أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

مرة أخرى أنا مع سوريا ... بلال حسن التل

مقالات وآراء | 2008-04-14 00:00:00


العدوان على سوريا عدوان على الأمة كلها

الولايات المتحدة تواصل سياسة الكذب والتضليل لابتزاز سوريا

أي ضرر يلحق بسوريا سيصيب الحياة اليومية للناس في كل بلاد الشام




مرة أخرى أعلن غير خجل ولا هيّاب ولا وجل انحيازي لموقف سوريا في مواجهة الابتزاز والتهديدات الأمريكية والإسرائيلية، وهذا الانحياز ينبع أولاً من حبي للأردن، فأي ضرر يلحق بسوريا - لا سمح الله- لن نكون نحن في الأردن بمنجاة منه، فإذا كنا قد دفعنا ثمناً باهظاً على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية جراء احتلال الكويت وجراء سقوط العراق في براثن الاحتلال الأمريكي. فإن الثمن الذي سندفعه إذا لحق بسوريا أي ضرر - لا سمح الله - سيكون أضعافاً مضاعفة للثمن الذي دفعناه في كل مرة أصيبت فيها الأمة بنكبة، فما يربطنا بسوريا أكبر مما يربطنا بسواها. فبلاد الشام وحدة جغرافية واحدة لا فاصل طبيعياً يفصل أي جزء منها عن أجزائها الأخرى. والوصول من مدن بعض مكونات بلاد الشام إلى عواصم مكوناتها الأخرى أسرع في كثير من الأحيان من الوصول من هذه المدن إلى عواصم هذه المكونات، فذهاب أبناء إربد للسهر في دمشق والعودة منها أسرع من وصولهم إلى عمان والسهر فيها، ووصول الدمشقيين إلى عمان أسهل من وصول الحلبيين إلى دمشق، ولولا وجود الغدة السرطانية في فلسطين لكان وصول أبناء جنوب لبنان إلى بعض ربوع الأردن أقرب من تنقل الأردنيين في ربوع بلدهم...

غير الجغرافيا الواحدة، فإن الوحدة السكانية بين أبناء بلاد الشام لا يختلف عليها اثنان، فبعض الأردنيين يقضون عطلة نهاية الأسبوع في دمشق وغيرها من مدن سوريا عند أقاربهم وذوي رحمهم. وأنا شخصياً يتوزع أبناء عشيرتي بين الأردن وسوريا ولبنان، وهم يتزاورون صلة للرحم ويحنون إلى بعض جذورهم في فلسطين التي جاوؤها من الحجاز قبل الانتقال منها إلى باقي بلاد الشام، وما زال الزعبية منتشرين في بلاد الشام كلها حتى يوم الناس هذا، ومثلهم الكثير من سكان بلاد الشام الذين لم ولن تفرقهم عن بعضهم الحواجز المختلقة، ولا الأزمات السياسية المفتعلة، والدليل أنه في الأوقات التي كانت تتلبد فيها سحب الصيف العابرة بين عواصم بلاد الشام كانت أمواج التواصل البشري لا تتوقف بين أبناء بلاد الشام وكأنهم يهزون أكتافهم سخرية من خلافات السياسيين.

ومثلما يرتبط أبناء بلاد الشام بالجغرافيا الواحدة وبالعلاقات السكانية المترابطة بالتراحم والأرحام، فإنهم يرتبطون مع بعضهم بمصالح اقتصادية ومعيشية يومية، سواء على صعيد القمح أو الماء أو الملابس أوغيرها من احتياجات الناس اليومية التي تعني أن أي ضرر يلحق بسوريا سيكون ضرراً لمكونات حياة الناس اليومية في كل بلاد الشام.

غير روابط الجغرافيا والنسب والمصالح الاقتصادية فإن ما يربطنا في بلاد الشام أيضاً تاريخ واحد منذ ما قبل التاريخ حتى يوم الناس هذا. فقد اشترك أبناء بلاد الشام ''الأردن، وسوريا، ولبنان، وفلسطين'' في صياغة كل تفاصيل تاريخهم الموحد، ولم يكن عبثاً أن يخرج الفتح الإسلامي بجيش واحد إلى بلاد الشام بقيادة واحدة، بل إنه عندما توزعت كتائب هذا الجيش لفتح مناطق الشام المختلفة كانت تتوحد بسرعة لملاقاة أي خطر، كما حدث في اليرموك معركة الإسلام الفاصلة مع الرومان التي دارت رحاها عند نقطة التقاء سوريا والأردن وفلسطين، وكأن دماء شهداء الإسلام تضيف بذلك رابطاً جديداً لوحدة بلاد الشام التي خصها رسول الله بالبركة وجعل أهلها في رباط إلى يوم الدين، وهذا سبب عقدي للانحياز لموقف سوريا التي تحتضن وتدعم في هذه المرحلة من تاريخ أمتنا قوى المقاومة والرباط في أمتنا التي صار دعمها تكليفاً شرعياً وواجباً وطنياً وقومياً، بعد أن أثبتت العقود الأخيرة من تاريخ بلادنا أن عدونا لا يفهم إلا لغة القوة، فقد ضرب هذا العدو بعرض الحائط كل مبادرات السلام التي قدمها له النظام السياسي العربي، ولم يلتفت إلى كل التنازلات التي قدمت له، على العكس من ذلك فقد تمادى في عدوانه وأطماعه وسعيه لابتزاز المزيد من التنازلات، خاصة وأن هذا العدو يجد كل الدعم والتأييد من الغرب عموماً ومن الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص، التي أثبتت الأحداث والوقائع أنها ليست وسيطاً نزيهاً ولا طرفاً محايداً، بل أنها طرف شريك في الصراع ينحاز إلى العدو الإسرائيلي، بل ويتماهى مع هذا العدو فيحارب معه، ويوفر له الغطاء السياسي، ويسخر مجلس الأمن لخدمته، ويعمل على إبقاء صف أمتنا ممزقاً ويحرض بعضها على بعضه الآخر، ويسعى لابتزازنا لمصلحة هذا العدو، كما يفعل الآن مع سوريا. لا لشيء إلا لأنها ترفض التماهي بمشروع الشرق الأوسط الجديد كما رسمه شيمون بيريز، وكما تروج له إدارة بوش وتسعى لتحقيقه بكل الوسائل بما في ذلك الحرب كما فعلت في احتلالها للعراق، وفي عدوانها المشترك مع إسرائيل على لبنان عام 2006م.

نعم، تُمارس الولايات المتحدة الأمريكية ابتزاز سوريا، وهي في ممارستها هذه لا تتورع عند استخدام كل الأساليب غير المشروعة. وفي طليعتها الكذب والتضليل اللذان صارا صفة ثابتة في الممارسة الأمريكية، أنشأت لهما الإدارة الأمريكية إدارة خاصة ومارستهما في العراق عندما ادعت وجود أسلحة دمار شامل لديه، ''وفبركت'' تقارير مزورة، ثم أثبتت الأيام أن كل ما قالته أمريكا حول أسلحة الدمار الشامل لم يكن سوى كذب، وهو نفس الكذب الذي مارسته في أفغانستان لتبرير احتلالها وتدميرها لهذا البلد، وهو نفس الكذب والتضليل الذي تُمارسه فيما يسمى ''بعملية السلام في الشرق الأوسط'' الذي أثبتت الأيام عدم جدية وصدقية واشنطن فيها، وأن هذه العملية ليست أكثر من سراب يحسبه الظمآن ماء، بل لقد بلغ حجم الكذب والتضليل الذي تُمارسه الولايات المتحدة الأمريكية درجة أخجلت الكثير من أعمدة ورموز إدارتها مما اضطرهم للاستقالة، وقائمة المستقيلين خجلاً من كذب الإدارة الأمريكية طويلة جداً. لذلك لا نستغرب كذبها في إطار سعيها لابتزاز سوريا. خاصة عبر ما صار يعرف بالمحكمة الدولية حول اغتيال رفيق الحريري، التي حولها الأمريكان إلى وسيلة لإبقاء التوتر قائماً في العلاقات العربية. بعد أن نفخوا فيها وجعلوها أهم من احتلال فلسطين وأهم من احتلال العراق، ليس حباً برفيق الحريري، ولكن إخفاء منها للسبب الحقيقي لإبقاء الأزمة اللبنانية قائمة ومنع أي حل لها، ذلك أن الولايات المتحدة تستهدف من وراء النفخ في قضية الحريري وإبقاء الأزمة اللبنانية بدون حل رأس المقاومة الإسلامية من جهة، وابتزاز سوريا وتغيير موقفها من جملة قضايا في طليعتها دعم المقاومة في لبنان وفلسطين والمساهمة في إخراج أمريكا من المستنقع العراقي، وفك التحالف السوري الإيراني، ومن ثم السير في مشروع الشرق الأوسط الجديد وفق الشروط الأمريكية.

وحتى تحقق واشنطن هذه الأهداف تلجأ إلى سلسلة من الأساليب، من بينها ترك إسرائيل تمارس التصعيد على الأرض سواء في مواجهة المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين، أو في مواجهة سوريا وهو التصعيد الذي توفر له الولايات المتحدة الأمريكية الدعم المادي والغطاء السياسي في سيناريو يتكرر في كل عدوان أمريكي إسرائيلي على منطقتنا، وفي إطار هذا التصعيد ها هي الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها إسرائيل تضعان المنطقة في أجواء حرب جديدة لا يجوز وتحت أي ظرف من الظروف ترك سوريا تخوضها وحيدة في حال تعرضها لعدوان أمريكي إسرائيلي لأن العدوان على سوريا يجب أن يتم التعامل معه كعدوان على الأمة..

غير التصعيد العسكري على الأرض الذي تُمارسه إسرائيل وقد مارسته في مرحلة سابقة الولايات المتحدة الأمريكية ضد سوريا عبر عملياتها العسكرية في منطقة تلعفر على الحدود السورية العراقية، غير هذا التصعيد فإن الولايات المتحدة الأمريكية تُمارس أيضاً التصعيد السياسي والإعلامي ضد سوريا، وفي هذا الإطار جاء ربط وزيرة الخارجية الأمريكية بين المحكمة الدولية وبين سوريا، والوزيرة الأمريكية في ربطها هذا تعتدي أولاً على العدالة الدولية عندما تستبق نتائج التحقيق الدولي في اغتيال الحريري الذي أكدت لجنته أكثر من مرة تعاون سوريا الإيجابي والمرضي معها، كما أنها - أي اللجنة- لم تُشر من قريب أو بعيد إلى علاقة سوريا باغتيال الحريري، ومع ذلك تُصر الإدارة الأمريكية في إطار سياستها بابتزاز سوريا على الربط بينها وبين الاغتيال ضاربة عرض الحائط بكل تقارير اللجنة.

بالإضافة إلى الابتزاز الأمريكي لسوريا من خلال التلويح بالمحكمة الدولية التي فقدت مصداقيتها قبل أن تمارس عملها بفضل التدخلات الأمريكية، والسعي الأمريكي لتسيسها فإن الولايات المتحدة تسعى لابتزاز سوريا أيضاً من خلال الأزمة اللبنانية، حيث تزعم واشنطن أن سوريا تتدخل في الشؤون الداخلية للبنان، ولكنها لا تعتبر تصريحات سفيرها السابق ولا القائمة بأعمال سفارتها في بيروت، وأخرها طلبها من فريق 14 آذار التمهل قبل الرد على مبادرة الرئيس نبيه بري، ولا تصريحات وزيرة خارجيتها وكلها تحمل توجيهات علنية لأصدقائها في لبنان بعدم حل الأزمة وعدم الحوار مع شركاء الوطن، لا تعتبر ذلك كله تدخلاً في الشأن الداخلي للبنان الذي تطلب من سوريا عدم التدخل فيه، في الوقت الذي تطلب منها المساهمة بحل الأزمة اللبنانية، فكيف يستقيم الأمر بين الاتهام بالتدخل ثم طلب المساهمة بالحل؟.

هذه واحدة، أما الثانية فتتمثل في اتهام المعارضة اللبنانية بأنها تتلقى تعليماتها من دمشق وطهران وأنها تعطل الحل، فإذا كانت المعارضة اللبنانية قادرة على تعطيل الحل طوال هذه المدة من عمر الأزمة اللبنانية، فإن هذا يدل على أنها صاحبة ثقل حقيقي وأنه لا بد لأصدقاء واشنطن في بيروت من الجلوس معها والسعي لمشاركتها في صياغة القرار اللبناني، وبدون ذلك فلن تحل الأزمة اللبنانية. ونظن أنها لن تحل في المدى المنظور لأن دورها في ابتزاز سوريا لن ينتهي إلا إذا توقف بعض العرب عن المشاركة في هذا الابتزاز، وسحب الغطاء العربي عنه، وحتى يتحقق ذلك لا يجوز أن تترك سوريا من قبل جل العرب وحيدة في مواجهة عدو الأمة المشترك. أعني إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية اللتين تحتلان أرضنا وتشردان أهلنا وتتوعدان باحتلال وتشريد المزيد....


www.al-liwa.com

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
صور... الضرائب والحرائق تشعل لبنان بالمظاهرات      واشنطن تعلن وقف العملية العسكرية التركية في سوريا      ترامب "يغرد" شاكرا أردوغان: الأخبار عظيمة قادمة من تركيا      عشرات الآلاف يشاركون في ماراثون بنيودلهي إحدى أكثر مدن العالم تلوثا      سامسونج تعد بحل مشكلة التعرف على البصمة في Galaxy S 10      "الوطني" يتقدم في "رأس العين" ووضع "قسد" هو الأسوأ      مقتل 6 عناصر من "الجيش الوطني" وجرح آخرين في هجوم لـ"قسد" شمالي حلب      كشف لغز هجمات الـ"دورن".. اتهامات روسية تطال "شاليش" المتواري عن الأنظار