أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

وهذا حال سفارتنا في فرنسا... تجربة شخصية وشهادات بعض الأصدقاء ... د.عوض السليمان

         عادة ما تحمّر وجوه معظم الذين يريدون مراجعة  المؤسسات الإدارية في بلادنا العربية، وبواقع الحال تحمر تلك الوجوه  عند مراجعة المؤسسة الإدارية العربية خارج البلاد، أي السفارة.

        

         لدي صديق هنا في فرنسا، يدرس في إحدى الجامعات للحصول على شهادة الدكتوراه في إحدى العلوم التطبيقية. هذا الصديق أراد أن يذهب للحج، فقال لنا سأرسل رسالة إلى السفارة السورية في باريس أبلغهم فيها أني ذاهب للحج حتى يعلموا بوضعي  وأنني سأغيب عن جامعتي لمدة شهر، وأحصل على الموافقة منهم على هذه الرحلة. قبل أن يتكلم صديقنا بهذه الكلمات الصاعقات، كنا في مرح وسرور، وكانت الوجوه ناصعة ومشرقة، وما إن انتهى من قول ما قال، حتى احمرّت بل شاهت الوجوه. صرخ أحد الأصدقاء: ماذا تقول يا رجل !!! احذر سيقطعون إيفادك ويتهمونك بأنك "إخونجي" !!! وربما يتهمونك بتشكيل منظمات معادية للنظام. واحد آخر يجلس في الخلف بعيداَ : يا أخي العزيز أتريد أن تُحرم من العودة إلى سورية ما هذا الهراء؟!. ورأى آخرون أن طلب هذا الصديق سيكون نقطة سوداء في اضبارته وأنه لن يحصل على وظيفة أبداً عند العودة إلى سورية بحكم أن النقط السوداء تمسح المستوى العلمي والمهني لأصحابها.

         الصديق صاحب الفكرة ظل متماسكاً، وما احمّر وجهه ولا اصفّر، أرسل طلبه "المرعب" إلى السفارة. وبعد مدة زمنية ليست بالمرهقة، وجه له الملحق الثقافي السوري في باريس جواباً يتضمن موافقة الجهات المختصة على ذهاب الرجل للحج . ذهب الصديق بالفعل إلى الحجاز، وعاد بعد عشرين يوماً حاجاً وبمسبحة أيضاً، وعاد إلى سورية بعد نهاية دراسته، وأخذ حقه بوظيفته المناسبة، دون أن يرى في ليله كوابيس المخابرات ولا في نهاره مخابرات الكوابيس، وسمعت أن وجهه لا يزال مشرقاً.

 

         مرّ على هذه القصة اليوم عدة سنوات، لم تكن صبا ناصر وقتها في السفارة، بل إنني لا أعرف من كان سفير بلادنا في تلك الآونة ولم أكن لأسمع أصلاً بأعضاء المكتب الثقافي في السفارة، فهم ونحن كل في عمله وكفى. أقول هذا حتى لا يتهمني أحد بالنفاق والتكسب من خلال" تمسيح الجوخ" لأعضاء سفارتنا في فرنسا. وإما أردت فقط إظهار بريق ما تكلم عنه أحد.

 

         جاءت صبا ناصر للسفارة، سمعت باسمها، اسمها جميل، إنها من صبا الشرق، لغتها جميلة، وأدبها أدب أهل الشام، ترسل رسائل للمواطنين السوريين  عبر الإنترنت تقول لهم فيها: "انتهز هذه المناسبة لأؤكد ثانية أننا في السفارة سوف نبذل قصارى جهدنا لنستحق ثقة مواطنينا....... لأنني أؤمن بأن من المهام الأساسية للبعثات الدبلوماسية إضافة للدفاع عن مصالح الوطن، التواصل مع المواطنين وتسهيل شؤونهم بكل الوسائل المتاحة". وفي رسالة سابقة تقول:"(إن من أهم مهامنا في السفارة) رعاية شؤون مواطنينا بتذليل العقبات الإدارية وبالتفسير المرن للأنظمة والقوانين وبتأمين الاستقبال اللائق والحوار الناجع و(قد)انتقلت إلى المدن والمناطق التي ينتشر فيها مواطنونا وجاليتنا للقائهم والاستماع إلى القضايا التي تهّمهم ولتشجيعهم على تشكيل روابط اغترابية تنظم علاقاتهم الاجتماعية وتوّحد جهودهم وتبرزهم كمجموعة متضامنة متآزرة قادرة على الدفاع عن مصالحهم ". ألم أقل لكم أن كلامها جميل؟؟.

 

         مرّة اتصلت بالملحق الثقافي، وقلت له يا أستاذ أنا أحتاج إلى وثيقة كذا ومهتم بالحصول عليها اليوم قبل غد، فهلا أسرعت بإرسالها إلي، وأضفت مبالغاً: شو ما عندكم فاكس، أرسلها يا أخي بالفاكس  وخلصنا! فرد علي بكلمة حاضر وأطال فيها الألف. وبعد أقل من ساعة على تلك المكالمة استلمت وثيقتي بالفاكس. ولا أنسى أبداً، أنني مرة وعند تجديد جوازي أخطأت في ثمن الطوابع، فأرسلت للسفارة ما يقارب أربعين أورو زيادة، ولما أعيد الجواز إلي، وجدت رسالة من الملحق الثقافي يعتذر فيها عن "هذا الخطأ "ووجدت المال الزهيد في تلك الرسالة، ولعل ذلك الاعتذار لا يزال عندي حتى الساعة. مع التأكيد أن الخطأ كان خطأي ولم يكن خطأهم مطلقاً.

 

         أختم قصصي مع السفارة، بشهادة أحد الطلاب من أصدقائي، فقد وصل جواز سفر زوجته للسفارة يوم الثلاثاء 29/3 وذلك بهدف تسجيل المولود، عاد الجواز  متألقاً بصورة الصغير يوم الجمعة من الأسبوع نفسه 1/4. 

 

 

         أريد أن أؤكد على أن ما ذكرته كان  تجربة شخصية وشهادة لبعض الأصدقاء من الطلاب،  وقد يكون لبعض السورين هنا اعتراضات على عمل السفارة، أنا لا أعرف تلك الاعتراضات، ولكنني  سأستغرب  لو كانت تلك الاعتراضات موجودة على نطاق واسع لأنني لا أعتقد أن سفارتنا  تلبس ثوب التقوى مع الطلاب وثوب الكفر مع غيرهم.

 

 

 

 

(3)    هل أعجبتك المقالة (4)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي