أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عندما ينتظر الياسمين ... ذكاء محمد

على الزاوية المحطمة من الجدار القديم المتهالك , استلقى غصن الياسمين , وقد انسدلت فروعه على قطعة جحرية نقشت عليها زخارف حجرية , وبدي لعيني كأنه يحتضن ذلك الحجر , كانت زهراته البيضاء ما زال عطرها يفوح رغم النار والبارود , فركت عيني وأنا أنظر بدهشة , في اي مكان غير بلدي يحتضن فيه الزهر الحجر , مددت يدي لأسحب غصن الياسمين من بين الأنقاض ولكنه ابي أن يترك مكانه .
واختطفتي من واقعي ذكريات ما زالت حاضرة في ذهني بقوة , وأعادتني لليوم الذي فتحت فيه عيني على الحياة في هذا الحوش الذي تكسوه الحجارة الصفراء القديمة وتنغرس في كل زاوية من زواياه أصص الورد والفل جنبا إلى جنب من ذكريات الاسرة واحلام الطفولة , ذلك يوم كنا نعيش في هذا البيت تستقل كل عائلة في غرفة خاصة بها , ولا أذكر أبدا أن تلك الغرفة الواحدة كانت تضيق بعائلتنا المكونة من خمسة اشخاص , ما زلت اشعر بأنها واسعة , وما زلت اذكر الغرف التي اختص بها كل عم من أعمامي مع عائلته , فلا بد لبيت العائلة أن يتسع للجميع مهما كان ضيقا, وقتها كان حوش البيت يفسح لنا مكانا بين تنكات الفل , تحت عريشة الياسمين , حيث بحرة الماء الصغيرة التي لاتبخل في نثر مياهها في أيام الحر , وكبرت وتركنا بيت العائلة لنستقر في بيت لايبعد عنها كثيرا طابق في عمارة حديثة , تركنا بيت العائلة في السكن ولكن لم نتركه أبدا في الحياة , كان قد استقر في أعماقنا , وصار جزءا من مسيرة حياتنا واحلام مستقبلنا , فكل عيد نجتمع فيه وكل مناسبة لفرح او حزن كان هو من يحتوينا , ...
وبدات أشب قليلا , وعرفت بيوتا في أحياء مختلفة , سافرت إلى كثير من بلدان العالم , وجربت السكن في بيوت كثيرة , من كل صنف ولون , ولكن ذلك البيت المتواضع بحجارته القديمة وبركة مائه الصغيرة ظل يعني لي الكثير , وعندما استحضر قول المتنبي الشهير
كلما رحبت بنا الروض قلنا حلب قصدنا وأنت السبيل ,
كنت لا أستطيع إلا أن أسقطه على بيتنا الذي ظل حتى بعد رحيل جدي وجدتي ومفارقتهما للحياة, ظل مكان اجتماع العائلة , ورفض أفرادها التخلي عنه , وصار لنا بمثابة استراحة , يخزن التاجر فيه بضاعته و وتأتي النساء لتحضرن فيه المؤنة من اجل الشتاء , وعندما يريد الشباب أن يجتمعوا لحفلة شواء كان البيت يحتضنهم بترحاب رغم تواضعه , وعندما يريد أحدهم أن يخاصم أهله يلجأ اليه وحيدا و وعندما يريد أن يصالحهم يلجأ إليه معهم وقد أعد حفلة شواء أو صينية من الكنافة
وفي كل ذلك كانت الياسمينة حاضرة , تتسلي النساء بجعلها عقود تمنحها لكل من أرادت أن ترسل له رسالة حب وامتنان , وإذا لم يتطوع من يجعل الياسمين عقدا فإن الأطفال يتكفلون بجمعه في وعاء زجاجي , ليفسح له مكان في صدر المجلس او على طاولة في وسط الغرفة كاجمل باقة ورد .. فلقد كفانا ورد البيت وياسمينه هم شراء الورد في حفلاتنا .
ودار الزمان دورته و قضى الله أمرا كان مفعولا , وغاب الفرح عن حياتنا , وصارت سماء بلادنا تهطل قذائف وحمما , وتحول الجو إلى غبار نار وبارود . قنابل تهديها لنا طائراتنا الحربية , وموت يأتي محمولا مع رصاصة قناص يكمن في أعلى مبني أو منعطف طريق ليرسل هداياه المميتة لكل من تخول له نفسه أن يمارس فعل الحركة , بأي شكل كان , فانتشرت الجثث في الشوراع لاتجد من يجرؤ على التقاطها لدفنها , وخرج الناس من بيوتهم فرارا من الموت , أو خوفا من انتهاك الحرمات , ولكن إلى اين الفرارفالحياة ذاتها صارت شكلا من أشكال الموت , حيث يفتقد الناس للماء والكهرباء ووسائل التواصل , والطعام ووحتى الملابس في كثير من الأحيان ..

وصار على المرء أن يختار بين الموت وهو قاعد أو الموت وهو يتحرك , وكم كنت أكره أن أمكن أي مخلوق أن يقرر أمور حياتي , فهل سأقبل لهم أن يقرروا أمر موتي , ودخلت المدينة وأنا أحمل بندقية بسيطة , بساطة معرفتي باستخدام البنادق , وقدر لي أن أرى حلب مدينتي كما لم ارها من قبل , قد طال الخراب كل بقعة من أحيائها ,... تجولت في احيائها ,
أيا مدينة صمدت في وجه اعتى الطغاة على مر العصور , وما النصر إلا صبر ساعة , فاصبري , لعل لواء صلاح الدين ينطلق من أحد أزقتك أو لعل الزنكي يزمجر من جديد في ساحاتك , يا من أنجبت قطز فهزم التتار , أما من قطز جديد تنجبيه لنا .
ولا أدري كيف ساقتني قدماي إلى ذلك الزقاق الحبيب , وفجأة رأيت نفسي متوجها نحو الباب الذي طرزه صانعوه بمسامير حديدية انغرست في صفائح المعدن لتجعل منه أشبه بباب قلعه ,
يا حلبي الغالية يامن كل بيت من بيوتها قلعة صمود , ماذا دهاك ,
دفعت الباب ودخلت , ورايت الحوش الحبيب قد تساقطت بعض جدرانه وعلاه الخراب , وبحرة الماء لم يعد فيها ماء فقد امتلات ترابا , وحجارة , وكانت أغصان الياسيمن تتناثر محتضنة اجزاء من الجدران المحطمة , حاولت أن أجذب أحدها , فرفض الانصياع لي , فقد كان منغرس بقوة بين الحجارة المتراكمة , كنت أريد ان ألتقط بعضا من زهراته واضمها وألمها وأشمها ,
نظرت إلى اليايسمينة ..
كانت تقف بشموخ تكللل هامتها زهرات بيضاء تجمعت كما التاج , هممت أن أمد يدي ولكن يدي كان منشغلة بالقبض على البندقية , انحرفت خارجا من البيت تاركا الياسمينة تنتظر عودة سكانها .

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي