أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

القمع كمصدر لإعادة إنتاج الاستبداد .... مازن كم الماز

يقوم مقاتلو فتح الإسلام بإطلاق صواريخ كاتيوشا من عيار صغير على القرى المجاورة من الأمتار الأخيرة التي بقيت لهم و التي قد تكون في نفس الوقت مثواهم الأخير..هذا الفصام العدائي الغريب عن المحيط الإنساني و المكاني بل و الزماني و الذي ينتج حالة معزولة أسوأ من الغيتو القروسطي يستحق وقفة ضرورية خاصة إذا ما كنا نرفض اعتبار الإنسان كائنا شريرا بالطبع إذا ما كنا نعتبر أن هناك أسبابا وجيهة للسلوك الإنساني مهما بلغ من غرابة أو حتى همجية حيوانية..السؤال الحقيقي وراء هذه المحاولة هو عن مصدر الشر الذي نراه في ما يسميه الإعلام و السياسيون الرسميون في لبنان بظاهرة تصور على أنها شاذة خارجة عن منطق الأمور و هذا يحدد بالضرورة نمط التعامل معها ألا و هو الإلغاء الجسدي الذي يتخذ منحى تدريجي تصاعدي بسبب شدة مقاومة هؤلاء لقوة "فرض القانون الشرعية" الأضعف معنويا و إن تفوقت بشكل غير متوازن بالعتاد و العدد..اسمحوا لي هنا أن أقوم بانتقال مفاجئ قد يبدو غير مبرر للوهلة الأولى..سأتحدث الآن عن القمع عن قمع السلطة أساسا الموجه ضد المجتمع ضد الإنسان اللا منتمي أساسا..قد يرى البعض أن القمع يحمل دلالة على الخوف لكن الحقيقة أن العلاقة بين القمع و الخوف أكثر تعقيدا إن الخوف ينتج عن القمع تماما كما يولد هو القمع..في الواقع أن القمع هو وظيفة سلطوية تمارس بتقنين أو انفلات حسب جدل خاص بين السلطة و المجتمع يرتكز هذا الجدل على محاولة تبرير وضعية السلطة و على إقرار المجتمع بهذه الوضعية على قاعدة ذلك التبرير و مدى قدرة المجتمع على مقاومة وضعية السلطة و قمعها..هنا دعونا نتذكر أن القمع الذي مارسه النظام في سوريا لم يوفر له الطمأنينة بل كان مصدر المزيد من الخوف من الضحية , الأسوأ من هذا أن القمع كان مصدر إحساس مركزي بأهمية السلطة و وظيفتها القمعية عند الضحية , هذا الإحساس حتم على الضحية أن تركز سعيها على هدف واحد هو القفز إلى هذه السلطة و الاستحواذ على أحقيتها "الشرعية" في ممارسة القمع ضد الآخر أولا و أساسا ضد المجتمع بأسره هذا الشرط الأساسي لاستمرار السلطة و وجودها..هنا يجري تنميط القمع أي قراءته و تفسيره وفق منطق الغيتو لأن السلطة بقمعها تحول المجتمع إلى مجموعة غيتوهات تمتلك هي وحدها بقوة مؤسساتها و أجهزتها القدرة على "توحيدها" رغم استمرار ذلك الشعور الغيتوي بالعداء للآخر و الخوف منه في حالة كبت مؤقت أو أن تسمح له السلطة بانفلات محسوب و مجير لصالحها , فرغم أن صدام مثلا قتل قادة منافسين في البعث أو الجيش و حتى العائلة كخير الله طلفاح لكن جرى تفسير قمعه على أنه موجه أساسا ضد الشيعة و الأكراد ضد الغيتو الآخر, هنا بعد أن تكتشف الضحية السلطة كمصدر للقمع يصبح الإطباق على السلطة و الاحتفاظ بها مهما كلف الأمر أساس سلوكها اللاحق الذي يتحكم به موقف رهابي من القمع السابق ينتهي بتشديد ضراوة القمع و وحشيته ضد الآخر أولا و من ثم المجتمع بأسره..هنا سنجد أن الضحية الأقوى – الشيعة تعتمد على بديل موازي لأجهزة النظام سواء في وحشية القمع الذي تمارسه أو في إصرارها على فردانيتها و تبعية الآخر إن لم يكن تهميشه أو إلغائه , هنا تكون السلطة وحدها أي الاحتفاظ بمصدر القمع الأساسي "الشرعي" في يدها هو الحل الوحيد الممكن لرهاب تجدد القمع ضدها..الضحية الأضعف – الأكراد هنا تضطر لاستدعاء قوة خارجية أي تقوم بتجيير وظيفة ممارسة القمع لهذه القوة الخارجية لتوازي المصدر الداخلي الذي تشعر أمامه بالضعف..إن تجليات القوة الأمريكية اليومية في الشارع العراقي تكرس هذا الخارج كبديل في أذهان الجماهير عن سلطة غائبة أو مغيبة تقوم بوظيفة القمع بعد أن فرضت هذه القوة نفسها قوة احتلال أي سلطة فعلية بديلة..يخطئ من يظن أنه يمكن تصوير المارينز على أنهم محررين إنهم أيضا يحملون السلاح ضد المجتمع لفرض سلطة تحتاج إلى القمع كوظيفة ترتبط بشرعيتها و بالتالي تخلق نقيضها الضروري , إن القوة لعنة حقيقية و القمع يخلق متتالية لا تتوقف من القمع و القوة المضادين..في سوريا أيضا ينمط القمع وفق التكوين الغيتوي للمجتمع الذي شكله القمع المتراكم المافيوي الهمجي فيصبح القمع أساسا موجها ضد الإسلاميين رغم أن قوى يسارية و ليبرالية بل و قومية و حتى بعثية مخالفة للنظام كانت عرضة لهذا القمع لكن هذه القوى لا تتمتع بصفات الغيتو و هنا ينتهي قمع النظام إلى توليد حالة خوف رهابية لدى الطائفة العلوية مثلا من أن تجير ردة فعل الضحية على قمع النظام ضدها كغيتو ينسب النظام نفسه إليه..واقع المجتمع المنقسم تتظاهر فيه الأزمة العامة التي تشمل الجميع في أن كل طرف يحتاج للآخر لتبرير عزلته في غيتواه الخاص المسيج بكراهية الآخر و العداء له و يشكل وجوده نفسه مبرر عزلة الآخر و كراهيته ضمن الغيتو الخاص المواجه..في هذا الوضع لا يمكن أن يدور الكلام عن توحيد مجتمعاتنا أو على الأقل تقنين الصراعات الدموية داخلها إلا على نحو تلفيقي يخفي وراءه محاولة قوى غيتوية معينة لإنتاج سلطتها الخاصة ما دام الحديث لا يدور عن تفكيك و استئصال وظيفة القمع السلطوية..في أراضي السلطة الفلسطينية تستخدم فزاعة حماس اليوم لإنتاج هذه الحالة سياسيا أي نقلها من دائرة الفعل التنظيمي إلى السياسي و نرى المدى الذي يمكن لهذا الموقف الغيتوي المتمحور حول الاستيلاء على السلطة و تكريس وظيفتها القمعية أن يصله حتى في حالة وطن محتل عندما يصبح المحتل ذاته و القوى الداعمة له ضرورية لتحقيق هدف الوصول أو الاحتفاظ بالسلطة في وجه الغيتو الآخر "المعادي"..و بالمقابل يريد أزلام السلطة في مجتمعاتنا الانطلاق من هنا للتأكيد أن سلطاتهم المستندة إلى القمع هي الشكل الوحيد الممكن لوجود سياسي متوازن مع أقل درجة ممكنة من الصراع التدميري الطابع و ينسحب هذا على التخوف من انسحاب القوات الأمريكية من العراق الذي يصور كفاتحة لحروب أكثر تدميرية بين الغيتوهات الطائفية , في الواقع إن السلطة و القمع المرتبط بها ليس إلا مصدر الشر الممتد في سلسلة جهنمية متوالدة لا يمكن إيقافها دون استئصال جذورها لا يمكن ذلك إلا بتفكيك السلطة و إعادة تركيبها دون وظيفة القمع دون أن تمتلك الحق في استباحة كل شيء

(28)    هل أعجبتك المقالة (31)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي