أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

ألم وأمل: كيماوي الغوطة والثورة السورية

في خضم الأفكار والتحليلات عن الضربة الكيماوية الجبانة وما تبعها من ردود أفعال تراوحت بين الباردة والفاترة يستشعر السوريون قسوة المشهد وعظم المصيبة ويكاد الألم الهائل الذي هز كيان الإنسان في صميم وجوده يفتك بهم. 

ولكأن الألم الناتج عن القتل تعذيباً وتقطيعاّ وتشويهاً وحرقاً لأهلنا وأطفالنا لم يكن كافياً لتجفيف كل ما يملك هذا الشعب العظيم من صبر ودموع حتى يأتي القتلة بأساليب أكثر وحشية لتملأ المخيال السوري بصور أطفالهم أطفال الغوطة وهم يسجون بلا حراك تعلوهم مسحة الموت الحزينة... ولكأن الأمهات والآباء لم يكتفوا بما مر عليهم من أهوال حتى يرتكب الوحش المجزرة فيروا الأب الذي يهز ابنتيه وهو يحاول رفع الموت الذي زحف إليهما أثناء النوم في غفلة منه.

لقد تجاوز المشهد حدود التصور والتحمل ودخل في مراحل التغيير الشامل للبنية النفسية والإنسانية في سوريا...تغيير لا رجوع منه. وفي ذروة الألم يبدو الحديث عن النصر والصمود حديثا سورياليا في غير محله.

فمن نحن حتى نتحدث عن الصمود والنصر في حضرة الموت الرهيب...ومن يتجرأ على التلفظ بألفاظ المعركة والصبر في اللحظة التي "يستشيط" فيها الكيماوي ملتهما أجساد أطفالنا.

إن من تجرأ على ذلك هم أهل المصاب أنفسهم، هم أهل الغوطة وأهل سوريا وسوريا كلها تكتوي اليوم بجرح كيماوي الغوطة...وفي حين أقعد الألم كثيرا منا حتى عن التفكير ألم نجد رجالاً ونساء صدقوا ما عاهدو الله عليه فوقفوا في قلب الموت الكيماوي ليضخو الهواء في صدور المصابين يساعدون ويعالجون ويحملون الجرحى والشهداء ويسجون أطفالهم وأطفال الشهداء الآخرين بدعة وصبر أسطوريين. 

هؤلاء هم أول أسباب النصر فإلى جانب من يرابط بسلاحه البسيط على الجبهات المختلفة ومن يحمل له الطعام النادر ومن يضمد له جراحه ويحمله إلى مثواه الأخير هم أهم أسباب النصر.

نعم أقول وفي حضرة الموت الذي لم يختاره أطفال الغوطة بأن النصر لا بد آت وبأننا لا نعول إلا على ربنا وعلى السواعد التي تأبي أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء مهما ادلهم ليل سوريا.

لم يختر هذا الشعب هذا المسار ولم يفكر للحظة بأن ثمة نوعا من القتلة يستطيع نشر الموت والدمار لمجرد الاختلاف في مكان الميلاد أو الخانة أو المذهب أو الدين..لم يعلموا بأن هناك من يستطيع أن يتحدث عن الوطنية ولكنه يُعمل القتل والتعذيب بمئات الآلاف من أبناء الوطن.

وعلى الرغم من المؤشرات المختلفة على الانحدار نحو بيع الوطن لمن يحمل ذات الايديولوجية المذهبية الضبابية لم يكن هذا الشعب يتوقع أن يصبح هدفاً لأسلحة ذلك الحليف السمج ولقناصيه ولأجهزته القاتلة.

لم يكن يدور بخلد أكثر السوريين تشاؤماً بأن ذلك الصبي الأرعن ذا الرقبة الطويلة يحمل من الحقد هذا الكم الهائل تجاه من تجرأ أن يختلف معه في حقه الأبدي في الحكم وفي ادارة المزرعة التي ورثها عن أبيه.

دافع السوريون عن أنفسهم وعن أبنائهم وعن كرامتهم وعرضهم لم يكن بإمكانهم الرضوخ للموت الذي يساقون إليه تحت حوافر القاتل. أفإن زاد القاتل وحشيةً تذعن الضحية وترضى بالموت الصامت...لم ترض سوريا أن تكون تلك الضحية... لم يستطع السوري الطبيعي أن يشيح بوجهه عن مقتل السوري الآخر برصاص الجيش والأمن في مظاهرات سلمية مفعمة بالحيوية والرقي.

هذا كان مبدأ الحكاية الذي لا بد من تذكره عند كل مقاربة للشأن السوري العام شأن الثورة والمعارضة والمواطنة القادمة...ولن تكون نهايتها في كيماوي الغوطة.

يوقن أهل سوريا فعلاً بالنصر رغم كل هذا القتل الأسود وهذه حقيقة راسخة لا يخترعها أو ييفبركها أي محترف للسياسة.

وصحيح أن الشعب السوري متعب جداً لكن لا مجال لمقارنة المتعب في معركته مع الباطل بتقبل الباطل أو الاستسلام له. 

يوقن أهل سوريا بالنصر لأنهم يؤمنون بهذا النصر إيماناً عقيدياً كإيمانهم بربهم وبوطنهم وبأنفسهم.
يوقن الشعب السوري بالنصر لأنه قارىء جيد بل وممارس جيد للتاريخ الذي خبره وأدمنه. ألم تمر هذه الأمة بمسارات مماثلة في القهر والدم والألم في تاريخها الطويل الممتد لسبعة آلاف عام من الحضارات والحروب المتعاقبة.

نعم مرت سوريا بكل ذلك وامتصت الألم الكبير الناتج عن وقائع القتل والدم.. الصليبيون كانوا هنا بل ومكثوا على هذه الأرض لأكثر من مئة عام رافعين أسس دويلاتهم على جثامين شهدائنا.

وفي مشهد نادر لا يزيده بشاعة إلا تصرفات النظام العفن في حربه على السوريين دخل الصليبيون في حملتهم الثانية على أهل المعرة الذين قاوموا واستبسلوا فقتلوهم شر قتلة بعد أن أعطوهم الأمان ولم يكتفوا بذلك وانما أكلوا شهداءنا وشوو الأطفال منهم.

لم يكن الجوع دافعهم الأساسي وانما الرغبة العارمة في قضم لحم المســلمين...نعم قضم لحوم المسلمين في طقوس ألفتها جماعات متعصبة يقال لها "الطفور". 

إلى هذا الحد يمكن أن يصل التعصب الأعمى بالإنسان...يصل إلى قتل وأكل مغايره في الدين أو الفكر.
ويبدو أن الحديث عن الغزو الصليبي هو الأقرب للحالة السورية الآنية ليس لأن تلك الغزوات مع مثيلتها التتارية والمغولية هي الأكثر بشاعة في تاريخ المنطقة فحسب، بل لأن الخيال السوري يربط بين هؤلاء الغزاة وبين من يحمي القاتل اليوم.

ولكن هل تكفي قراءة التاريخ للتنبؤ بالنصر ولرسم مساراته ومسارات ما بعد الوصول اليه؟ وهل من المؤونة السياسية ما نستطيع به جلب النص والاستمرار فيه ...جميعنا يعرف الجواب على هذا السؤال بأننا لا نمتلك فعلاً الا القليل القليل من تلك الأسباب وبأن بعضنا يصر على دفن رؤوسهم في الرمال كالنعام في أصعب الأوقات التي تمر بها أمتنا بل ويصرون على تقديس العفوية وتقديس البدائية وأدوات ما قبل الدولة وما قبل المؤسسات لدى التعامل في الشأن العام... فإن لم نستطع أن نبتعد عن قوالب السنتين الأخيرتين فلن نخرج من ذلك النفق الطويل ولن نتقدم إلى الأمام بل وقد لا نتمكن حتى من رؤية النور في آخر النفق.

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي