أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

مقامات وأضرحة الصحابة في حمص... تحف فنية رائعة تعكس تطور الفن الإسلامي خلال مختلف العصور

مقام سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه

الأضرحة الإسلامية ظاهرة معمارية متميزة انتشرت في مدن بلاد الشام كما في كل المدن العربية الإسلامية خلال مختلف مراحل التاريخ الإسلامي. 

والمقصود بالضريح حسب ما هو معروف ذلك البناء المربع الشكل الذي يُقام لتخليد ذكرى إمام أو أمير أو صحابي، وتعلو البناء عادة قبة خضراء اللون محمولة على حنِّيات ركنية أو غيرها، ويتوسطها ضريح حجري أو خشبي مزخرف يُكتب عليه اسم المتوفى، وتاريخ وفاته مع بعض الآيات القرآنية، وقد يكون الضريح ملحقاً بجامع أو مدرسة. وليس في قواعد الإسلام ما ينص على تحريم أو كراهية إقامة مثل هذه المشيِّدات، ولكن المسلمين من باب التقوى والزهد في الدنيا جَرَوا على أن لا يُقام لإنسان ضريح أو نصب تذكاري، خوفاً من التشَّبه بالوثنية أو الجاهلية، ولذلك لم يصلنا من العصور الإسلامية الأولى أي نموذج من هذه المباني، ما عدا بعض الأضرحة مثل ضريح (الست زبيدة) في مصر، وضريح آخر يُعرف باسم (قبة الصليبية) قرب سامراء يعود إلى العصر العباسي، وفي العصر السلجوقي انتشر بناء الأضرحة والمقامات على شكل أبراج أسطوانية، وهي أشبه بالمدافن المشيَّدة على هيئة أبراج بسيطة، وفي العصر المملوكي ساد بناء الأضرحة التي تعلوها قباب تقوم على عنق مضلع، وكان الضريح يشتمل على غرفة أو غرفتين داخل إحداهما قبر، أما في العصر الأيوبي فكان الضريح يقوم في إحدى المباني التي يشِّيدها صاحب الضريح قبل وفاته. 

وتمثل بعض هذه الأضرحة التي انتشرت في العصور المتأخرة بالإضافة إلى قيمتها الرمزية تحفاً فنية رائعة تعكس تطور الفن الإسلامي، وغنى معطياته الجمالية، فيما يغلب على بعضها الآخر طابعُ التقشف والبساطة، ويحاصرها الإهمال والتداعي، ولكنها حملت على الرغم من ذلك كله معلومات وتأريخاً لأحداث أغفلها الزمان.
وتضم مدينة حمص السورية مجموعة كبيرة من هذه الأضرحة والمقامات المنتشرة في المساجد أو المدارس الأثرية وهذا يدل على ما لهذه المدينة من مكانة رمزية وحضور روحي في صدور صحابة الرسول الذين اختاروها سكناً لهم ومثوى لأجسادهم الطاهرة لما رأوا من نظافتها وملاحتها، ووفرة خيراتها، وطيب هوائها، وعذوبة مائها، ونجدة وشجاعة أهلها، ونظرا لكثرة من سكنها من أعلام الصحابة أُلفت كتب تاريخية جمعت سير هؤلاء الأفذاذ، بل قام بعض مؤلفيها بتصنيفهم إلى طبقات، ومن هذه الكتب كتاب (تاريخ الحمصيين) لأبي بكر البغدادي الحمصي و(طبقات أهل حمص) لأبي الحسن البغدادي الحمصي و(تاريخ من نزل حمص من الصحابة) لأبي بكر بن صدقة، ولكن أغلب هذه الكتب للأسف لم يبق منها إلا أسماؤها. ويُروى عن الكُثير بن مرة الحضرمي أنه أدرك بحمص سبعين بدرياً من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وجاء في كتاب (الطبقات الكبرى) لابن سعد أن الكثيب الأصفر في حمص يضم قبور ثلاثمائة رجل استشهدوا من أصحاب رسول الله، وذكر أبو قاسم علي بن بلبان عن أبي إدريس الخولاني في كتابه(المقاصد السنية في الأحاديث الإلهية) قوله:"دخلت مسجداً بحمص فإذا فيه حلقة نيف وثلاثين رجلاً من أصحاب رسول الله (ص) وفي العصر الحديث وضع الباحث محمد رسلان الطحان كتاباً بعنوان (كشف النقاب عمن ولي حمص من الأصحاب) وله كتاب تحت الطبع بعنوان (كشف النقاب عمن نزل حمص من الأصحاب).

عُرفت مدينة حمص بمدينة ابن الوليد نسبة إلى القائد الإسلامي خالد بن الوليد سيف الله المسلول الذي سكن فيها أواخر حياته ودُفن في المسجد الذي عُرف باسمه فيما بعد ويدعوه أهل حمص تحبباً جامع سيدي خالد وفي حرم الجامع يقع الضريح الذي يضم رفاته ويعود تاريخ تشييده إلى عهد الملك (الظاهر بيبرس) وتقول إحدى الكتابتين المنقوشتين على الضريح الخشبي (بسم الله الرحمن الرحيم، أُمر بإنشائه على حرم تربة سيف الله صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه)".

ويبدو مظهر الضريح مألوفاً من حيث الشكل والحجم في جميع البلاد الإسلامية منذ العهد الفاطمي حتى يومنا هذا، وهو متوازي المستطيلات، الجزء الأعلى منه بارتفاع 14.5 سم ينفرج قليلاً إلى الأعلى ليشكل طنفاً خفيفاً شُغل إفريزه بكتابة رُقمت بخط الثلث، وينتهي الطنف في الأعلى بشريط قائم ضيق 3.5 سم يزيد طوله الأفقي على طول جانبي الضريح 5.5 سم، ويتكون الضريح في أجزائه العليا من طنف ونطاق مستطيل، يُلفان حوله من جميع الجهات، ثم تليهما زخرفة عامة تملأ سطوحه الجنوبية، تتخللها حشوات مستطيلة، ذات أقواس مفصصة في كلٍ من الواجهتين الطوليتين" 

إلى جانب ضريح الصحابي خالد بن الوليد تضم مدينة حمص عشرات القبور التي تُنسب لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من قادة وفقهاء وعلماء وزهاد استحوذ عدد منهم على صفات نُسبت إليهم ورافقت سير حياتهم ومن هؤلاء الصحابي عمر بن عبسة أبو نجيع رابع أربعة دخلوا الإسلام، وصدي بن عجلان آخر من مات من الصحابة في الشام و (كعب الأحبار) صاحب العلم الواسع والمناقب الكريمة وأقدم رواة الحديث و(العرباض بن سارية) و(عبد الرحمن بن خالد بن الوليد) وأولاد جعفر الطيار وعياض بن غنم وقبور هؤلاء وغيرهم معروفة في أنحاء مختلفة من المدينة وبعضهم مدفون في مقبرة "الكتيب" وهو تل مرتفع من الأرض كان يسمى الكثيب الأصفر، ويقع خارج باب الدريب شمال شرق حمص القديمة واتُخذ هذا الكثيب كمقبرة للمسلمين منذ الفتح العربي وجاء ذكره في رحلة "الخياري" إلى سوريا في القرن الحادي عشر الميلادي إذ قال: "لما قربت صلاة الجمعة ذهبنا إلى خارج البلدة إلى الجامع الذي دُفن فيه الصحابي الجليل سيدي خالد بن الوليد رضي الله عنه لأجل صلاة الجمعة فيه مع الأخوان، فمررنا في الطريق على الوادي المسمى بالكثيب الأصفر عندهم يُقال إنه استشهد فيه ثلاثمائة رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأنا لهم الفاتحة ودعونا الله تعالى بما تيسر لنا من الدعاء". 

عبسة


ومن أعلام الصحابة الذين عاشوا في حمص ودُفنوا في ثراها (عمرو بن عبسة) رابع أربعة في الإسلام، ويقع ضريحه في سوق الحسبة تحت مبنى الأوقاف الإسلامية وتشير لوحة مثبتة على باب المسجد المعروف باسمه إلى أنه توفي عام 25 هجرية ذكر وفاته في حمص ابن حجر حيث قال: (مات بحمص وأظن ذلك كان في أواخر خلافة عثمان بن عفان لأنني لم أجد له ذكراً في الفتنة الأولى ولا في خلافة معاوية) وعندما زار العارف بالله عبد الغني النابلسي حمص عام 1105هـ – 1693 م ذكر قائلاً "مررنا في الطريق على مقام شريف فيه قبر منيف يُقال له عند الناس قبر باب عمرو ويزعمون أنه كان ساعي النبي صلى الله عليه وسلم فذكر لنا بعض الناس أنه قبر عمرو بن عبسة. وينتصب الضريح في الزاوية الغربية من الجامع وهو مشيد من الحجر البازلتي الأسود ومن أعلام التابعين الذين عاشوا في حمص ودُفنوا فيها (كعب الأحبار أبو إسحاق كعب بن ماتع) وهو من أقدم رواة الحديث، كان يهودياً فاعتنق الإسلام لُقب بكعب الأحبار لمعارفه الواسعة في التوراة ذكره ابن الهروي في كتابه (الإشارات إلى أماكن الزيارات) قائلاً: "وفي بلدة حمص قبر كعب الأحبار على الصحيح سُمي بذلك لكثرة علمه ومناقبه وحكمه وأحواله وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من صحابة أهل الشام: "كان على دين اليهود فأسلم وقدم المدينة ثم خرج للشام فسكن حمص ومات فيها سنة 32 للهجرة" وقبره في المسجد المعروف باسمه في حي باب الدريب.

 أبو إمامة
ومن الصحابة المتوفين في حمص ولا تُعرف قبورهم (صدي بن عجلان بن وهب الباهلي أبو إمامة) وهو صحابي كان مع علي في صفين سكن الشام وتوفي في حمص سنة 86 هـ وقيل 81 هـ وهو آخر من مات من الصحابة في الشام.

قاتل حمزة

وفي حمص عاش وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب الذي أسلم فيما بعد وهو وحشي بن حرب مولى بني نوفل شهد اليرموك ثم سكن حمص ومات فيها ويقع قبره في جامع السرو الذي يسمى أيضاً جامع وحشي وثوبان في حي باب الدريب وفيه أيضاً ضريح سفينة غلام الرسول (ص) وثوبان صحابي آخر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مولى الرسول (ص) ويُقال له مخبر الهاشمي ومن أهل السُراة – موضع بين مكة واليمن – سُبي فاشتراه الرسول (ص) نزل حمص وابتنى فيها داراً وتوفي بها سنة45 وقيل54. 

وهناك ضريح عبد الرحمن بن خالد بن الوليد الذي يقع بالقرب من ضريح والده وهو قائد شابه أباه في صفاته الحربية، قاد فرقة في اليرموك وهو في الثامنة عشرة من عمره وحارب مع معاوية في صفين والأناضول، كان أحد الشهود الذين وقعوا على شهادة الصلح بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما في نهاية موقعة صفين واشتُهر بالزعامة بين أهل الشام ولشهرته بينهم كان بعض شعرائهم يمدحه بالقصائد الخاصة مما أثار غيرة معاوية بن أبي سفيان كما جاء في كتاب (المنمق في أخبار قريش) لابن حبيب، ومات عبد الرحمن بن خالد بن الوليد مسموماً في حمص عام 666 ميلادية. 

خالد عواد الأحمد - زمان الوصل
(186)    هل أعجبتك المقالة (185)

Ayman Harb

2013-11-20

ثم أبتليت الشام بالخوارج يدنسون أضرحة الأطهار.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي