أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

وقفة متأخرة مع الجولانيّ... أيديولوجيا الجهاد: براغماتية الأصل وجنون الفروع

مقالات وآراء | 2014-01-03 00:00:00
حمزة مصطفى
  "أرواف"
باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات - من كتاب "زمان الوصل"
قبل عدة أسابيع كان الظهور الإعلامي الأول للمسؤول العام لجبهة النصرة أبو محمد الجولانيّ على قناة الجزيرة الإخباريّة، وبحكم الضبابية والغموض الذي يكتنف الشارع السوريّ عن الحركات الجهادية التي أصبحت فاعلا رئيسيّا في ساحة الصراع الجارية في سوريّة، حظيت المقابلة بمتابعة واهتمام شعبي كبير سعى خلاله المواطن العادي والمهتمون إلى فك شيفرة هذه الحركات والتعرف عن قرب على طريقة تفكيرها ومنهجها، وأهدافها. 

يقف هذا المقال على مقابلة الجولانيّ وما جاء فيها من أفكار وطروحات وإبداء الرأي حولها خاصة فيما يتعلق بالمشروع السياسي. لكن قبل ذلك يستعرض موقع وموقف الحركات الجهاديّة ولاسيما تنظيم القاعدة من الثورات العربيّة وتأثيرها على قياداته بشكل دفعها إلى البوح بطروحات جديدة غير مألوفة حطمتها الفروع التابعة لها.

الحركات الجهادية وصدمة الربيع
طرح نجاح الثورات العربيّة في تونس ومصر واليمن عام 2011، ونهجها المرتكز على الحراك الشعبي "السلمي" إشكاليات عدة على الحركات والتنظيمات السلفية الجهاديّة لاسيما حول الأسلوب والطريقة الواجب اتباعها لتحقيق التغيير. فمفهوم "الجهاد" العنفي الذي وضعته الحركات السلفية الجهادية في قلب أولوياتها كأيديولوجيا ثورية انقلابية تهدف إلى الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية "الجاهلية" في العالم العربي والإسلامي تعرض لانتكاسة بعد نجاح الحراك الشعبي "السلمي" في تحقيق التغيير المنشود. كما أن الشعوب الثائرة، من ضمنها التيارات الإسلامية الإصلاحية بلورت طروحاتها للتغيير ضمن الدولة الوطنية المعاصرة (الدولة القطرية) بما يتناقض مع الطروحات "الأممية" لهذه الحركات، ومبدأ "الحاكمية" الذي يكفر الأنظمة، والدول المعاصرة. 

لقد أدت ثورات الربيع العربي السليمة إلى احتدام الجدل واحتدام النقاشات الفكريّة ضمن أوساط التيار الجهادي السلفيّ وتنظيم القاعدة لجهة التركيز على النشاط "الشعبي" بدلاً من "النخبويّ" خاصة بعد بروز ظاهرة "الأنصار"، وطريقة اعتماد المظاهرات السلمية كوسيلة لتغيير الأنظمة الاستبدادية (العدو القريب) بدلاً من اللجوء إلى العمل المسلح. كما عاد النقاش من جديد حول حول مركزية تنظيم القاعدة أو لامركزيته وأيهما أفضل لتفعيل العمل الجهادي والتعامل مع المستجدات التي فرضتها الثورات العربية.

في هذا الإطار يمكن الإشارة إلى لائحة المراسلات الصادرة عن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن والتي كشفت بعد مقتله (تعرف إعلاميًا بـ "وثائق بن لادن" أو "وثائق أبوت أباد") لاسيما الوثيقة رقم /10/ والمؤرخة بتاريخ 10 نيسان/ أبريل 2011 والتي يقترح فيها استراتيجيات مختلفة من أجل " تحريض الناس الذين لم يثوروا، وتشجيعهم على التمرد ضد الحكام ثم الخروج عليهم" كما يمكن الإشارة إلى الفتاوى الصادرة عن منبر التوحيد والجهاد فيما يخص جواز المشاركة في المظاهرات السلمية المطالبة الديمقراطية، ومن أبرز ما ورد فيها: 

• أجازت اللجنة الشرعية المشاركة في المظاهرات، حتى لو كانت تردد شعارات الديمقراطية والوحدة الوطنية، وقد اعتبرت اللجنة أن ترديد هذه الشعارات عمل غير شرعي، لكنه ليس "كفرا".
• بينت الرسالة في بعض جوانبها عن تفكير براغماتي للتيار الجهادي عكس الهزة الفكرية الكبيرة الذي تعرض لها بعد نجاح الثورات العربية. فعلى الرغم من أن الرسالة منعت وحرمت المطالبة بالديمقراطية، إلا أنها أقرت بأن الديمقراطية تشكل مطلبا لكثير من الجماهير، وبأن انتصار الثورة وإقامة نظام ديمقراطيّ قد يؤدي إلى فتح الحريات أمام الدعوة مما يمهد الالتزام، ومن ثم المطالبة بتطبيق شرع الله. 

كانت المعطيات السابقة تؤشر إلى إمكانية حدوث تغيرات جوهرية وهامة في منهج تفكير التيار السلفي الجهاديّ، فتنظيم القاعدة والحركات الجهاديّة وجدت نفسها خارج "حركة الشعوب" وحساباتها المرحلية في بداية الربيع العربي، لكن التغيرات التي طرأت على مسار الثورات العربية والاتجاه إلى العسكرة كما جرى في ليبيا وسورية أعادت الحركات الجهاديّة وتنظيم القاعدة إلى واجهة الحدث، وأعادت الزخم لمفهوم " الجهاد العنفي" والطروحات الأممية الأخرى.

سورية: استعادة الأنفاس ونشوء النصرة
مثلت ثورة سوريا حالة مختلفة لها خصوصيتها بالنسبة للحركات الجهاديّة، وتنظيم القاعدة، بخلاف الثورات العربية السلمية (مصر، تونس، اليمن)، والنموذج العسكريّ الليبي وما رافقه من تدخل عسكريّ غربي.

لم تكن الحركات الجهاديّة مهتمة أو متحمسة للانخراط بالثورة السوريّة عند انطلاقتها، أو في مرحلة الاحتجاجات السلميّة كونها تعتمد " تقليد" الثورات العربية الأخرى في أدواتها، ونهجها، والأهم في أهدافها الديمقراطية. بيد أن هذا التوجه تغير جذريا بعد انتقال الثورة السوريّة إلى العسكرة والعمل المسلح، وغياب التدخل العسكري الخارجي إلى جانبها، إذ أصبحت سوريا "ساحة جهادية" تفرض على الجهاديين وبشكل عاجل الانتقال إليها، وتأسيس مشروع جهادي هناك. 

لم يكن هذا المشروع أمرا سهلا، فالتيار السلفي الجهادي يفتقد الأرضية الصلبة اللازمة لترعرعه ونموه في سوريا، وقد شهدت سوريا قبل الثورة نماذج لحركات جهاديّة لكنها لم تجد التربة الخصبة فوجدت سبيلها إلى الخارج. كما أن النشطاء الراغبين في دحض رواية النظام بداية الثورة، حرصوا خلال شعاراتهم وهتفاتهم على رفض حضور هذه الحركات التي لا تتبنى مبادئ وشعارات الثورة على الرغم من أنها تتقاطع مع الثورة في العداء للنظام فقط. 

لكن التغيرات التي طرأت على مسار الثورة السورية، والاتجاه نحو العسكرة، وازدياد عنف النظام وإجرامه لاسيما المجازر الطائفية، وغياب التدخل العسكري الخارجي نقل هذه الحركات من فاعل "غير مرغوب بمشاركته" إلى فاعل مرحب به. من هنا قامت المجموعات الجهادية المتناثرة بتتبع واختيار البيئات السورية الريفية الجاهزة لتقبل الفكر الجهادي والتمركز بها، ليعلن عن تأسيس أول مشروع جهادي في سوريا هو جبهة النصرة في 24 كانون الثاني/ يناير 2013.

عودة إلى الجولانيّ: 
على الرغم من جرعة التحليلات السياسية التي حاول الجولاني أن يقدمها خلال المقابلة والتي تعتمد بشكل رئيسي على كتابات شخص يدعى عبد الله بن محمد ينشط في المنتديات الجهادية، وسبق له أن نشر كتيبا بعنوان "استراتيجية الحرب الإقليمية على أرض الشام"، إلا أن الجانب الفكري في المقابلة كان ضحلاً، بل ضحلاً جدًا. فالنقاش تناول الأمور بسطيحة، القضايا بعموميتها مثل تحكيم الشرعية، وعدم المغالاة في التكفير وكأنه أحد عطايا الجبهة للثورة السوريّة، وتعهد الجبهة بعدم حكم سوريا بشكل منفرد، بل من خلال لجان شرعية غير معروف طريقة تشكلها.. وغيرها من الأمور التي صرحت بها الجبهة في بياناتها خلال الأشهر الماضية. 

وحقيقة الأمر اذا ما أجرينا مقارنة بين ما صدر عن تنظيم القاعدة بعد الثورات العربية مباشرة، وما يصدر كل يوم عن الجماعات الجهاديّة الناشطة في سوريا ومنها ما قاله الجولاني خلال المقابلة، نجد بما لا يقبل الشك الهوة انعدام التواصل وتبادل الأفكار بين الجهتين، وعجز الفروع حتى الآن عن مواءمة توجهات الأصل في مسالة أيديولوجيا الجهاد وأهدافه. فالأصول تبدو أكثر براغماتية ومنفتحة مقارنة بالفروع المتهورة المغرورة بإنجازات تسعى إلى أسطرتها آنيا. ولاشك أن الانتكاسات والهزات والهزائم التي تعرض له التنظيم العالمي لقاعدة الجهاد هي التي تفسر اندفاع زعيم تنظيم القاعدة بن لادن إلى تغير بعض أفكاره بعد أن قدر له مشاهدة الشعوب وهي تطيح بأنظمتها من دون تدخل خارجي ما أحرج مقولاته وتنظيمه عن ( العدو القريب والعدو البعيد).

للأسف تنحو جماعات إسلامية سوريّة، على خطا فروع القاعدة دون أن تتعلم من التجارب، فتطرح برامج سياسيّة مضطربة تفتقد إلى رؤى موضوعية قابلة للتطيبق، تخلو من الاعتدال وتنحو باتجاه التطرف السياسيّ لتعيد وتكرر تجربة الحزب القائد الواحد القادر وحده دون غيره على فهم معطيات الحياة ومدركاتها وتفسيراتها. وللأسف أيضا تروج هذه البرامج على أنها "مشروع أمة" دون أن تحدد الأمة المعنية بالمشروع. هل هي جمهور الجهاديين والتيار السلفي الجهادي؟ أو جمهور الثورة السوريّة؟


سالم حنفي
2014-01-03
وثائق بن لادن مكذوبة عليه وما كان أصله على جرف هار لم يقم
التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
خامنئي: لا تفاوض مع الولايات المتحدة وسياسة الضغط لا قيمة لها      تلفزيون "عون" يروج للحشيشة.. سعرها محروق وعلى الدولة تشريعها لأنها مقدسة      غارديان: أزمة الخليج تشتد وتزداد قوتها على التدمير      ثلاثي هجوم باريس سان جيرمان يغيب عن لقاء ريال مدريد      مدرب ليفربول.. مانشستر سيتي أفضل فريق في العالم      "الابتزاز" والاستثمار بقوة الشعوب... حسين الزعبي*      هذا الوزير من ذاك الأسد      مشاريع إيرانية صينية بقيمة 400 مليار دولار