أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

معالم حمص ومشيداتها الأثرية: المدرسة الغسانية.. منارة للعلم والثقافة خلال قرن من الزمن!

معالم حمص ومشيداتها الأثرية: المدرسة الغسانية.. منارة للعلم والثقافة خلال قرن من الزمن!
   صورة نادرة لطلاب المدرسة اوائل القرن الماضي
خالد عواد الأحمد - زمان الوصل
أنشئت في مدينة حمص أواخر القرن التاسع عشر عدد من المدارس الوطنية ولكن هذه المدارس لم تستطع مجاراة المدارس الأجنبية التي أوجدتها الإرساليات التبشيرية كالأميركية سنة 1863واليسوعية سنة 1882ومدرسة الجزويت 1898 لقلة الإمكانيات المادية وضعف المناهج وعدم مجاراتها للعصر آنذاك ومدرسة الغسانية التي احتفلت منذ سنوات بالمئوية الأولى على تأسيسها، هي واحدة من المدارس الوطنية التي كانت ولا تزال منارة علم ومعرفة خرجت آلاف الطلاب والطالبات خلال مراحل مسيرتها وكانت علامة حضارية مميزة على ماض حميمي آسر لم يبق منه إلا ذكريات الحنين إليه ولكن هذه المدرسة العريقة تعرضت على يد النظام للكثير من التهديم والدمار الذي طال حي بستان الديوان في السنوات الثلاث الماضية.

بدأت المدارس الأرثوذكسية منذ عام 1887 وخطت إلى الأمام خطوات سريعة وكانت تقوم برسالتها النبيلة من تعليم النشىء وتهذيبهم لكن فائدتها كانت تقتصر على مستوى معين من التلاميذ صغار السن فقرر القائمون عليها توسيع دائرة التعليم فيها وتشجيع الطلاب على متابعة دراستهم في صفوف عليا فكان لابد من أن تُنشىء أبنية جديدة لاستيعاب الطلاب الجدد الذين أخذوا يتهافتون على التعليم في المدارس فكان لابد من التفكير ببناء مدرسة كبيرة تتسع للطلاب الراغبين في نهل العلم ليس من مدينة حمص فحسب بل من المناطق المجاورة ومن لبنان أيضاً.

وتبلورت الفكرة عام 1908 لتوسيع المدارس الكائنة في حي بستان الديوان ورفع مستواها التعليمي من درجته الابتدائية إلى درجته الثانوية وتأسيس مدرسة داخلية تؤوي طلاب العلم من سائر أنحاء البلاد في عهد كان الشعب يرزح فيه تحت عبء ثقيل من الجهل والتعسف والاستبداد، لكن العقبة التي كانت تقف أمام إشادة هذا البناء هي الناحية المادية فلجأ القيمون على المشروع إلى أبناء الشعب الذين لم يتأخروا عن تلبية طلب اللجنة المكلفة بإقامة هذا الصرح العلمي، ولكن النوايا الحسنة والإمكانيات الضئيلة لدى أبناء الشعب لم تحقق الأمل المنشود فقام السيد أثناسيوس عطا الله وهو أحد الشخصيات الدينية الكبيرة في المدينة بإرسال استغاثة إلى الدولة العثمانية التي كان من مصلحتها تعزيز المدارس الوطنية التي من أقل فوائدها صيانة النشء من تأثيرات الدعاية الأجنبية، فأخذ رسوم المدارس الوطنية في حمص آنذاك ووضعها ضمن غلاف موشى بالذهب وأرفقها بعريضة التمس فيها مساعدة جلالة السلطان بديمومة سير المدارس الوطنية والمؤسسة على الإخلاص والأمانة وهذا نص الرسالة كما وردت في كتاب "زفرات القلوب" الذي وضعه المؤرخ عيسى أسعد "سنة 1932 "بما أن خدمة نيات الحضرة السلطانية الخيرية المبذولة في سبيل نشر العلوم في جميع الممالك المحروسة الشاهانية واجب لازب على جميع تبعته الصادقة العبودية، وبما أن فتح وتأسيس المدارس تحت حماية الدولة العليا وتلقين فوائد المحبة للتلاميذ من الصغر لبلوغهم أساس الإخلاص الخاص للتابعية العثمانية هو من مقتضيات واجبات التابعين فداعيكم اجتهد كثيراً مع فقر حالي أن أحصر نفسي في هذه النقطة المهمة وأختار أن أفدي في سبيلها كل شيء" وتمضي الرسالة: "وقد توقفت في ظل الحضرة الملوكانية إلى تأسيس المكاتب المقدمة رسومها لفاً وإني مع الطلبة الموجودين فيها أكرر الأدعية في الليل والنهار بزيادة عز وعافية الجناب السلطاني وبما أن المحافظة على بقاء هذه المدارس وإنمائها فيما بعد متوقف على ما شمل الآفاق من إحسانات وعنايات الحضرة الملوكانية السنية فلذلك أسترحم من دالة فخامة الخديوي الجليلة رفع وتقديم الرسومات المذكورة إلى عتبة ولي النعم بلا امتنان، مع عرض الالتجاء والأحقاء بعناية الحضرة السنية السلطانية غير المحدودة والأمر لوليه أفندم.



تحريراً في 11 مارس سنة 309 رومية (الموافق في 11 أيار سنة 1893) ( ) 
جمعية فلسطين الإمبراطورية
رغم لهجة الاسترحام والاستذلال في هذا الطلب لم تستجب له الدولة العثمانية فقدم أثناسيوس عطا الله طلباً آخر للجمعية الامبراطورية الفلسطينية التي أحالت الطلب إلى وكالتها في الناصرة فحضر بإيعازها ناظر المدارس الموسيو اسكندر ياكو بوفتش يرافقه مدير مدرسة الناصرة الأستاذ اسكندر كزما فرأيا في هذه المدرسة ما يشجع على تسلمها، وبعد أن دارت المفاوضات بين مندوبي الجمعية والقيّمين على المدرسة قررت الجمعية الفلسطينية أن تأخذ في عهدتها 500 تلميذ مع ما يلزمهم من الأدوات المدرسية، شرط أن تنظم دار الدرس على المنوال االذي تبتغيه الجمعية فقام المحسن المرحوم عيسى فركوح بوهب القهوة والحوش المجاورين للمدرسة وكان العقار المذكور يساوي في حينها أكثر من 500 ليرة ذهبية فقدَّرت الجمعية لهذا الوجيه هبته وقلدته ميداليتها واعتبرته من أعضائها العاملين وكان ذلك عام 1896 وقد أرخ الأستاذ الشاعر (داوود افندي قسطنطين الخوري) هذه الوقفية بالأبيات التالية:
"هذا المكان لأجل البر أوقفه 
من آل فركوح شهم باذخ الهمم
هو السري التقى عيسى الذي اشتهرت 
آلاؤه وسما بالفضل والكرم 
فليجزه الله بالتاريخ خير جزا 
ويثن دهراً على جدواه كل فم"
وهكذا تم لجمعية فلسطين الامبراطورية تسلم المدرسة الأرثوذكسية للذكور في أوائل سنة 1896 فسارت بها شوطاً طويلا على أحدث طراز أوربي، وكانت مناهج المدرسة حافلة بالمواد العلمية وميادين اللغتين اليونانية والتركية والموسيقى والتاريخ المدني ومبادئ اللاهوت والمنطق والفيسيولوجيا ومبادىء الجبر والحساب والطبيعيات والجيولوجيا والهيأة والجغرافيا إضافة إلى المواد الأدبية كالصرف والنحو والمعاني والبيان والعروض وتهافت على المدرسة الطلاب من كل حدب وصوب حتى زاد عددهم على ألفين ومائتين طالباً وسارت الدروس فيها سيراً منظماً وبعد أربعة سنوات من التدشين أي في عام 1914 اندلعت الحرب العالمية الأولى فتوقف التدريس في المدرسة لفترة وجيزة وفي عام 1916 احتلت قوات الجيش العثماني المدرسة بعد أن كانت قد احتلت كل المدارس الأخرى، فتوقف التدريس فيها حتى نهاية الحرب، وقد تبدل اسم المدرسة عدة مرات ففي عهدها الأول أطلق عليها اسم (المدرسة العلمية الأرثوذكسية) وكانت صفوفها الثانوية أربعة وتمنح شهادة تعادل الشهادة الإعدادية في المدارس الأميركية (الهاي سكول)، ولما استُؤنفت الدراسة عام 1919بعد تعطيلها القسري أثناء الحب زيد عدد الصفوف وسُميت (الكلية الأرثوذكسية).

وفي عام 1927 حينما أنشأت الحكومة السورية الشهادة الثانوية (البكالوريا) تبعت النظام الحكومي ودُعيت (التجهيزية الأرثوذكسية) وذلك بناء على طلب وزارة التربية وعدد طلاب المدرسة حين افتتاحها لم يتجاوز الأربعمائة منهم أربعون طالباً داخلياً وأخذ عدد الطلاب في الارتفاع حتى بلغ الثمانمائة وبلغ عدد الطلاب الداخليين فيها مابين الثمانين والمائة والخمسين كانت نسبة النجاح في الشهادتين الرسمية المتوسطة والثانوية جيدة وقد نال بعض طلابها قصب السبق وفازوا بالدرجة الأولى بين طلاب البلاد عامة فناولوا بذلك مكافآت إذ أرسلتهم الدولة للتخصص في دول أخرى.



كارثة الحريق:
في الثاني من شباط عام 1933 وفي هدأة الليل الحالك شب حريق هائل في المدرسة أتى على كل ما يحتويه البناء من أثاث وأدوات وأجهزة وملابس ولم ينج سوى الأساتذة والطلاب بمعجزة إلهية إذ إن البناء الداخلي كان من الخشب والسقف من قرميد وسبب الحريق يعود إلى إهمال من الآذن تسبب عنه نشوب النار في مستودع الفحم الملحق بالمدرسة، وما كادت أخبار هذه الكارثة تنتشر حتى بدأت التبرعات والإعانات تصل من كل أنحاء الوطن والمهجر لتجديد البناء فأعيد ترميم المدرسة بسرعة كبيرة وعادت إلى مسيرتها العلمية والتعليمية بعد ستة أشهر من الحادث المذكور.

وفي عام 1936 تأسست جمعية الطلاب القدماء من خريجي التجهيزية وكانت الغاية من تأسيسها مساعدة المدرسة والنهوض بها مادياً ومعنوياً فعمدت إلى إقامة الحفلات المدرسية وتمثيل الروايات لكبار الكتاب العالميين كي تتمكن من جمع المال الكافي لدعم المدرسة، وقد استطاعت هذه الجمعية أن تغذي مكتبة المدرسة من جديد بالكتب العالمية والعربية وساهمت في تأسيس المخبر وتجهيزه بالأدوات والأجهزة اللازمة، وهكذا استمرت المدرسة في تخريج الطلاب ردحاً طويلاً من الزمن حتى عام 1971، حيث تراكم العجز المالي فلم تتمكن من تسديده فوضعت المدرسة تحت تصرف مديرية التربية وبقي اسم الثانوية الغسانية حياً. وبعد أن تخلت مديرية التربية عن الثانوية تشكلت لجنة خاصة من خريجي المدرسة والغيورين على المسيرة العلمية لإعادة ترميم المدرسة الذي بدأ في شباط 1998 وانتهى بعد أشهر لتستعيد الثانوية حياتها السابقة في نشر العلم والثقافة والمعرفة.
feras
2014-07-27
حمص حلوة بكلشي وهاد رابط فيه معالم واثار وطبيعة حمص http://www.h4d4.com/vb/t12160.html
التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
إسرائيل تدمر مقر فضائية الأقصى بغزة      ترامب: نأمل ألا تخفض السعودية و"أوبك" إنتاج النفط      مصر.. حكم بحبس "أبو تريكة" سنة بقضية تهرب ضريبي      مصر تحذر من احتمال تعرضها لسيول جارفة      مصور سوري يفوز بجائزة دولية للصحافة      ريال مدريد يعتمد "سولاري" مدربا دائما بعد 4 انتصارات متتالية      وجهاء من "منبج" يطالبون بطرد "قسد" خلال مؤتمر دولي      رامي مخلوف يوافق على إدراج سيرياتيل في بورصة دمشق