أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

الدورات التدريبية: هل هي وسيلة لتفريغ سوريا من الناشطين؟

ميخائيل سعد | 2013-12-03 00:00:00
ميخائيل سعد
  "خيمة الفضائح"
من كُتاب "زمان الوصل"
عندما كنت في "اسطنبول" سمعت قصصا عن الناشطين الذين يلتحقون بدورات تدريبية في أماكن عديدة منتشرة في "اسطنبول"، وفي مدن أخرى على طول الحدود التركية السورية, وفي بعض المدن الأوروبية، وبعضهم يتقاضى رواتب ما بين ألفي دولار وأربعة آلاف دولار. 
إن نظرة سريعة على هذه الدورات وتنوعها يعطي انطباعا عاما أنها تشمل كل جوانب الحياة السورية. فما معنى هذه الدورات ولمن توجه وما هي الفائدة الحقيقية منها؟

قبل الإجابة على تلك الأسئلة، ولكي يكون لكلامي مصداقية معينة، سأتكلم عن تجربتي في هذا المجال. عملت في التسعينيات في مركز للدراسات المهتمة بالعالم الثالث عامة والعربي خاصة، وكان الاهتمام منصبا بشكل محدد على قضايا الإعلام والديمقراطية والنساء وحقوق الإنسان، فيتم اختيار المنظمات المحلية الأنشط العاملة في هذا المجال، والأفراد المميزين بفكرهم ونشاطهم وحضورهم الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي (مصر، فلسطين، الأردن، لبنان، اليمن، المغرب)، ثم التواصل معهم عبر شبكات المنظمات غير الحكومية لإخضاعهم لدورات تدريبية في بلدانهم الأصلية أو في كندا، ووضع البرامج التي يجب تنفيذها في فترات محددة. ولما كان تنفيذ هذه البرامج يحتاج إلى كادر بشري ومقرات ووسائل اتصال من هواتف وفاكسات وإنترنيت ورواتب للمتفرغين، فقد كان يجري تقييم تفصليلي للكلف المادية التي يحتاجها كل برنامج لوحده. 
تبدو المسائل للوهلة الأولى سهلة وجميلة وفيها الكثير من التفهم لحاجات الناشطين، إلى أن تنتفي الحاجة لنشاط هذا الشخص أو هذه المجوعة فيتم العمل على غيرها، ولكن ماذا يحدث أثناء ذلك؟

في نهاية كل مرحلة من مراحل البرامج يتم إجراء دراسات تفصيلية ميدانية ونظرية عن الخطوات التي تم إنجازها، واستكمال النواقص التي يقررها المركز الممول، وهو عادة في الغرب، ثم يتم تمويل المرحلة التالية، وهكذا دواليك. مع نهاية البرنامج يحدث أن الناشط يكون قد تم انتزاعه من وسطه الشعبي أو النقابي أو المهني، وعاش بشروط مالية واجتماعية لم تكن متوفرة له سابقا، فيصبح هدفه وهمه اليومي الاحتفاظ بمستوى الدخل الجديد الذي أمّن له العيش الرغيد مقارنة مع حياته السابقة وحياة الوسط الذي قدم منه، وهكذا يتم تمييزه وتخريبه وحرمان المجتمع منه كناشط كان بارزا في مجاله، وقد يتحول إلى عميل دون إرادة.

أذكر في هذه المناسبة قصة أحد المحامين المصريين الشباب، الذي حصل على كلفة تنفيذ أحد البرامج المتعلقة بحقوق الإنسان في مصر من مؤسسة فورد، فاستأجر مكتبا مفروشا في احدى عمارات القاهرة، وخطا هاتفيا مع فاكس وسكرتيرة، وبعد ستة أشهر انتهى التمويل، وبدأ موسم الشحادة وطرق أبواب المؤسسات غير الحكومية في الغرب، يطلب مالا مقابل خدمات دون شروط، همه بقاء المكتب مفتوحا مع الهاتف والسكرتيرة.

عودة إلى موضوعنا الأساسي، وهو ظاهرة الدورات التدريبية للناشطين السوريين. لقد استطاع نظام الأسد الدموي، إخراج ما يقارب عشرة بالمئة من الشعب السوري من دائرة الصراع، وهم طليعة المجتمع وقادة الثورة الحقيقين، فلو أضفنا إلى عدد الشهداء الذي يقدر بمئة وخمسين ألفا، عدد المعتقلين الذي تجاوز عددهم الثلاثمائة ألف، وعدد من تم تهجيره من نشطاء ومنشقين وسياسيين، فإننا سنلامس رقم المليوني سوري، وهم يشكلون، في زعمي ١٠٪ من إجمالي سكان سوريا، وهم، إذا صح التخمين، أكبر نسبة في العالم شاركت في ثورات بلدانها، هذا دون حساب عدد اللاجئين السوريين في الخارج وداخل سوريا والذي تجاوز نصف سكان سوريا، ومع ذلك، ورغم الانحرافات التي حصلت في مسيرة الثورة، إلا أنها مستمرة وإن غلب عليها الآن صوت قرقعة السلاح، وتراجع الحضور المدني نتيجة التهديدات وصعوبة العمل، ومع ذلك كان هناك دائما نشطاء يعملون ضمن الشعب الثائر، إلا أن الدورات التدريبية بدأت تستقطب أبرز وأنشط الشباب السوري المدني. وحسب أحد الناشطين في حلب الذي كتب لي:

هناك أكثر من مائة ناشط في عنتاب قرروا البقاء هناك، ومثلهم في أنطاكية وأضنة، أما اسطنبول فقد كنت أنت هناك وسمعت ورأيت.

هناك سياسة ممنهجة في الإفساد وشراء الناشطين وتفريغ سوريا منهم وخصوصا الشمال الحلبي والادلبي. بإمكان المؤسسات الأمريكية والأوروبية إقامة هذه الدورات في حلب أو ريف حلب بعشر القيمة وتحويل الباقي لمساعدة النشطاء في الداخل، لكنهم يفضلون استقدام النشطاء والناشطات إلى فنادق 4 أو 5 نجوم وعلى طعام وطلعات وسهرات لشهونة الناشط، وتثبت أقدامه خارج حلب او إدلب.
هذه الإجابة الحارة من الناشط الحلبي فيها إجابة على كل الأسئلة التي طرحتها في بداية المقال، والتي تؤكد القاعدة العامة، وهي أن الدورات التدريبية والبرامج التي تعد لليوم الثاني أو العاشر والإذاعات والصحف والمواقع الإلكترونية كلها أو أغلبها يعمل على تفريغ الساحة ممن بقي من النشطاء السلميين الحريصين على ثورتهم، ثورة الحرية والكرامة، فهل نستطيع مقاومة الإغراءات وتصحيح مسار الثورة؟
وائل مرزا
2013-12-03
خالص الشكر والتحية للأستاذ ميخائيل على هذه الدراسة الهامة جداً، والتي تأتي وسط كمٍ كبير من الكتابات الفارغة المضمون. وشكراً لزمان الوصل على نشر الموضوع واهتمامها بالقضايا الجدية المفيدة.
mikhael saad
2013-12-03
شهادة اعتز بها من الدكتور وائل مرزا، الباحث المعروف، متمنيا في الوقت نفسه العمل على توصيف ما يحدق على الارض السورية بحسناته وسيئاته، فهو طريقنا الصحيح لتقديم الحلول الحقيقية
وائل مرزا
2013-12-04
خالص الشكر والتحية للأستاذ ميخائيل على هذه الدراسة الهامة جداً، والتي تأتي وسط كمٍ كبير من الكتابات الفارغة المضمون. وشكراً لزمان الوصل على نشر الموضوع واهتمامها بالقضايا الجدية المفيدة.
التعليقات (3)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
زيمبابوي: نفوق 55 فيلا بسبب الجفاف      الاتحاد الأوروبي يدرس طلب تأجيل موعد خروج بريطانيا      السودان.. الجيش يدعو لإبعاد المظاهرات عن المواقع العسكرية      أردوغان: سنقدم على الخطوات اللازمة بعد المباحثات مع بوتين      أبرز الإجراءات "الإصلاحية" التي أعلن عنها سعد الحريري      زلزال بقوة 5.6 ريختر يضرب ميناء "بندر عباس" الايراني      سقطا في أول أيام ثورتهم.. لبنانبون يضيؤون الشموع على روحيّ عاملين سوريين      "فيسبوك" قد تطلق تبويب الأخبار في نهاية الشهر الجاري