أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بين وحشية النازية ورحمة الغربان ... محمد جمول

سماء بلادي لم يبق فيها مكان للبلابل والعصافير. كل ما أراه غرباناً تتوارد عليها وتحوم عبرها ليل نهار. كلها تدعي الحكمة والحرص الشديد على سلامة البشر والشجر والحجر.ولكن الآباء والجدود والتاريخ علمونا أن كثرة الغربان تعني كثرة الخراب والجثث والأشلاء.

الجديد في هذه البلدان أن الغربان بدأت تحط على الأرض وتتنقل متجولة من حي إلى آخر، وتتكلم بكل لغات المنطقة ولهجاتها، وترتدي الزي الوطني وكل أزياء العشائر والقبائل والطوائف.
غربان تجود بكل ما لديها من دعم وأسلحة وتوزعه على كل من يطلبه على أمل أن يأتي الوقت الذي يبدأ فيه الكل بقتل الكل. فتعود الغربان إلى جمع عتادها كي توزعه مرة أخرى على من يطلبونه ليقتل كل منهم الآخر.
في العراق، أوشكت الغربان أن تنهي مهماتها من قتل وتدمير وتقسيم ورسم خرائط تعيد الزمن مئات السنين إلى الوراء بإلغاء الوطن والدولة والمجتمع وكل ماله علاقة بالعصر الحديث لتبدأ مشوار قرون الظلام وما فيه من قبائل وطوائف وأخويات وعصبيات وعصابات إجرام. وهاهي الآن توزع أسلحتها على من لم تقتله بعد كي يقتل غيره ويقتله غيره.
هذه الغربان أنجزت الجزء الأول من مهمتها عندما نجحت في دفع الأوطان إلى الاقتتال الداخلي عبر طوائفها وأعراقها التي كان حكامها قد نجحوا في تهيئة الأرض لكل أنواع المعارك التي نشهدها الآن، مستخدمين كل البراعات والحركات البهلوانية وألعاب الخفة للقفز فوق المشكلات الوطنية والاجتماعية والاقتصادية، ليتركوها تتفاقم وتتوالد في أحسن الأحوال ، أو يستفيدون منها في حل مشكلاتهم والهروب إلى الأمام.
والآن بدأ تنفيذ الجزء التالي ، الذي قد لا يكون الأخير،بضرب العشائر والقبائل والأحياء ببعضها بعض. وبدأ توزيع الأسلحة على الفقراء والجياع وأبناء الشوارع من أبناء أمة المساكين اليتامى ممن فقدوا آباءهم الذين كان يمكن أن يحسنوا تربيتهم والدفاع عنهم منذ مئات السنين. فتحولوا إلى أمة مفجوعة بذاتها، مبتلاة بضعفها مقموعة بقوة حكامها وقوة كل من هو غيرها.أمة مثل قطيع غزلان في الصحراء مات قائده ، فبدأ يدور حول ذاته في المكان، وتكاثرت عليه الوحوش التي استسهلت الصيد واسترخصت اللحم. أمة تخاف ظهور أي قائد فيها فتسارع لقتله خشية أن يقتلها لأن كل الأقوياء كانوا دائما لا يأتون إلا لقتلها،ولأنه سيكشف هوان وذل من قادوهم وأقنعوهم بأنهم حماتهم الأقوياء القادرون على صون أرضهم وحياتهم وأعراضهم وكراماتهم المهدورة سرا وعلانية، أو لأنه قد يخرب علاقة الحب والألفة الطويلة بينهم وبين الهوان والذل.
صار السلاح ينهمر على كل هؤلاء الناس بغزارة المطر في الشتاءات الماطرة في بلداننا الجافة. انهمر السلاح على غزة القاحلة التي لم يصلها الخبز ولا الأرز إلا بقدر محسوب لا يترك الموت يتحول إلى أوبئة وروائح جثث متفسخة تزعج الجيران وفرسان الرباعية والشرعية الدوليتين الذين برعوا في تقنين الموت لشعب يصر على التكاثر والتناسل والحياة على الرغم من " قادته" وأعدائه " الحضاريين " وجيرانه " الحكماء المعتدلين " حتى الثمالة.
هل باتت هذه الغربان جزءا من النسيج الاجتماعي لسكان هذه البلدان، وأخذت تحل وتربط في كل شؤون وقضايا المنطقة التي لم يبق فيها من يفكر أو يحل ويربط؟ هذه الغربان، وما تفعله من قتل وتدمير يجعلني أتساءل ماذا كان يمكن لهتلر أن يفعل لو أنه كان الواقف الآن تحت راية الديمقراطية والحرية المنشورة في سماء وعلى أرض بلداننا؟ كانت النازية وحشية لأنها قتلت عشرات آلاف البشر بأفران الغاز، بينما تقدم هذه الغربان فرص العيش مع اليورانبوم المخصب والمنضب للملايين من البشر في العراق وأفغانستان ولبنان والبلقان على مدى آلاف السنين، وتوزع كل أنواع السلاح على كل من لديه شهوة القتل أو يمكن أن يمتلكها ذات يوم. فمن هو ضدها اليوم قد يصبح حليفها غدا. والكل يخدم ال " الفوضى الخلاقة " ويساعد مصانع الأسلحة على البقاء مزدهرة وجيوب أصحابها منتفخة.

(10)    هل أعجبتك المقالة (10)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي