أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

من أشاع ان الجدران لاتحزن ... امل عريضة


من الذي أقنعنا أنه ليس للحجر روح، فتركنا بيوتنا تثرثر دون أن نصغي إليها؟! هاهي داري تضج بالأرواح وتفور بالحكايات الشائقة.. أي ترف أفاضت علينا به دهاليزها ومخابئها الكثيرة حين لعبنا لعبة الغميضة! وأي متعة وهبتنا أبوابها المفتوحة على أكثر من شارع، فنهرب من حارة لتتلقفنا أخرى! حتى ونحن كبار بقينا نتندّر من ضيف يضيع في متاهاتها قبل أن يجد له مدخلاً أو مخرجا!
وفي الأعياد، كيف جمّعت كل أطفال الحي والأقارب في باحتها واحتملت ضجيجهم الصاخب؟! هذا يعدّ نقود العيدية، وذاك يختبر لعبة اشتراها للتو، وآخر يفرقع ألعابه النارية.. قد يغيبون ساعة أو أقل ثم يعودون إليها.. جيلاً بعد جيل حافظت هذه الدار على سحرها وجاذبيتها فتتألق مرتدية قلائد من صور الأطفال السعداء، وتكبر وهي تستقبل الناس وتلمهم من كل مذهب وملة واتجاه حول ولائمها العامرة دوماً، كم أجادتْ الإصغاء إلى شكاويهم واختلافاتهم، وشاركتْ في حلها! هذه الدار هي روح أبي الذي التزم مساعدة الناس حسب استطاعته، وهي بعدُ روح أمي ودموعها التي كانت تنهمر إشفاقاً وتشفع للناس عنده بحل أكيد..
كانت خير حضن لأخوتي وأولادهم وأصدقائهم.. كلما زاد عدد أفراد العائلة، مدت ذراعيها بمزيد من الغرف والمتاهات الجديدة.. خمس عشرة غرفة كانت مباحة للعبنا وشقاوتنا وفضولنا.. في وسطها باحة تزهو بشجرة ليمون فريدة في مذاقها ونكهتها ورائحتها التي تملأ الحارة في موسم الإزهار عبقاً وشذى.. خلفها جنينة تدعونا في غفلة من الأهل لملاحقة القنافذ والسلاحف والقطط.. كم مرة نزلت من شباك غرفتي على أغصان شجرة الرمان الملاصقة ثم تسلقت شجرة التوت الكبيرة واختبات فيها مع رواية أو ديوان شعر متهربة من أعمال المنزل!
هرمت الدار، وغادرها من غادر، ولم تتجعد روحها.. ظل الكثيرون يحكون عن جمالها رغم توقف عمليات التجديد والإصلاح والترميم.. كانت تحمل روح مدينة صغيرة.. مدينة حية وغنية بناسها وشجرها وذكرياتها..

حين مررت البارحة بدارنا التي هجرناها منذ ثلاثة أشهر بسبب القصف، هالني منظرها المهمَل.. كانت أوراق شجرة الليمون اليابسة تملأ أرض الدار، وكان الغبار يغطي كل شيء.. تأملت الشق الذي أحدثه القصف في جدار غرفتي، وأخذت بعض أشيائي بسرعة حتى لاأسقط في براثن الشوق والتذكر المحموم..
اليوم سمعت أن قذيفة ميغ أوقعت الجدار الذي تتكئ عليه الليمونة، لكن الشجرة العظيمة بقيت صامدة.. حاولت ألاّ أفكر في حجارة داري احتراماً للشهداء والمصابين ومراعاة لحزن أهاليهم وقلقهم.. ثم قرأت أنّ الدار انكفأت على وجهها وخبأته في التراب.. في اللحظة ذاتها سمعت أن عدد شهداء مدينتي في هذا اليوم بلغ الخمسين.. أطفأت اللابتوب وأجهشت بالبكاء.. وبين النوم واليقظة هطلت الصور والذكريات عليّ بغزارة مؤلمة، وتهاوت الجدران فوق رأسي.. من قال ليس للحجارة قلب؟! من أشاع أنّ الجدران لاتحزن؟!

زمان الوصل
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي