أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

بعد العراق: ما مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة؟ ... هشام منور

مقالات وآراء | 2008-05-03 00:00:00
كاتب وباحث فلسطيني

حتم الإخفاق الأمريكي في العراق، سياسياً وعسكرياً، على صناع القرار ومراكز البحوث والدراسات في الولايات المتحدة أن يعيدوا النظر معمقاً في الاستراتيجية التي فرضها المحافظون الجدد على إدارتهم الجمهورية إبان سيطرتهم على مقاليد الحكم في البيت الأبيض. فاعتماد سياسة التدخل العسكري المباشر في منطقة ملتهبة كالشرق الأوسط بأزماتها وتعقيدات أوضاعها لم يفض إلى تعزيز المصالح الأمريكية أو حمايتها في المنطقة بقدر ما أدى إلى ازدياد المخاطر المترصدة بها واشتعال المنطقة الأكثر أهمية والأعقد من حيث الأزمات على مستوى العالم.
ولعل اعتراف عدد من الباحثين الأمريكيين، في سياق مراجعة سياسات الولايات المتحدة العسكرية في الشرق الأوسط، بمحدودية نجاح القوة العسكرية في المحافظة على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، واعتبار هذا الوجود، على العكس من الاعتقاد السائد، منبعاً أساسياً من منابع تفجر وتعاظم ما تسميه الولايات المتحدة "بالإرهاب والتطرف"، ليؤكد على ضرورة مثل هذه المراجعات ومدى إلحاح توقيتها بعد ما عرفه الجيش الأمريكي وحلفاؤه من إخفاق متفاقم يومياً.
ما تقدم من استنتاجات حيال تقويم الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة كان خلاصة دراسة أجراها "برادلي بومان" زميل مجلس العلاقات الخارجية للشؤون الدولية الأستاذ المساعد السابق في الأكاديمية العسكرية الأمريكية في (وست بوينت). وقد نشرت الدراسة في دورية "الواشنطن كوارتيرلي" بعنوان "بعد العراق: مستقبل التواجد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط" .
فعلى الرغم من ارتباط الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط الوثيق بحماية أمن "إسرائيل" وأهمية توطيد علاقات أمريكا مع الدول العربية، إلا أن الدراسة تشير إلى ارتباط ذلك الوجود بشكل أكبر بتحقيق مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، والمتمركزة حول نقاط ثلاث: أولها: ضمان تدفق النفط من دول الخليج العربي إلى الولايات المتحدة والدول الصناعية الأخرى، في ظل توقع زيادة نسبة الاستهلاك العالمي من الطاقة بمعدل 71% خلال الفترة من 2003 إلى 2030. إذ تستورد الولايات المتحدة حالياً نحو 60% من استهلاكها النفطي، وحسب توقعات وكالة الطاقة الدولية، فإن الاعتماد الأمريكي على واردات النفط الخارجي سيزيد إلى 62% بحلول عام 2030. الأمر الذي يعزز من مكانة وأهمية دول الخليج في تلبية الطلب المتزايد على الطاقة، ففي عام 2003 كانت هذه الدول تمثل 27% من إنتاج النفط العالمي وتتحكم في 57% من احتياطات النفط على مستوى العالم و41% من الاحتياطات العالمية للغاز الطبيعي. وبحلول عام 2020، فإن مساهمتها في إنتاج النفط العالمي سوف ترتفع إلى 33%.
وبخصوص هذه المصلحة الاستراتيجية الأمريكية، تحذر الدراسة من وجود عدة تهديدات حقيقية في مقدمتها مسالة الاستقرار الداخلي للدول المنتجة للنفط، وخطر تعرض البنية التحتية النفطية إلى هجمات تعرقل من ضخ النفط إلى الأسواق العالمية، وأخيراً الممرات البحرية، على اعتبار أن نحو 17 مليون برميل أو 52% من التجارة العالمية للنفط تتدفق عبر مضيق هرمز يومياً. وهناك دول مثل "إيران" أو جماعات مثل "القاعدة" قد تهدد تدفق هذا النفط عبر مضيق هرمز أو الممرات المائية الأخرى مثل باب المندب الذي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب.
وتشير الدراسة إلى أن "ضمان عدم تطوير الفاعلين الدوليين وغير الدوليين أو استخدامهم لأسلحة الدمار الشامل" يعد واحداً من المصالح الأمريكية المعتبرة، في ظل سعي إيران لبناء مفاعلات نووية وما يخشاه الأمريكيون من استخدام الأسلحة النووية ضد "إسرائيل". بالإضافة إلى ارتباط وجود الولايات المتحدة العسكري في المنطقة بحرصها على "إيجاد منطقة خالية من الجماعات المتطرفة مثل تنظيم "القاعدة"، والتي تمثل بدورها الخطر الأكبر على المجتمع الأمريكي وعلى مصالح الولايات في الشرق الأوسط".
وإذ تلقي الدراسة الضوء على تاريخ الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة ودوره في الحفاظ على مصالح أمريكا، فإنها تؤكد على تضخم هذا الوجود حالياً بالمقارنة مع محدوديته في الماضي، وعلى فشله في تحقيق الغايات المنشودة منه. وبعد أن نشرت الولايات المتحدة ما يزيد عن 500 ألف جندي في دول الخليج في أعقاب غزو الكويت، فإنها تحتفظ الآن بما يقرب من 220 ألف بعد غزو العراق والإطاحة بصدام حسين، وهو لا يزال، من وجهة نظر معد الدراسة، رقماً كبيراً ومبالغاً فيه.
وتنصح الدراسة أخيراً بالتخلي عن أسلوب نشر القوات الأمريكية بكثافة، والاستعاضة عنه بخصوص ضمان تدفق النفط من منطقة الخليج، بتعزيز الاستقرار الداخلي للمجتمعات الخليجية وحماية بنيتها التحتية وتأمين ممراتها المائية. إذ يمكن للولايات المتحدة أن تحقق الاستقرار وتحول دون وقوع الانقلابات داخل المجتمعات الخليجية من خلال تخفيض القوات الأمريكية، والاعتماد على الوسائل السياسية والاقتصادية في دعم الحكومات المنتجة للنفط، وتشجيعها على تنويع اقتصادياتها وتحقيق تقدم نحو الليبرالية الدستورية. وحسب الدراسة، فإن القوات الأمريكية تلعب كذلك دوراً محدوداً في حماية البنية التحتية النفطية في الدول المنتجة، أما فيما يتعلق بالممرات المائية، فإن الدراسة تشير ة إلى أنه في حال استهدف تنظيم "القاعدة" أو إيران ناقلات البترول، فإن الرد العسكري الأمريكي سيكون بحرياً دون الحاجة إلى استخدام القواعد الموجودة في الخليج.
أما بخصوص تهديد الملف النووي الإيراني، فإن الدراسة تعتبر القوات الموجودة حالياً كافية للقيام بأي عمل عسكري ضد إيران إذ تطلب الأمر، وينسحب الأمر نفسه على مكافحة ما تسميه الولايات المتحدة "بالإرهاب والتطرف"، فالدراسة تعتبر أن "الوجود العسكري الأمريكي الضخم في الشرق الأوسط يتعارض مع هذه المصلحة، بل إنه يعتبر الدافع الرئيسي نحو انتشار الراديكالية والإرهاب، إلى جانب عوامل أخرى".
ولئن كان من شأن أي تخفيض في عدد القوات الأمريكية في المنطقة ألا يؤدي إلى حسم المخاطر التي تتهدد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، إلا أن الدراسة المتقدمة من شأنها أن تضع العربة قبل الحصان بخصوص التقليل من حجم العنف المتصاعد والغضب والنقمة المتناميين على الولايات المتحدة، وهو ما لا يبدو أن الإدارة الحالية تكترث له.



التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
ترامب: وقف إطلاق النار صامد في سوريا رغم بعض المناوشات      الأسد يبحث عن 45 ألف لبناني... هكذا استغل عون "ملف المفقودين اللبنانيين" لتلميع صورته      برلمان بريطانيا يرفض إجراء تصويت جديد على اتفاق بريكست      اختيار موراي لتمثيل بريطانيا في نهائيات كأس ديفيز للتنس      زيمبابوي: نفوق 55 فيلا بسبب الجفاف      الاتحاد الأوروبي يدرس طلب تأجيل موعد خروج بريطانيا      السودان.. الجيش يدعو لإبعاد المظاهرات عن المواقع العسكرية      أردوغان: سنقدم على الخطوات اللازمة بعد المباحثات مع بوتين