أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

نعم هناك خطر سوري ... نضال نعيسة

مقالات وآراء | 2008-02-17 00:00:00
خاص


الموضوع الأثير لمارينز سوريا الثقافيين، ومن لف لفهم، وبكل أسف، من عرب "الشراويل"، وكتبتهم، هو موضوع الخطر السوري في المنطقة، لدرجة أنه أصبح موضوع من لا موضوع له، فحين يغيب عنهم شيطان الشعر تتفتح قرائحهم عند ذكر "الشيطان السوري". فلا يكاد يخلو تصريح من غير الإشارة و الغمز من قناة سوريا. ونادراً ما يخلو مقال لهؤلاء من تلميح أو تصريح للخطر السوري "الماحق"، والكبير الذي يتهدد المنطقة بأسرها. والتحق رهط كبير، و"على عماها" بركب، وخطاب أولمرت-بوش-ساركوزي، ومن يؤجج عقيرتهم، ويقف خلفهم من آل شروال، من أصحاب السمو والعظمة والجلال.

فالحديث، وبتلك الطريقة التهريجية والتضخيمية التهويلية، عن خطر سوري ماثل مزعوم يوحي، ولوهلة أولى، بأن سوريا قد أصبحت قوة أعظم، وهي قاب قوسين أو أدنى، من إنتاج القنابل الهيدروجينية والنيترونية والذرية، واليورانيوم المخصب والمنضب، وترسانة أخرى، لا تقل خطراً، من الصواريخ البالستية-ذاتية الدفع والمحملة برؤوس نووية. وأن الأساطيل والبوارج الحربية وحاملات الطائرات السورية تجوب أعالي البحار في دول الجنوب والشمال. وأن مسؤولي سوريا لا يكفـّون، ليل نهار، عن التلويح باستخدام القوة المسلحة والتهديد بالحروب الاستباقية ضد هذا وذاك، وفرض العقوبات صوب اليمين وصوب الشمال. وأن القواعد العسكرية السورية تنتشر في كل بقعة من العالم، ومناوراتها العسكرية تصم آذان سكان دول الجوار، وطائراتها وقاذفاتها الحربية المقاتلة تخترق المجال الجوي لدول الإقليم، وتقصف خبط عشواء هنا وهناك، وجيوش سوريا تحتل البلدان والأمصار، ومصانعها الحربية لا تكف عن إنتاج أدوات الموت والقتل والعدوان والدمار. وأن سورية هي التي تستقبل رموز الإجرام الدولي والصهيوني على أراضيها وتفرش لهم الورود والرياحين والسجـّاد وأكاليل الغار، وتقيم لهم الولائم المغمسة بدماء الأطفال والأبرياء، وتستعرض بالسيوف معهم الرقصات. وأن الرايات والأعلام الزرقاء والبيضاء ذات النجوم السداسية، ترفرف فوق السفارة الإسرائيلية في حي المالكي الراقي الشهير الغافي عند سفوح قاسيون الأشم حيث مقر البعثات الدبلوماسية. وأن مجرمي الحرب الصهاينة قائمون نائمون سراً وعلانية في الشام، وأن الأراضي السورية وجدت لتستخدم، فقط، كقواعد للغير لشن الحروب ضد دول الجوار واحتلالها من قبل أبالسة الدولار. وأن مطاراتها تستخدم لإلقاء الحمم النارية القاتلة على رؤوس الناس في غير مكان وأن وأن ....إلخ من هذا العك واللت والعجن وهذر الكلام.

كل ذلك يندرج، في الحقيقة، في إطار سعي محموم لـ"شيطنة" سوريا لدى الرأي العام، ربما تمهيداً، ولاحقاً تبريراً، لما قد يقدم عليه أصحاب الحماقات الأشهر من مزيد من التهور والطيش وسوء التقدير والحساب. ومقابل تلك الحملة الشعواء، فاليوم، لا يوجد أي كلام عن أي تهديد إسرائيلي لدول المنطقة، ولا احتلال لقدسهم وثاني حرمهم الشريف، ولا عن قضم وهضم للأرض وهدم لأقصى، وبناء لجدار الفصل العنصري الوحيد الباقي من نوعه في العالم، ولا عن ترسانة نووية صهيونية، أو احتلال أمريكي، وتواجد عسكري في الكثير من دول المنطقة، وإغلاق للمضائق وعنجهية واستعراض عضلات وحاملات طائرات تعربد في الخلجان والمحيطات. وليس هناك من تحذير من خطر الحروب الأهلية المستعرة، أو مشاريع الحروب الأخرى في غير مكان، ولا تقسيم المقسم وتجزييء المجزأ، ولا عن مجرد تلميح وإشارة عابرة لحصار لغزة، وهو أضعف الإيمان، ولا تنديد بحكومات الدمى وقرضايات الزمان، مما ملكت أيمان الأمريكان، قرضايات ينفذون بكل أمانة وتفاني وبراعة غير معهودة ما تطلبه منهم القديسات ليفني ورايس، فلا يوجد اليوم سوى "خطر سوري" نازل ماحق يهدد بتقويض المنطقة برمتها لأن فيه بقية باقية من شرف وإباء عزّ في حقب "الشروال"، وأصبح يمثل خطراً على من أدمن السياط والخنوع وتمريغ الجباه.

ومن يتابع تلك الأصوات، وفي منابر بعينها، يفاجئ بحجم الصمت والخرس والتعتيم على الموبقات والتجاوزات والسمسرات والانحرافات والقوادة السياسية، التي تمارسها، وعلى عينك بعض دول المنطقة، ويكتفون، وبتناغم عجيب، بالتخويف والترهيب من الخطر السوري الداهم. وبأن تلك الدول، وباستثناء سوريا، طبعاً، هي واحات من الشرف الخالص الديمقراطية، والشفافية، والنزاهة، ولا تشوبها شائبة، أو تعيبها عائبة. وأن الازدهار والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، واحترام حقوق الإنسان تفيض فيضاً منها، ويتم تصنيعها وتعليبها، حصراً، في هذه الدول لتصدّر إلى دول وشعوب العالم الأخرى، لتتعلم من عرب الشراويل أصول ومبادئ الحياة المثالية النقية.

لن نأتي بجديد إذا قلنا بأن هناك مشروعاً أمريكياً-إسرائيلياً، وبمعية بعض من عرب الشراويل، الذين باتت مهمتم الأساسية، وانحصر دورهم السياسي، في التهليل لأي حدث ينال من أمن سوريا، والمنطقة، فلقد كانت الأصوات العربية الجذلى والسكرى، مثلاً، باغتيال عماد مغنية وقهقهاتهم الصاخبة، وفرحهم الغامر، يضاهي ذاك الذي ارتسم على محيـّا كل من أولمرت وباراك وشاحاك، وحتى تلك الردود التي صدرت من وزارة الخارجية الأمريكية ذاتها والتي "لا تعطي فرحتها" لأحد باغتيال مغنية. هذا المشروع المعلن، كما بات معلوماً، هدفه تفتيت المنطقة وتجيير ذلك في خدمة أمن إسرائيل وبقائها كـ" سوبر" كيان في المنطقة. ولن يتم ذلك إلا عبر إنهاك المنطقة واستنزافها من خلال الحروب والمواجهات الجانبية والبينية بين الأقليات والإثنيات والطوائف والمذاهب التي تنتشر على خريطة هذه المنطقة، واستغلال تناقضاتها وخلافاتها التاريخية، وتسخيرها في إنشاء الكيانات المسخ المتناثرة على الرقعة التي تساهم وتسهل في عملية الذبح السياسي والوطني للجميع ودونما استثناء.

وتمثل سوريا اليوم مع بعض الفصائل المقاومة عقبة كأداء أمام تقدم المشروع وانطلاقته. ولقد كانت حرب تموز 2006، وموقف سورية الداعم للمقاومة، إحدى العلامات الفارقة التي "فرملت" انتقال المشروع إلى مراحل متقدمة. وبهذا المعنى، فقط، نعم يمكن الحديث، وهناك تهديد وخطر سوري كبير على هذا المشروع الذي يعني نهاية الدول الوطنية في المنطقة، وكل من يقف خلفه من الأدوات والأزلام وبيادق الشطرنج التي تتحرك مذعورة، وفي كافة الاتجاهات، على الرقع السياسية الصماء، هذه الأيام. فالعشائرية والقبلية والإثنية والمذهبية هي البدائل الموضوعية اليوم لما تبقى من مشروع الدولة الوطنية الذي تآكل بما فيه الكفاية بسبب صعود النزعات الفاشية والعنصرية الفئوية والتفتيتية التي اختزلت لاحقاً بشرق أوسطية رثة صاغها المحافظون الجدد لترضي غرور ومطامح وأحلام الحالمين. ولقد كان هناك، وكما نعلم، خطر سوري فعلي على الشرق أوسطية ونظرية الدومينو التي تزامنت مع احتلال العراق وروج لها بعض المساكين الصغار آنذاك، وكادت أن تعصف بعرب الشراويل أنفسهم ذات يوم، وتجلى ذلك بوقوف سوريا وحيدة، دوناً عن سائر دول المنطقة، ضد الهمجية والعدوان البربري الصهيوني الهمجي على لبنان، والذي اعتبر في حينها الذراع العسكرية المنفذة للشرق أوسطية، والمخاض الذي سيحمل بشرى ولادتها وزفافها للمنطقة كما عبرت رايس.

نعم هناك خطر سوري ضد اجتياح المنطقة سياسياً وعسكرياً وثقافيا ونفسياً. خطر يتمثل في وقف عملية أمركة وأسرلة المنطقة لجعلها مجرد أجرام طائفية ومذهبية وإثنية مجهرية متناحرة تذوب وتتلاشى حتى الانقراض في مدارات عبثية من الاقتتال والتطاحن والصراع.

بهذه المعاني فقط نوافق، ونتفق مع "كثيرين" على نظرية الخطر السوري المزعوم.

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
وادي النصارى يشتعل والنظام صامت      هجمات متفرقة تلاحق عناصر الأسد.. خسائر كبيرة تطال أمن الدولة بدرعا      على ذمة "الميادين".. جيش الأسد يدخل "الطبقة" ويتوجه شمالاً      أردوغان يوجه رسالة شديدة اللهجة للجامعة العربية      الفاتيكان: أحداث سوريا أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية      الائتلاف: النظام سخّر ميليشيات "pyd" لوقف مشاركة الكُرد في الثورة      تحقيق صحفي يؤكد قصف الروس المتعمد للنقاط الطبية شمال سوريا      كيبتشوجي مرشح لجائزة أفضل رياضي في ألعاب القوى هذا العام