أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

كوسوفو و الدولة القومية: بين عولمة التفكيك وعولمة الاندماج .. عياد البطنجي

مقالات وآراء | 2008-03-02 00:00:00
* باحث في العلوم السياسية




*عياد البطنيجي

" يبدو أن العالم تنتابه حركة عامة تتمثل في السعي إلى الحجم الصغير للمرور عبر الغربال الذي يتيح التوصل إلى قدر اكبر من الثروة.فالسكان يريدون أن تتبع دولهم نظاما للتخسيس للتخلص من العبء عديم الجدوى"
" باسكال بونيفاس"
" العولمة تفرض على الدول السير نحو التكتلات البشرية الكبرى، سواء على مستوى إقليمي أو قاري "

""كانت الولايات المتحدة ولا تزال القوة المحركة التي توفر الدينامية المحركة للعولمة، وهي المستفيد الأول من القوى التي أطلقتها"
" هنري كسنجر"
" بكل أسف، تبقى القوة هي الفيصل في كل القضايا الدولية، وليس نضال هذه القومية أو تلك "
بيتر تيلور، كولن فلنت


مدخل حول العولمة

مع ولادة النظام العالمي الجديد ذو القطب الواحد بقيادة الدولة العظمى الوحيدة، الولايات المتحدة الأمريكية، ظهر مفهوم العولمة، بالرغم أن الظاهرة التي يشير إليها المفهوم ليست حديثة . فزيادة العلاقات بين الأمم و تدفق رؤوس الأموال، وانتشار المعلومات والأفكار، والتوسع والهيمنة، كل هذه العناصر يعرفها العالم منذ القدم. ولكن العولمة كمفهوم ذاع صيته في العقد الأخير للترويج لظاهرة اقتصاد السوق الحر بعد انهيار النظم الاشتراكية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي ليشرع لعالم أحادي القطب .
وعليه اختلف المفكرون حول هذه الظاهرة. منهم من تعامل معها - العولمة- على أنها شراً مطلقاً، على أساس أنها استمرار للاستعمار القديم ولكن هذه المرة بثوب جديد، وبالتالي هذا التيار يتسم بالرفض والعداء المطلق لها، وهم يرفضون مقولة حتمية العولمة ويقررون أن طابع النظام الدولي الذي يتكون من وحدات سياسية(الدول) ستبقى هي الوحدات الأساسية ولن تتغير كثيراً. والرأي الثاني هو من قبِل العولمة وسلم بمنطقها دون مقاومة، واعتبر أن العالم سائر حتماً في طريقها. وأخيراً الرأي الذي يحاول أن يكيف ويوفق بين الرأيين السابقين منطلقين من فرضية مفادها : أن التوفيقية ستكون لغة القرن الحادي والعشرين. وهذا الرأي يدعو للتعامل مع العولمة من منطلق أنها أصبحت ظاهرة لا فكاك منها، وبالتالي لابد من التعامل معها، وأن للعولمة جوانبها الايجابية وليست كلها شراً خالصاً، وعليه يجب الاستفادة منها ولكن ليست على حساب السيادة الوطنية والخصوصية الثقافية، وان العولمة، طبقاً لهذا الرأي، تشكل فرصة تاريخية على الشعوب أن تستغلها لصالحها وعليها أن تحاول تلافي مخاطرها.

وفي خضم هذا الجدل ظهرت مفاهيم جديدة على الساحة الدولية منها على سبيل المثال لا الحصر: الخصوصية الثقافية، العولمة والثقافة ، العولمة والهوية، العولمة والمحلية، العولمة والقومية، العولمة والسيادة ، العولمة والعلاقات الدولية، العولمة والمجتمع المدني، العولمة وحوار الحضارات الخ...

وتجدر الإشارة في هذا المقام أن تقديم تعريف جامع مانع للعولمة يعد أمراً عسيراً نظراً إلى أن هذا المفهوم لازال في طور التشكل والتكوين والصنع والتبلور، هذا فضلاً عن أنها عملية لا تزال مستمرة؛ وهذا يعني أن عملية الوصف والتحليل والتفسير والتنبؤ، وهي العمليات الضرورية لأي نظرية علمية لا تزال جارية ولم تنتهي بعد. وبالتالي فكل شيء مرتبط بالظاهرة( العولمة) محل نقاش وجدال وسجال وفرضيات واقتراحات. وعليه لا يوجد نظرية علمية كاملة ومتكاملة عن العولمة.

دولـة " كوســوفـو "

انشغل الباحثون منذ بزوغ ظاهرة العولمة بتأثير هذه الأخيرة على الدولة، وبالتحديد كيف تؤثر على سيادة الدولة، وانقسم الفقه السياسي حول ذلك إلي عدة أراء. فهناك سيناريو يذهب إلى أن عالم ما بعد الحرب الباردة هو عالم بلا دولة، وان العولمة تعني فيما تعنيه تلاشي الدولة واختفائها لحساب الشركات المتعدية الجنسية. ولكن هذا السيناريو لا يبدو انه الأرجح بل هو اضعف السيناريوهات المطروحة سيما أن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ظهرت العديد من الدول، هذا فضلاً عن ظهور " دولة كوسوفو " مما أضاف للنسق الدولي دولة جديدة. ولو تتبعنا مسير وتطور الدولة القومية لوجدنا التالي: أن صيرورة العولمة فرضت مزيدا من الدول وليس العكس كما يدعي هذا التيار. فالتوسع الرأسمالي المعولم تاريخيا اقتضى توسعا موازيا ومرافقا وملازما للدولة. فمنذ عام 1920 حتى 1945 كان هناك ما يقارب 60 دولة، ومنذ عام 1945 حتى 2007 هناك ما يقارب 195 دولة. هذا يعني أن مع التوسع الرأسمالي المعولم صاحبه توسعاً ومزيدا من الدول وليس العكس. إذن نصل إلى نتيجة مفادها : أن العالم سائر نحو تعددية الدول وزيادتها وليس اختفائها كما يذهب البعض .
وهناك سيناريو أخر يقول: أن عالم ما بعد الحرب الباردة سائر حتما نحو قيام تكتلات بشرية كبرى، سواء على مستوى إقليمي أو قاري، تشكل مجالا حيويا في الاقتصاد، وعنصرا رئيسيا في الأمن، وضمانة فعلية للاستقلال السياسي، وشرطا ضروريا للتحرر من الهيمنة الخارجية. وهذا الرأي يصل إلى نتيجة مؤداها: أنه في ظل بزوغ ظاهرة العولمة أصبح واضحاً أنه في عالم اليوم لا مكان للشعوب والدول الصغيرة. يبدو هذا السيناريو يجد كثيراً ما يبرره في عالم اليوم، وذلك من خلال انتشار ظاهرة الأحلاف والتكتلات الدولية سواءً الاقتصادية أو السياسية والأمنية.
وهناك السيناريو الذي يذهب إلى أن عالم ما بعدد الحرب الباردة يعني المزيد من التفتت وتشرذم الكيانات الكبرى وتحويلها إلى كيانات قزمية. وهذا السيناريو أيضاً يجد كثيراً من المؤشرات التي تدعمه.

ولكن ما علاقة ذلك بدولة " كوسوفو " . هل هناك علاقة بين دولة كوسوفو والعولمة وظاهرة التفكيك ( عالم ما بعد الحداثة) وبين العولمة وظاهرة الاندماج أي التوجه نحو التكتلات الإقليمية، الاقتصادية والسياسية .

إن إعلان استقلال كوسوفو يعني المزيد من تفتت البلقان، وهذا يعني اتجاه العولمة نحو التفتيت والتشرذم. ولكن لماذا اتجهت البلقان وبالتالي كوسوفو في ظل العولمة نحو التفتيت والتقزيم ولم تتجه كوسوفو نحو الاندماج والتكامل مع فضائها السياسي والاقتصادي(البلقان) ؟ ولماذا اتجهت تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا نحو التفتت والانقسام؟ وفي المقابل، لماذا اتجهت ارويا نحو التكامل والاندماج؟ ولماذا سارعت الولايات المتحدة بالاعتراف بدولة كوسوفو؟. ولماذا تصارع الولايات المتحدة الاتحاد الأوربي رغبة منها بالانفراد بإدارة العلاقات الدولية وشرخ دول الاتحاد الأوربي وتفكيكه ؟ ولماذا تعارض الصين وروسيا استقلال كوسوفو؟

إنها المصلحة. فإذا قررت مصلحة القطب المهيمن في النسق الدولي نحو التفكيك كان له ذلك، والعكس أيضاً صحيح، أي إذا كانت مصلحة النسق الدولي وخصوصًا القطب المهيمن عليه نحو التكتل والاندماج كل له ذلك أيضاً. لذلك سارعت الولايات المتحدة للاعتراف بكوسوفو لان مصلحتها تقتضي ذلك . وخير من يعبر عن توجه وسير العولمة في خدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية هو كسنجر الذي قال في كتابة " هل تحتاج الولايات المتحدة إلى سياسية خارجية" : " كانت الولايات المتحدة ولا تزال القوة المحركة التي توفر الدينامية المحركة للعولمة، وهي المستفيد الأول من القوى التي أطلقتها ".
فمن المعروف أن سياسات الدول - خصوصاً الدول العظمى - تقوم على المصالح، والولايات المتحدة الأمريكية ترى مصلحتها في جعل كوسوفو محمية أمريكية وتدور في الفلك الأمريكي بغية تحقيق مصالحها والاقتراب من حدود روسيا. وهذا الموقف يتعارض مع المصالح الروسية. فروسيا رأت في استقلال كوسوفو تهديداً لمصالحها، وبالتالي فالرفض المبدئي والاستراتيجي يأتي من خشية موسكو تهديد وحدة روسيا بدءاً من الأقلية الشيشانية، وصولاً إلى أقليات أخرى في أقاليم تتمتع بالحكم الذاتي. هذا بالإضافة إلى ارتفاع الصوت الروسي الرافض للتوسع الاستراتيجي الأمريكي في جوارها الإقليمي. ليس ذلك فحسب فقد اعتبرت روسيا أن الموقف الأمريكي الداعم لاستقلال كوسوفو خارج عن الشرعية الدولية . فالكسندر دوغين مدير مركز الدراسات الجيوسياسية عبر عن الموقف الانتهازي للولايات المتحدة : " أن الولايات المتحدة تضرب بعرض الحائط الشرعية الدولية وتتبع سياسة غير أخلاقية على الصعيد الدولي حيث تستخدم القوة لفرض هيمنتها على العالم. إنها تعمل مع أنصارها على الاعتراف بالحركات الانفصالية التي تخدم مصالحها ولهذا لا تريد الاعتراف بانفصال الباسك وكورسيكا وشمال قبرص وابخازيا واوسيتيا الجنوبية، بينما اعترفت بانفصال كوسوفو. ولابد من وجود دولة توقفها عند حدها، واعتقد( القول لالكسندر دوغين) أن روسيا يمكن أن تمارس هذا الدور بحكم كونها دولة نووية مؤثرة " .

كذلك الأمر مع الصين ، فالموقف الصيني، الداعم لموقف روسيا، يتسم برفض استقلال ألبان كوسوفو خوفاً على مصالحها القومية وتأثير ذلك على الأقليات الصينية وبالتالي تتجه الصين نحو التفتت.
فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي استغلت الولايات المتحدة هذا الانهيار لتحقيق مصالحها، واستغلت انفرادها بالهيمنة على العالم كونها القوة الأعظم الوحيدة في النسق الدولي، من أجل إعادة تقسيم العديد من الدول، وتجزئة المجزأ منها لإثارة النعرات والصراعات الدينية والطائفية والعرقية، بما يضمن هيمنتها - الولايات المتحدة - على العالم لعدة عقود قادمة، هذا فضلاً عن توسع حلف شمال الأطلسي شرقاً ليضم دولاً كانت حتى الأمس القريب حليفة روسيا في حلف وارسو.
فاستقلال كوسوفو إذن يثبت أن هذا الاستقلال في اتجاه التفتت وتشرذم الكيانات السياسية وتحويلها لكيانات قزمية إذا كان ذلك في مصلحة القطب المهيمن . إذن تبقى القوة هي الفيصل في كل القضايا الدولية، وليس نضال هذه القومية أو تلك بل حسب ما تقتضيه مصلحة الأقوى. وبالتالي نصل لنتيجة مؤداها أن اتجاه العولمة سواء كان نحو التفتت والتشرذم أو نحو التكامل والاندماج يأتي حسب مصلحة القطب المهيمن على النسق الدولي وتوجيهه بما يتفق مع مصالحه الخاصة، هذا فضلا عن قوى المعارضة التي تقف في وجه الانفراد الأمريكي بقيادة النسق الدولي كالاتحاد الأوروبي مثلا الذي يسعى لإيجاد نظام دولي تعددي.
إذن فإذا كانت مصلحة القطب المهيمن توجيه العولمة نحو تفتتت الدولة وتحويلها لكيانات قزمية ( كوسوفو مثلا) كان له ذلك. وهذا يعني المزيد من الصراعات والفوضى التي ستترتب على استقلال كوسوفو ودخول الإقليم في أتون التجاذبات والصراعات الداخلية حيث تجلت مرحلة ما بعد استقلال كوسوفو بحالة من الشد والجذب وهو ما يعني الدخول في مرحلة محدقة بالإخطار والتوترات. وبالتالي مزيدا من الفوضى في النسق الدولي، وعدم احترام قواعد القانون الدولي واستمرار حالة الازدواجية في تطبيق الشرعية الدولية . وفوضى في فكرة الأمن الجماعي، وفوضى في حفظ السلم والأمن. ويعزى ذلك لانفراد الولايات المتحدة بإدارة العلاقات الدولية وهيمنة المحافظون الجدد على الإدارة الأمريكية .
aiiad.maktoobblog.com

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
أتلتيكو مدريد يواصل نزيف النقاط ويتعادل مع فالنسيا      ترامب يهدد بمقاضاة "سي إن إن" ويتهمها بالتحيز ضده      صور مبهرة... مصر تكشف تفاصيل 30 نعشا أثريا عثر عليها بالأقصر      مستشار قانوني يكشف ثغرة في اللجنة الدستورية تجعلها "فاشلة"      "قسد" تعلن رفضها لبعض بنود اتفاق وقف إطلاق النار      دعوات ليوم "الغضب المنبجي" رفضا لدخول الأسد وروسيا المدينة      الأسد وبوتين يصبان جام غضبهما على الشمال المحرر      اعتقال تركي بتهمة خطف فتاة سورية واغتصابها في اسطنبول