع الثقافيّ في أبو ظبي 1997.
ندوة الأدب في الخليج العربيّ ( 10 - 14 يناير 1988 )، اتّحاد أدباء وكتّاب الإمارات في الشارقة: الجزء الأوّل 1990، والجزء الثاني 1991.

محمد محيى الدين مينو mmmino@maktoob.com
(0)    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي