أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

ومن الصمت ماقتل... د. عبدالعزيز ديوب

بداية لابد من العودة قليلا إلى التاريخ القريب وذلك بعيد استقلال سوريا وقد استهل بإقامة جمهورية ديمقراطية تعددية لعبت فيها الأحزاب السياسية دورا هاما في الحياة البرلمانية.

لم يغفل الشعب السوري تشييد جمهوريته الحديثة بجيش قوي لحمايته من أي اعتداء مرتقب, فقد كانت النساء السوريات يتبرعن بحليهن لشراء السلاح لجيشهم الناشىء, وفي العام 1948 استفاقت سوريا على وقع طبول الحرب في فلسطين فهب السوريون لنجدة إخوتهم من خلال تطوعهم في ماسمي بجيش الإنقاذ. 

أجهضت الحياة البرلمانية بانقلاب عسكري قام به الزعيم حسني الزعيم وبه بدأت سلسلة من الانقلابات العسكرية وليس آخرها كان الانقلاب العسكري على العقيد أديب الشيشكلي لتعود الحياة الديمقراطية إلى سوريا من جديد وذلك في العام 1954 حيث انتهت مرة أخرى بدخول سوريا في وحدة اندماجية مع مصر مع موافقتها على حل الأحزاب السياسية تنفيذا للشرط الوحيد الذي وضعه عبدالناصر وجاءت نتائجه سلبية على استمرار الوحدة نظرا لانعدام الحياة الديمقراطية حيث حل محلها نظام أمني أدى إلى حدوث انقلاب عسكري بعد عامين ونيف أعقبته محاولات خجولة لإقامة حياة برلمانية, لكن انقلابا عسكريا أعلن عنه في آذار 1963 قام به ضباط ناصريون وبعثيون جب ماقبله من أحلام الشعب في إقامة حياة سياسية تعتمد النهج الديمقراطي.

بالرغم من تلك التذبذبات في الخط البياني للحياة السياسية في سوريا، إلا أنه كان هناك هامش من الحرية وخاصة في الإعلام حيث بلغت أعداد الصحف والمجلات بالمئات، كما أن لبنان كان النافذة الاحتياطية للمثقفين والساسة السوريين للجوء حين تلوث المناخ الديمقراطي نتيجة الانقلابات العسكرية. وتجدر الإشارة إلى أن سوريا لم تشهد قبل عام 1963 حالات دموية من إعدامات وغيرها باستثناء ماحدث خلال زمن الوحدة والدور القمعي التي مارسته أجهزة الاستخبارات العسكرية, تلك التي أعقبت انقلاب آذار 1963 حيث لاحت بوادر ثقافة مختلفة في العلاقات السياسية كالإقصاء بالعنف, فقد جرى تسريح مئات الضباط واعتقال كافة السياسين وتهجير أغلبهم قسريا وكان منهم من شارك في الكتلة الوطنية خلال مرحلة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي وأغبهم ساهم في بناء الدولة الديمقراطية، ومنهم مؤسسو حزب البعث العربي الاشتراكي الثلاثة وغيرهم من كبار الأدباء والشعراء حيث سادت الإجراءات الأمنية وتغلبت سيطرة العسكرتاريا متمثلة في اللجنة العسكرية البعثية بعد التخلص من الضباط الناصريين وانفرادها في حكم سوريا تحت عباءة البعث.

سبع سنوات من سيطرة اللجنة العسكرية بكل مافيها من قسوة وتجويف للحياة السياسية، إضافة إلى إخضاع الشعب لقبول واستيعاب حالة الطوارىء كقدر لابد منه بذريعة النضال ضد الاستعمار والامبريالية العالمية والتصدي للعدو الصهيوني رافقته حالة اقتصادية متردية عانى منها كثيرا، إضافة إلى التصفيات الدموية فيما بين أفرادها والتي أدت إلى استيلاء حافظ الأسد على السلطة بعد زجه لكافة رفاقه في الحزب والجيش في السجون حتى الموت وبدئه مسلسلا من الخداع والتضليل بالتوازي مع تخويف وتجويع أدى إلى إضفاء حالة من الرهاب عند السوريين.

جاءت تلك السنوات السبع العجاف بمثابة قصف تمهيدي ساعد الأسد على ربح معركته مع الشعب الذي كان على وشك الاستسلام أمام تلك الحرب الضروس التي ساهمت بتصحّر البيئة السياسية في المجتمع وانتقاله إلى الاستسلام والخنوع واتباع سلوك سلبي في الحياة الاجتماعية وقد شابها الكثير من النفاق وخاصة بعد الحملة الشرسة على حماة ومحافظات أخرى والتي بدورها كرست تلك الثقافة التي اعتمدت عبادة الفرد منهجا ومعيارا للوطنية واستمرار الحق في الحياة وكأنها عبودية من نوع خاص.

سادت خلال تلك المرحلة حالة مرعبة من الصمت, فالكل يرى الظلم والقمع ويصمت، والفساد وقد تفشى في كل مكان, بداية من مدارس التعليم الأساسي وصولا إلى القصر الجمهوري، ويصمت بل يشارك فيه بالرشوة أو التراشي حيث يقف ذليلا راشيا أمام كل من شرطي المرور والموطف الحكومي والقاضي والمحافظ والوزير ورئيس الوزراء ومدير مكتب رئيس الجمهورية, يعتقل ابنه دون أي سبب قانوني وربما بسبب كلمة أو همسة قد تنافي عبادة القائد فيصمت حتى أنه محال عليه السؤال عنه، والا اعتبر شريكا في الجريمة, ويقف في المطار أو الحدود البرية والبحرية أمام واحد من أفراد الأمن مطأطئا ويده ممتدة في جيبه لدفع المعلوم وفي بعض الحالات يتوجب عليه إعطاؤه شيئا ما في حقيبته ربما جلبه هدية لعزيز وربما في هذه الحالة لايصمت بل يفتح فاه شاكرا, وربما عاد إلى الوطن لتسديد ما جناه خلال غربة متخمة بالشقاء والمذلة فدية للخدمة العسكرية التي لاتمت للوطن بصلة, يسدد صامتا مقهورا, وخلال العودة إلى المغترب ترتفع دقات قلبه ونبضاته وهو في مطار الرعب خوفا من إلقاء القبض عليه لأكثر من سبب متوقع. 

أصبح الصمت كوسيلة من وسائل حب البقاء في سوريا سيد الموقف وخلافا لذلك على من لايتقيد بهذه السيادة الاستعداد لتلقي الكارثة وعلى سبيل المثال فقد كان مصير أحد أعضاء مجلس الشعب السجن لسنوات فقط لأنه تمرد على هذه القاعدة وتساءل عن أحقية ابن خال الرئيس مخلوف بالاستيلاء عى شركة الاتصالات الخليوية, وكان على رئيس الوزراء السابق الزعبي دفع حياته ثمنا لكلمات تلفظ بها خلال اجتماع للقيادة القطرية لحزب البعث وهو عضوٌ فيها, وكذلك وزير الداخلية الأسبق غازي كنعان.

استمر الصمت مهيمنا على الحياة السورية حتى بداية الثورة في العام 2011 حيث اخترقه بعض السوريين وليسوا جميعا ومازال حتى اليوم ملازما للخوف عند العديدين من أبناء الشعب الذين مازالو تحت سيطرة الرهاب من السلطة الحاكمة, وقد شاهدوا أو سمعوا ماحدث مع القاشوش منشد الثورة وكيف اقتلعت حنجرته.

إن الهدف من هذه المقالة ليس توصيف الحالة السورية خلال مراحل زمنية متعددة بل الأخذ بعين الاعتبار الدروس المستفادة من هذه الحالة والتي تبوّأ الصمت فيها مكانة أساسية, مع الأخذ بعين الاعتبار بأن هذا النظام المافيوي ساقط لامحالة وبأن الهدف المنشود للثورة هو بناء دولة ديمقراطية تعددية يتلاشى فيها الصمت سلوكا وثقافة ووسيلة, كما يتوخى في الدولة المبتغاة علو الصوت وارتفاع حدته لمجابهة الخطأ أينما كان وممن أتى ولنا في أسلافنا كعمر ابن الخطاب الخليفة الراشدي أسوة حسنة عندما قال له أعرابي: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا هذه, وقد شهر السيف بوجهه رغم أنه اشتهر بعدله, والجلسة الأخيرة لمجلس العموم البريطاني كانت معبرة في أدائها من حيث وقوف ممثلي الشعب بوجه المسؤول الحكومي الأول وثنيه عن قراره بسيف الكلمة. 

مساهمة لـــ"زمان الوصل"
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي