أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

زمن الرجال الكبار

ميخائيل سعد | 2013-09-03 00:00:00
ميخائيل سعد
  "خيمة الفضائح"
في زمن أضحى الانتماء فيه إلى أي فكرة كبرى سلوكا عواقبه غير محمودة، أو هو، في أحسن الأحوال، ضرب من الخيال الرومانسي، في هذا الزمن الذي وصفه أحدهم بزمن الرجال الصغار والأهداف الصغيرة، يصر صديقي على لعب دور "دونكيشوت" في مسرحية، انفض عنها الناس، فهو لا يرضى بديلا عن انتمائه لأمة عربية واحدة موحدة، رغم التفتت الذي يعيشه كل فرد فيها.

تجاوز في غربته الطويلة شتى أنواع الإغراءات، وخرج منتصرا، أولها رفضه الزواج من حسناء شقراء الشعر، خضراء العينين، هامت بسمرته الصحراوية وفروسيته طوال أعوام الدراسة، قامعا رغباته الجياشة التي غزت خلايا دماغه مع أول كتاب قرأه عن الغرب، وأول فيلم سينمائي شاهده في طفولته.

ولم تكن آخر الإغراءات عروض العمل التي قد تضعه تحت الأضواء، حاصدا المال والجاه مقابل الإعلان عن فك ارتباطه مع أمة ربط مصيره بمصيرها. كان يقول: إن حصني الأخير هو اللغة العربية، ومحافظتي عليها يعادل حرصي على حياتي. ويكرر في جلساته: إن الوقت الذي سينكر فيه ظاهرا أو باطنا، اعتزازه بانتمائه إلى تلك الأمة، غير موجود في حساباته.

تحمل، بسبب مواقفه، المر والحامض. امتص سخرية أبناء وطنه قبل سخرية الغربيين، الذين كانوا يرون فيه فارسا يريد أن يجتاز الفضاء على صهوة حصان عجوز. ثابر على عناده، واحترمه الآخرون ضمنا على ذلك. تزوج عربية سمراء، وأنجب أبناء يحملون أسماء قبيلته المتطاولة الجذور في التاريخ. حاول، بعد أن أنهى دراسته في الغرب، الالتصاق بوطنه، فحاصره عصر الأسد الأب ورجاله الجامعيين، ما أجبره على الهجرة إلى كندا.

كان، ككل الآباء الشرقيين، يرى نفسه ومستقبله في أولاده، الذين عليهم ستقع مسؤولية تحمل شجرة العائلة والمحافظة على نموها، وكانوا طوع يمينه ويسراه ولسانه العربي الفصيح، إلى أن جاء الوقت حاملا سيف الانفصال الإجباري، فالأولاد عليهم الذهاب إلى المدرسة.

بعد مضي ثلاثة أعوام على إقامته في مونتريال، كانت الهجرة التي فشلت في النيل منه طوال عشر سنوات، قد وجدت ضالتها في أولاده، أو لنقل: وجد الأطفال أنفسهم فيها، فقد تغير مزاجهم، وأنواع الطعام الذي يفضلون، ونبرة أصواتهم. وبدأ الأب يلاحظ تراجع لغتهم العربية أمام زحف اللغة الفرنسية، لغة الحياة اليومية، ولغة الأحلام أيضا. حاول التصدي لهذا الهجوم، والالتفاف عليه، فرسم الخطط لتطوير لغتهم العربية، وهيأ لهم مناخا مهجريا عربيا، وأصر على الكلام بالعربية داخل البيت، ودعم هجومه المضاد بتلقينهم أصول الدين، متحاشيا قدر الإمكان إدخالهم في أنفاق مظلمة، كي لا يحدث في حياتهم النفسية صراعا مرضيا قد يطبع حياتهم المستقبلية. ونام على وسادة من أوهام المهاجرين.

مر زمن الهجرة سريعا، كنا نلتقي عندما يتاح لنا الوقت. وذات يوم كنا نتسامر عن الحياة، شؤونها وشجونها في عالم الهجرة ومحاسن الوطن الذي لا نستطيع، أو لا نرغب، في العودة اليه لألف سبب وسبب، فجأة قالت زوجة هذا الصديق: هل لاحظتم شيئا خاصا عند ولديكما عندما يتكلمان العربية؟ هل لاحظتم أنهما عندما يعبران عن عن انزعاجيهما أو فرحهما أو رفضهما لأمر ما، أنهما يستخدمان مفردات طفل صغير، ويقومان بحركات ابن ثلاث سنوات؟
كان سؤال السيدة ملفتا للانتباه والتفكير، وقالت شارحة: إننا نلمس هذه الظاهرة عند أولادنا عندما يتكلمون العربية، بينما يختلف الأمر تماما عندما يستخدمون الفرنسية للتعبير عن نفس المواقف، فهم هنا ناضجون، يعرفون ما يريدون قوله. فكيف تفسرون هذه الظاهرة؟
في السنوات التي سبقت والتي تلت هذا الحوار، ساهم العديد من المهاجرين في النقاش دون الوصول إلى رأي محدد، فهناك من حمّل المسؤولية للبيت وهناك من حملها لغياب المؤسسات الجالوية الفاعلة التي كان وجودها، ربما يقدم مناخات عربية تساعد الطفل على النمو اللغوي المناسب لنمو عقله ومعارفه في اللغة الفرنسية أو الإنكليزية، وربما تكون حاضرة وفاعلة عندما تتعرض الأوطان الأم إلى أزمة أو أزمات، نكون نحن بأمس الحاجة فيها إلى عون المجتمعات الغربية للتعاطف معنا والضغط على حكوماتها، كما يحدث الآن في الثورة السورية، عقب استخدام النظام لكل أنواع الأسلحة بما فيها الكيماوية المحرمة دولية، ولكن نكتشف للأسف، تقصيرنا كجالية أو جاليات فاعلة عند الحاجة فقط، وبعد أن يكون الوقت قد مضى.

هذا المقال لم أكتبه الآن، لقد استغرقت كتابته حوالى 23 عاما، كنت أعتقد خلالها، أننا أصبحنا جميعا رجالا صغارا، فقد مسخت قاماتنا الحكومات الاستبدادية أولا، والهجرة ثانية، وبدا أن همنا انحصر في الجري وراء الرفاهية الصغيرة التافهة، إلى أن قامت الثورة السورية فأعادت تجميع أشلائنا بسرعة كبيرة، فمنا من غادر فورا إلى سوريا، وخاصة من كان في عمر الشباب، ومنا من اقتصر عمله على جمع التبرعات والقيام بنشاطات داعمة للثورة. وكان صديقي الأسمر البدوي، الحالم بأمة عربية حاضرا في كل المواقف، كان يتألق شبابا في الوقت الذي كان العمر يأكلنا، سألته مرة: ما السر في شبوبيتك هذه، أهي امرأة جديدة، قال: نعم يا صديقي إنها الثورة السورية التي حلمنا بها دهرا وإذا بها بين يدينا، ولا أريدها أن تسرق منا. هل تذكر نقاشاتنا عن الأولاد واللغة العربية؟ قلت له: أنا من يذكر ذلك فقد عانينا جميعا منها وحرقت الهجرة أصابعنا. قال لقد سرقت الهجرة منا أولادنا وأعمارنا، وسأعمل على أن لا تتكرر هذه المأساة مع آخرين من أبناء وطني، وغاب.

بعد عدة أشهر تصلني رسالة إلكترونية من صديقي يقول لي فيها إنه في سوريا، وإنه سعيد بما يقوم به، وأن الأمور صعبة ولكن هناك دائما وسائل للتغلب على هذه الصعوبات، وتحقيق أهداف صغيرة.
كنت سعيدا كمن وجد كنزا، وآمنت أننا في زمن الرجال الكبار، فشكرا لثورة جعلتنا نعيد الاعتبار إلى ذواتنا. وشكرا لمن استطاع أن يجسد أقواله أفعالا.
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
دي ماريا يقود سان جيرمان لتعزيز صدارته بفوز كبير على نيس      النفط يغلق منخفضا بفعل مخاوف بشأن اقتصاد الصين      هاميلتون يؤكد لجمهوره أنه لم يستسلم      جونسون: بريطانيا ستنسحب من الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر إذا رفض البرلمان الاتفاق      "قسد"..مقتل 13 عسكريا في أول أيام وقف إطلاق النار      عَشِقَتْهُ ميتاً... مزن مرشد*      القبض على أحد مشجعي نابولي المتعصبين لقتله أحد مشجعي إنتر      وفاة ثاني ضحية بعد هجوم بسكين على ملجأ للاجئين بالنمسا