أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

ثقافة الصناديق

ميخائيل سعد | 2013-05-21 00:00:00
ثقافة الصناديق

 
فضحت الثورة السورية كل الناس، داخل سوريا وخارجها، وخاصة شريحة المثقفين، فلو أُتيح لك، عزيزي المهاجر، وكل سوري الآن مهاجر أو مُهجَّر، الوقت والصبر اللازمين للتدقيق في خطاب غالبية (المثقفين العرب) الشفوي منه والمكتوب، في مناسبات مختلفة، فسوف تلتهمك الدهشة، كما يلتهم هو الكتب والدوريات، وأنت على حافة اكتشاف التناقض اللامعقول في خطاب هذا المثقف أو ذاك. 

اللامعقول ليس فقط في مضامين خطابه المتناقض حسب مقتضى الحال، وإنما أيضاً في التفاوت ما بين (أطنان) الكتب المرصوفة في ذاكرته، وبين سلوكه اليومي، ابتداء من اللحظة التي يفتح فيها عينيه وصولاً إلى ما قبل لحظة الأحلام، تلك الأحلام التي، ربما، تكون لحظة التطابق الحقيقية الوحيدة بين ما يعتقد ويمارس، في سيرورة حياة قد تصل إلى مئة عام. ولكي لا ينبثق (مثقف) مزدوج الولاء، في غبار المعارك التي نخوضها، شاهراً سيفه وترسه كي يعتقل الفواصل والنقاط، أهرول فاراً من أمامه، لتفصيل ما أوجزت، وبسط ما انطوى من حكم، قد يبدو قاسياً، قبل نشره على الحبال ظهيرة (يوم عرب).

إن معنى الثقافة والمثقف مرتبط بأذهان الغالبية العظمى من البشر في بلادنا بعدد الكتب التي يقرأها فلان من الناس، أو بعدد الشهادات التي ينالها علتان آخر، وخاصة إذا كانت شهادة جامعية. عندها يُدرج اسمه آلياً في قائمة (المثقفين) المعلقة في قاعات الأحزاب السياسية، أو على جدران الجمعيات الدينية، وفي المقاهي الشعبية الجهوية.

ويزداد حضور المثقف المشار إليه في أوساط الجماهير وقلوبها، كلما ازداد عدد الكتب التي قرأها، أو ذكر أسماء الكتاب والصحفيين والفنانين الذين يعرفهم معرفة شخصية. وقد يُنصب أميراً للثقافة إذا كان قادراً على الخوض في مواضيع شتى، مؤيداً أو ناقداً، عن جدارة وحق أو عن ادعاء وجهل. فالمثقف هنا يعني ذلك الشخص المتكلم، القادر على استظهار أبيات الشعر والحكم والأمثال، والآيات القرآنية، والأحاديث الشريفة، وأقوال السياسيين أو المفكرين الثوريين أو الزعماء الوطنيين. والاستشهاد بالحوادث التاريخية ومنحزات الشعوب الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحق تقريري المصير، كل ذلك دون أن يكلف نفسه عناء التوقف لحظة واحدة ليرى موقعه في وسط هذا الضجيج الثقافي. وهنا أسمح لنفسي بالاجتهاد والوصول إلى حكم مفاده، أن المعنى السائد لكلمة مثقف، قد يكون الامتداد التاريخي لمعنى الخطيب أو شاعر القبيلة، القادر على تطويع اللغة والقبض علي ناصية المفردة، ومن هنا، ربما جاء الوصف الذي يطلقه بعض الناس على المثقفين بأنهم فرسان الكلام.

أما المعنى الحقيقي للثقافة من حيث هي- صقل للذهن والذوق والسلوك وتنميته وتهذيبه- فهي غير موجودة، لا في الشارع العربي ولا في المهاجر. وكذلك أيضاً معنى المثقف، الذي يعني في أبسط معانيه الحقيقية أن يكون مبدعاً أو مبتكراً، أو متذوقاً للإبداع، قادراً على التمييز بين الإنتاج الرفيع والإنتاج الهابط، وذلك لا يمكن أن يتم دون أن تتحول الثقافة إلى سلوك يومي، وإلا سيبقى عقل هذا المثقف، بشكك عام، ومهما كان اتجاهه الفكري أو انتماؤه الديني أو الطبقي أو درجة الشهادة التي نالها أو نوع التحصيل العمل الذي حصل عليه، يشبه رفوف المكتبة التي تضم كل المعارف، ولكنها تبقى منفصلة عن بعضها، فعندما يكون الحديث عن الدين يفتح هذا المثقف الكتاب الديني المطلوب لاستخراج شاهده، وعندما يكون الموضوع هو الدولة المدنية يقوم بفعل الشيء نفسه، وعندما يكون الموضع عن تربية الأولاد يفتح موسوعة الأطفال المخزنة في عقله.

سأنهي حديثي مستشهداً وكاشفاً غطاء-صندوق ثقافي- يحوي بعض المفاهيم التي يسوق لها أحد -أعمدة الثقافة العربية في مونتريال- والذي يحب كثيراً ترداد كلمات التسامح والتضامن ووحدة الجالية والديمقراطية والحوار والحرية والانفتاح على الآخر والإصلاح، دون أن يقول له أحد: قف إلى أين أنت ذاهب يا هذا؟
إن ذاكرة غير مثقوبة، وقراءة عادية في خطاب هذا الشخص وغيره، تذكرنا بخطاب النظام القاتل في دمشق والأنظمة العربية الأخرى الشبيهة، فتلك المفردات تعني أن وحدة الجالية، المقصود منها وحدة الطائفة، والتسامح الذي ينادي به ما هو إلا تسامح الكبار مع المتطاولين من الصغار وغفران زلاتهم والعفو عنهم، وهذا ما جسده بشار الأسد عندما أعلن عفواً عاماً وإذ به يقصد المجرمين. وإن الحرية في نظر هذا المثقف الصندوقي المهجري، ما هي إلا حرية الطائفة أو العشيرة في أن تدخل الشرنقة، وأن الحوار المطلوب ما هو إلا حوار الشرانق مع بعضها، على شرط أن تبقى كل شرنقة منغلقة على ذاتها تأخذ ولا تعطي، وأن الانفتاح على الآخر لا يعني أكثر من اللقاء في المناسبات الجماهيرية وإلقاء الخطب والقصائد والمحاضرات عن عبقرية القائد والقيادة الحكيمة وتناول وجبات الطعام، ويعود بعد ذلك كل واحد من مثقفينا إلى صندوقه يقبع فيه، بانتظار مناسبة أخرى.

أخيراً، من الواضح دائماً أن معارف المثقف المعارض أو المؤيد، بقيت في الكتب، سواء كانت في المكتبة أو في صندوق خشبي، ولم تتحول إلى سلوك يومي، ولذلك بقي هذا المثقف أسير الطائفة والعائلة والقبيلة والقرية والمدينة والحي، وبقي مجرد قارىء رديء للحياة.
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
الهند ترد على الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية على 28 سلعة      لندن: إيران تقف وراء الاعتداءات في خليج عمان على الأغلب      درعا.. تفجير يطال موقعا تابعا للأسد في "الحراك" والتوتر يعود إلى "الصنمين"      بوجبا يلمح إلى رحيله عن مانشستر يونايتد      مصدر يكشف لـ"زمان الوصل" تفاصيل جديدة حول مقتل الفتى السوري في "صيدا" اللبنانية      بعد أزمة الوقود.. النظام يرفع أسعار البنزين      مجددا.. الأسد يستهدف نقطة مراقبة تركية بريف حماة الشمالي      أربعة أسباب للحرائق في الجزيرة السورية