أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

قصّة للأطفال: رجل الثلج الفلسطينيّ ... محمد محيي الدين مينو

مقالات وآراء | 2008-05-03 00:00:00
mmmino@maktoob.com

نَدَفَتِ السماءُ بالثلج حتّى تحوّلَ مخيمُ ( جَنين ) حقولاً من القطن، لا تبدو منها إلاّ المآذنُ وأشجارُ الزيتون. كان البردُ يومئذٍ قارساً، وكانت ديمةُ تترقّب منذ أوّل الشتاء مثلَ هذا اليومِ، وتبني في مخيّلتها رجلاً من الثلج، حمّلته بيده اليمنى بندقيّةَ أبيها الشهيدِ، وحمّلته بيده اليسرى غصنَ زيتونٍ أخضرَ، ولكنّ الشمسَ سُرعان ما كانت تشرق، فتتبدّدُ أحلامُ ديمةَ الجميلةُ، ويذوبُ رجل الثلج.
اعتصر الألمُ قلبَ ديمة، وهي ترى رَتلاً من الدبابات الإسرائيليّة تجوب شوارعَ الحارة، وتَدْعَس في طريقها الثلجَ والأشجارَ وأعمدةَ الإنارة، وتطلق النار في الهواء غيرَ آبهة بحمام المخيّم الذي كان يبحث في أرجائه عن ملاذ آمن ودافئ، فلا يجدُ إلاّ مقبرةَ الشهداء التي غَصّت بأسراب الحمام، واتّسعت أرجاؤها، حتّى كادت تحيط بمنازل المخيم كلّه. ولم تكدْ آخرُ دبّابة تغادر الحارةَ حتّى نزلت ديمةُ الشارعَ، وراحت تصنع رجلاً من الثلج، وضعت على رأسه كوفيّةً مخطّطةً، وحمّلته بيده اليمنى حجراً، ولكنّ الرجلَ سُرعان ما تململ في مكانه، وسأل ديمةَ قائلاً:
- " أين البندقيّةُ ؟ ".
فوشوشته، وهي تتلفّت يَمْنةً ويَسْرةً:
- " خبّأتها أمّي في الخزانة، حتّى يكبرَ أخي خالدٌ ".
امتعض رجلُ الثلج، وطأطأ رأسَه حزناً وأسفاً، حتّى كاد يتداعى، وسألها مستنكراً:
- " سأنتظر هنا خالداً حتّى يكبرَ ؟! ".
فأجابته ديمةُ، وهي تضحك:
- " غداً تشرقُ الشمس، وستذوبُ حالاً ".
فقال لها:
- " رجالُ الثلج كالشهداء لا يموتون، بل يعيشون في مخيّلة الأطفال وأحلامهم، والشمسُ هنا أرحمُ بنا من هؤلاء الأعداء ".
دَلَفَت ديمة إلى البيت بسرعة، وهي تلوّح لرجل الثلج بيديها الصغيرتين، وقالت له:
- " أعدك ألاّ تنتظرَ خالداً طويلاً ".
تسلّلت ديمة إلى الخزانة خِلسةً، وأخرجت منها بندقيّةَ أبيها وكوفيَّتَه المخطّطةَ الحمراءَ، وهي تحاول أن تَرْقأَ دموعَها الساخنةَ قبل أن يراها رجلُ الثلج، ثمّ تَلَفَّعَتْ بالكوفيّة، فلم تبدُ إلاّ عيناها الدامعتان، وألقت البندقيّةَ على كتفها، وقبل أن تغادرَ الغرفةَ ألقت نظرةً خاطفةً على أخيها الصغيرِ خالدٍ، وهو نائمٌ في سريره، ثمّ خرجت من البيت، وهي تمشي على رؤوس أصابعها.
حيّت ديمةُ رجلَ الثلج تحيّةَ مودّعٍ، وانطلقت باتّجاه ساحة المخيم، والسماءُ ما تزال تندِف بالثلج. شعر الرجل بغُصّة حتّى كاد يختنق، فلم يستطع أن يناديها، ويرجوها أن تنتظرَ قليلاً حتّى يكبرَ أخوها خالدٌ، لكنّ ديمةَ كانت تركض كالعاصفة، لا تلوي على شيء. وما هي إلاّ لحظاتٌ حتّى دوّت في سماء المخيّم طلقاتُ رصاصٍ، لم يكنْ أحد يعرف مصدرها إلاّ رجلَ الثلج.


دبيّ في 1/ 3/ 2003

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
وادي النصارى يشتعل والنظام صامت      هجمات متفرقة تلاحق عناصر الأسد.. خسائر كبيرة تطال أمن الدولة بدرعا      على ذمة "الميادين".. جيش الأسد يدخل "الطبقة" ويتوجه شمالاً      أردوغان يوجه رسالة شديدة اللهجة للجامعة العربية      الفاتيكان: أحداث سوريا أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية      الائتلاف: النظام سخّر ميليشيات "pyd" لوقف مشاركة الكُرد في الثورة      تحقيق صحفي يؤكد قصف الروس المتعمد للنقاط الطبية شمال سوريا      كيبتشوجي مرشح لجائزة أفضل رياضي في ألعاب القوى هذا العام