أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

التانجو الأخير لنورس البحر .... محمد عبده العباسي

امرأة جميلة ، تألقت في ليل هانئ فأشعلت الحرائق بين النساء ، مفاجأة لي أن أراها ، كنت كمن ينتظرها ...
بدت كنجمة جاءت من مجرة لها بعيدة مخبأة عن أي مدار ، آه كم أنا أهوي النساء الجميلات ، في الحفل طغت بدلالها ، بدت أسطورة حارت دونها العقول ، ولغزاً غيّر الأفهام ..
وسط هالات من البياض الشاهق أضاء ت، اليوم عرس ابنتها ، لم أكن مدعواً من قبلها ، ثمة دعوة من صديق ، ولما كنت بلا ارتباطات في هذا اليوم علي غير العادة فقد قبلت وأنا أمني نفسي بسهرة سعيدة ..
كل الوجوه لمرآها تهللت بشراً وتلقفتها بين الحدقات برقة ورفق كطائر جاء من أصقاع بعيدة باردة ويحتاج للحنان وللدفء ..
ساحرة كانت ، سرقت الأضواء وسحرت الألباب ـ أنا مثل الآخرين بالطبع سلبتني كل مواقع الراحة وألقت بي بين جمر متقد ولظي ملتهب ..
أنوثة تمضي بكل ثقة وكامل الأناقة مع ألق زائد يتجلي عند محياها ، فستانها بدلته عدة مرات مثل العروس، تمضي علي المسرح تداعب العروس تارة ، تربت علي ظهر العريس تارة أخري ، تلهو في بعض الأحيان كطفلة تبحث عن صغيريماثلها في العمر ، من حولها تجمعت نساء كالوصيفات نجيمات من حول قمر زاهٍ ، قطيع من غزلان رشيقات تحلقن حول بئر ماء صافٍ وجدنه وسط مفازة ..
كل واحدة منهن كانت شهاباً لامعاً تحت وهج متألق من أضواء ساطعة نثرت برقعها علي المكان فزادته حسناً ..
الفتنة زادت كلهب اتقد علي وجوه ناعمة مرسومة بخيوط متفردة من ذهب وزبرجد ، زادتها مساحيق التجميل رونقاً وجمالاً ..
النسوة في الحفل أخفين نظراتهن الباحثة عن سر تمتع تلك المرأة بنضارتها رغم السنوات الخمسين ، قالت امرأة تماثلها في العمر :
ـ لا أحد يجاريها في العدو بين الطاولات ، توزع القبلات وتتلقي الأحضان وعبارات المديح والإطراء كفتاة في العشرين ..
سيدة أخري سايرتها وهي تتحسر وتنعي حظها البائس ومالحق بجسدها من بدانة وترهل ..
تقاسمتا معاً التنهدات والتأفف ، انبرت واحدة أخري تلوك قطعة من العلك تهمس بعبارات مبهمة في معانيها لا تعرفها إلا النسوة ، وأخرجت مرآة من حقيبتها وراحت تتحسس ملامحها المتغضنة وتمسح تحت جفنيها أثر إرهاق لحق بهما ..
انفرجت الأسارير فجأة حين داهمهم قمر دري سقط من علٍ وترك مداره البعيد ، من خلفه كانت النجيمات تلحق به تباعاً ..
بهت الجميع ، وقفوا علي أطراف أصابعهم ينتظرون اللحظة ..
هلت من بين كواليس القاعة العروس كغزال شرد عن القطيع لتتناهبها الأعين ،وجه مشرب بلون الحليب ..
فرضت ابتسامتها الرائعة مجالاً خصباً سحب البساط من تحت الأقدام وخلا لها الجو وحدها وصادر في ديكتاتورية جامحة كل الأحلام ..
انزوت الأم كنجم تضاءل شعاعه ، مع بعض من صويحباتها يرفلن في حلل موشاة بالذهب تبدي أكثر مما تخفي من مفاتن ..
خطت العروس كأنها تخطو فوق بساط سحري طار بها بين الآفاق ، وحطت وسط الجميع تبادلهم عبارات الترحيب والتهنئة ، تطاردها النظرات وتلاحقها العبارات أينما حلت.
أيقظني من شبه سبات قول امرأة جميلة تبدو في منتصف العمر وهي تهمس في أذن جارتها الأكثر فتنة :
ـ تلك الجميلة مطلقة ..
قست عمرها بخبرة رجل تعدي الخمسين من عمره ، كدت أهوي من حالق وأنا تنتابني شهقة ويكاد أن يزل لساني مؤكداً أنها مازالت في العشرين ..
جاء صديقي زوج أختها والسيدة معه ، مد يداً شد بها علي ذراعي شاكراً تلبيتي الدعوة ، بحفاوة بالغة قدمها لي :
ـ السيدة نورا ..
أثلجت صدري بحروف اسمها ، خفق قلبي وسقط كقلب مراهق صغير من موقعه ، تفرست ملامحها ملياً وهي تلقي بكفها الصغير في قبضتي كعصفور يبحث عن عش دافئ ..
انسحبت تجرجر ثوبها وعطرها المنساب من أردانها يلقي بعبقه علي المكان سحابة من عبير تدفق ، وهي تنظر لي بلحظها الفتان .
الراقصة انتابتها حمي الالتواء بشكل مثير ، دعت السيدة لمشاركتها الرقص ، لبت الدعوة علي الفور، قدمت فاصلاً رائعاً كان يكفي لأن يلغي هوية الراقصة ويجعلها تندم علي تهورها لتوجيه الدعوة لها بعد أن أعطتها درساً خاصاً في روعة الأداء ..
علي أنغام شرقية ارتفع أوار الرقص ، اختلط الحابل بالنابل ، التهبت الأكف تصفق ، زحفت نساء أخريات للمشاركة ، وامتد " الماراثون " لوقت قياسي ..
أطل مطرب تافه من تحت الأضواء ووسط حسد الأجساد الناعمة يقلد غناء الآخرين ، انشغل الناس عنه لرداءة صوته ولكلماته المبتذلة.
كنت أراقبها عن بعد وهي تختلس النظرات إليّ ، عادت لتجلس علي مقربة مني وتشعل سيجارة راحت تطلق دخانها يتصاعد لأعلي في دوائر زرقاء تلهو خلف بعضها ..
جففت عرقاً تفصد مدراراً علي جبينها ، شلال ماء انبجس فوق أديم أرض خصبة ، ثمة نسمات هبت من صوب المتوسط الهادئ الذي سكنت أمواجه بعد طول اصطخاب ..
أرخبيل من النساء الجميلات زادت أعدادهن وهن يؤدين مع الأزواج رقصة " التانجو " ورحت أرقب المشهد خجلاً من عدم اصطحابي لزوجتي ..
* * *
قاربها الصغير اقتحم خلو مرفأي من أي سفينة ، لم يستعن بنور الفنار ، دعتني للرقص ، العروس رحبت بي :
ـ عمو عدنان ..
نورا أوت بيد إلي قبضتي ، وحاصرتني بالأخري ،لم أجد سبيلاً لرفع الحصار سوي أن أطوق خصرها كمصارع فقد هويته ليضمها بقوة ، بذلت بعدها جهداً لتنجو فلم تفلح ..
نامت يدها ناعمة فوق كتفي معلنة الاستسلام ، عبثت في قلم بجيبي العلوي ، ثم أراحت رأسها وتصنعت النوم في دلال آسر ..
وددت لو أطلق صفيراً أحذر به السفن العتيدة التي أنهكتها الرياح وأتعبتها الأمواج بأن تظل خارج المرفأ ، أو أرفع لافتة تعلن أن المرفأ مغلق هذا اليوم لأسباب لم يعلن عنها بعد ..
دمية صغيرة بين يدي ألهو بها أو هي التي تلهو بي !!
سألت نفسي هامساً ولكنها ألقت بي في أتون مشتعل :
ـ اتمني لو أقترن برجل مثلك ..
عدت أقول لنفسي :
ـ ما العمل ، لقد نصبت المرأة شباكها ببراعة واتقان ..
رحت انظر في عينيها وهي ترقص في براعة وأردد أن لا مناص أمامي سوي أن أحتويها لئلا تكشف مدي فشلي في الرقص :
ـ سأعلمك الرقص علي أن تعلمني .........
ونظرت لي من بين جفون بان سهادها ، قلت لها :
ـ أعلمك ماذا ؟
قالت بصوت يفح كفحيح أفعي :
ـ الشعر ، ما أجمل أن ينطق المرء بالشعر ، وما أجمل أن يكتبه ..
* * *
كانت الموسيقي تنساب خريراً مثل خرير الماء ، تتسلل كي تملأ ما بين الفراغ والبحر ، والبحر يجرجرنا بخيوط سحرية نحوه دون أدني مقاومة منا ، أصابعها الجميلة تسللت تفك رباط العنق ، لمست بسبابتها شفتي السفلي ، كمن تناغي طفلاً قالت:
ـ لماذا كل هذا الصمت منك؟
ترقرقت كلماتها كالعسل المصفي :
ـ أنا أملك كل دواوينك !!
عجبت لها ، وسرنا كعاشقين صغيرين ، نورس أسلسلت قياده فراشة ، الفراشة تدندن بأبيات من الشعر لم أسمع بها من قبل لعذوبة الصوت ..
امتدت خطانا حتي بلغنا كثباناً من الرمل تنساب متدرجة ، والليل يلف المكان بسكونه وهدوئه ، وعلي مبعدة تأتي أصوات من الحفل وهي تبارح أماكنها ، والبحر الممتد طريحاً في فراشه يغالب النوم يغالبه النوء ، والفراشة في خطي مهلي تراقص النورس بعيداً ..
ــــــــــــــــــــ

بور سعيد - مصر
(42)    هل أعجبتك المقالة (37)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي