أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الضرر العربي اكبر في غزة ... عبد الباري عطوان

انسحبت القوات الاسرائيلية من قطاع غزة بعد خمسة ايام من احتلال جزء من بلدة جباليا، مخلفة مئة وعشرين شهيدا، ومستشفيات مليئة بمئات الجرحي، ومنازل مهدمة فوق رؤوس اصحابها.
اذا نظرنا الي هذه الايام الخمسة ونتائجها الدموية من منظور الربح والخسارة، يمكن القول ان حكومة اولمرت تكبدت خسائر سياسية كارثية، دون ان تحقق اي مكاسب عسكرية رغم الفارق الكبير في موازين القوي علي الارض.
ومن هنا لم يكن مفاجئا ان تحتفل حركة حماس وفصائل المقاومة الاخري المتحالفة معها بالانسحاب الاسرائيلي وتعتبره انتصارا تاريخيا، فقد استطاعت ان توظف هذا العدوان الدموي الاسرائيلي بشكل جيد لمصلحتها، ونهج المقاومة الذي تتبعه، فبناها التحتية، السياسية والعسكرية، ما زالت علي حالها، بل ازدادت خبرة، واكتسبت مصداقية اكبر في الشارعين العربي والاسلامي، ناهيك عن الشارع الفلسطيني.
ومكاسب حماس السياسية والعسكرية هي خسائر فادحة للرئيس الفلسطيني محمود عباس وسلطته في رام الله، ولا نبالغ اذا قلنا ان حكومة اولمرت وجهت ضربة قاضية له بهجومها علي قطاع غزة، ونسفت ما بقي له، ولنهجه التفاوضي، من مصداقية في اوساط مؤيديه وهم قلة تتناقص اعدادها بشكل متسارع.
ولا نعرف ما اذا كان اولمرت قد تقصد اضعاف شريكه عباس، ولكن من الواضح انه يريد الهروب من العملية التفاوضية وتبعاتها، بعد ان عجز تماما عن تحميل مسؤولية فشلها للطرف الفلسطيني مثلما جرت العادة، ونجزم بانه كان الاكثر سعادة بقرار الرئيس عباس، الذي اتخذه مكرها، بتجميد كل المفاوضات والاتصالات مع الطرف الاسرائيلي احتجاجا علي مجازر غزة، وقبل يومين من وصول السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية.

ہپہپہ

الاستمرار في العملية التفاوضية مع سلطة رام الله يعني مواجهة استحقاقات كبيرة، مثل تجميد الاستيطان، وتفكيك ما يسمي بالمستوطنات غير الشرعية ، وازالة اكثر من ستمئة حاجز عسكري في الضفة الغربية، وفك الخناق عن الاقتصاد الفلسطيني، ومن ثم الدخول في بحث قضايا الوضع النهائي مثل القدس والمستوطنات والحدود واللاجئين، وهي استحقاقات يبدو ان اولمرت اضعف من مواجهتها، والتجاوب مع اي منها، بسبب هشاشة التحالف الذي تقوم عليه حكومته، ولهذا قرر الهروب الي قطاع غزة، باعتباره اسهل المخارج، واقلها كلفة بالنسبة اليه، او هكذا يعتقد.
استحقاقات التفاوض هذه ربما باتت الآن اكثر الحاحا بعد الفشل الاسرائيلي في قطاع غزة والنتائج الكارثية التي ترتبت عليه، فاولمرت دمر الطرف الفلسطيني الاكثر اعتدالا في المنظورين العربي والامريكي، وعزز الطرف الاكثر تشددا الذي يعكف تحالف دول الاعتدال العربية، الي جانب امريكا واوروبا، علي حصاره واضعافه، وعزز من مصداقية التيار المتنامي غربيا واسرائيليا للتفاوض مع حركة حماس من اجل التوصل الي هدنة ما توقف عملية اطلاق الصواريخ بعد ان فشلت الحلول العسكرية الدموية في انجاز هذه المهمة.
اولمرت المرتبك والمأزوم لم يتعلم من تجربته الكارثية في لبنان قبل عامين، وكررها بحذافيرها في غزة رغم الفوارق الكبيرة، وربما يكون قد نجا من السقوط في المرة الاولي ولكن قد لا يكون الحال كذلك في المرة الثانية، خاصة اذا ما قرر استئناف التوغلات وعمليات القتل ضد المدنيين لتعويض اخفاقات حرب الايام الخمسة الاخيرة.

ہپہپہ

يمكن ايجاز نتائج مغامرة اولمرت وشريكه ايهود باراك الدموية في قطاع غزة في النقاط التالية:
اولا: الحق باراك اضرارا كبيرة ربما يصعب اصلاحها، بصورة اسرائيل في العالم الغربي مصدر دعمها الحقيقي، فرغم محاولات التعتيم الاعلامية علي حجم المجازر وضحاياها، فان العالم افاق علي صور الشهداء الاطفال والرضع.
ثانيا: وجه أولمرت صفعة مذلة للنظام العربي الرسمي، والمعتدل منه علي وجه الخصوص، فقد باتت هيبة الحكام العرب في الحضيض، واصبحت مسبّتهم علي كل لسان، وهؤلاء من المفترض ان يكونوا حلفاء بلاده في الحرب المقبلة وشبه الحتمية ضد ايران و حزب الله .
ثالثا: انهارت الجهود الامريكية الرامية الي تخريب القمة العربية العادية اواخر هذا الشهر في دمشق، لتعزيز حصار سورية عربيا، وللضغط عليها من اجل تسهيل عملية انتخاب رئيس جديد للبنان. فالهجوم علي غزة كسر هذا الحصار، وعزز الموقف السوري، واظهر الطرفين السعودي والمصري المعارضين للقمة في وضع صعب امام الرأي العام العربي.
رابعا: الهجوم علي غزة اعاد احياء الرأي العام العربي بقوة، ولو استمر لبضعة ايام اخري لشاهدنا انفجارات شعبية في اكثر من عاصمة عربية، خاصة في القاهرة وعمان، حيث الاحباط وصل ذروته من جراء ارتفاع اسعار السلع بشكل خيالي من جراء زيادة اسعار النفط ورفع الدعم الحكومي وانخفاض قيمة الدولار، وزيادة نسب التضخم. فالمواطن المصري بات يستشهد في طوابير الخبز، والاردني يموت بردا من جراء ارتفاع اسعار السولار والامثلة عديدة.
خامسا: الوحدة الوطنية تحققت علي الارض بين ابناء الضفة والقطاع، بين ابناء فتح و حماس ، وشاهدنا المئات من موظفي السلطة في قطاع غزة، خاصة في ميداني الطب والاسعاف، يتحدون قرار حكومة فياض وينزلون الي المستشفيات واماكن العمل لإظهار وطنيتهم والانضمام الي المقاومين للعدوان الاسرائيلي.
سادسا: فضح العدوان الاسرائيلي علي غزة الاعلام الرسمي العربي، واظهره بمظهر المتواطئ، وهو اعلام ممول في معظمه من حلفاء واشنطن في لبنان والخليج ومصر، فقد مارس هذا الاعلام في معظمه عمليات تضليل وتعتيم غبية علي الاحداث في قطاع غزة، ولم يكن اعلام السلطة الفلسطينية في رام الله افضل حالا، فقد كانت قناة عباس الفضائية اكثر سوءا من القنوات الاسرائيلية في التغطية، ولكنها عادت وحاولت تجميل وجهها العكر ببعض البرامج الساذجة التي تظهر تعاطفا مصطنعا مع شهداء المجازر الاسرائيلية.
سابعا: ارتكب وزير الاعلام الفلسطيني خطيئة كبري عندما حمل حركة حماس وصواريخها مسؤولية العدوان علي قطاع غزة، ناسيا ان جميع الاذرع العسكرية للمقاومة تطلق هذه الصواريخ وليس كتائب القسام فقط، وان التوغلات والاغتيالات الاسرائيلية لم تتوقف في الضفة الغربية، وضد ابناء حركة فتح حزب السلطة رغم عدم انطلاق اي صواريخ منها. وعندما حاول الوزير ترقيع تصريحاته والادعاء انها انتزعت من سياقها، كان الضرر قد تحقق فعلا، فالصورة لا تكذب، والعالم بأسره شاهد الرجل يتحدث ويقول ما قاله عبر شاشات التلفزة.

ہپہپہ

اسرائيل تصدر ازماتها الي حلفائها، والامريكان منهم علي وجه الخصوص، وتقدم هدية دسمة لكل الذين يحملونها مسؤولية اتساع دائرة العنف والارهاب وعدم الاستقرار في العالم بسبب مجازرها بحق الشعب الفلسطيني، وليس الموقف الامريكي المخجل المعرقل لقرار في مجلس الامن يدين عدوانها علي قطاع غزة الا دليلا اضافيا في هذا الخصوص.
لقد دمرت اسرائيل مصداقية الامم المتحدة ومجلس امنها، ونسفت مؤتمر انابوليس للسلام فوق رؤوس المشاركين فيه، وجعلت اقوال الرئيس بوش حول اقامة دولة فلسطينية قبل نهاية هذا العام نكتة سمجة لا تضحك احدا.
اللحم الفلسطيني الطري انتصر علي المخرز الاسرائيلي، وأثبت الفلسطينيون بصمودهم، وادارتهم للأزمة انهم المنتصرون فعلا، وان دماء شهدائهم لم تذهب سدي.
صحيح ان الفلسطينيين تورطوا في صراع مع عدو شرس دموي مدعوم من العالم الغربي بأسره والصهيونية العالمية في معظمها المسيطرة علي مقدراته (اي الغرب وامريكا خاصة) ولكن الصحيح ايضا ان ورطة يهود اسرائيل مع هذا الشعب العنيد الشرس ربما تكون اكبر بكثير، والأيام بيننا

القدس العربي
(18)    هل أعجبتك المقالة (16)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي