أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

الرسوم المتحركة العربية ... وائل محمد البرغوثي

مقالات وآراء | 2008-02-14 00:00:00

 


 
لا أعتقد بأن الحظ العاثر هو الذي يُظهر الأنظمة العربية بمنظر سيء، بل من الأجدى أن نعتقد بأن عبثية قرارات الأنظمة العربية هي التي تلعب الدور الرئيسي في إظهارها بمنظر سيء أمام شعوبها.
 
قدّر لي أن أقرأ ثلاثة تقارير إخبارية في نفس الساعة، فحزنت فعزلت نفسي ثم ضحكت.
 
كم من القرارات الحاسمة التي كان على الوزراء العرب أن يجتمعوا استثنائياً لها، ولربما كل يوم لمدة عام كامل إذا باشروا أعمالهم من اليوم، ليتداركوا ما صنعت أيديهم وأيدي ما سبقتهم من الأنظمة العربية السابقة الموروثة وغير الموروثة.
 
لنفترض جدلاً بأن وثيقة تنظيم البث والاستقبال الفضائي في المنطقة العربية التي تم الاتفاق عليها بين غالبية وزراء إعلام الدول العربية (لبنان وقطر هما الدولتان الوحيدتان اللتان لم توقعا على الوثيقة) قد تم إنفاذها وقامت الدول العربية بإنشاء أجهزة سلطة مختصة بنود هذه الاتفاقية، فلنرى جدلاً ما الذي يمكن أن يحدث:
 
البند الرابع، 1: حماية حق الجمهور في الحصول على المعلومة السليمة
 
سيتم إيقاف جميع البرامج الحوارية التي تتهم المحور الإيراني - السوري وحلفائهم بزعزعة الاستقرار في المنطقة، حيث أن "المعلومات" التي يتداولها المتحاورون في هذه البرامج "غير سليمة" ولا تتحرى الصدق والدقة فيما تبثه من بيانات ومعلومات وأخبار (البند السابع، 7 من الوثيقة نفسها). أما إذا كان مفهوم "سليمة" هنا هو ما يصب في خانة التطبيع وسياسات "الاعتدال" العربي، فعلى الدنيا السلام.
 
البند الرابع، 5: عدم التأثير سلباً على السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية والنظام العام
 
لا أستطيع التفكير إلا بسيناريو واحد هنا وهو منع استقبال جميع اتصالات المشاهدين في جميع القنوات التلفزيونية والإذاعات العربية.
 
البند الخامس، 1: الالتزام بحرية التعبير على أن تمارس هذه الحرية بالوعي والمسؤولية بما من شأنه حماية المصالح العليا للدول العربية وللوطن العربي
 
يجب على الأنظمة العربية الإعلان وبسرعة عن حاجتها لمتحاورين ومتحدثين ليمثلوا هذه الأنظمة على القنوات التفزيونية العربية باستضافتهم يومياً للحديث في مختلف نواحي الحياة، لضمان من أن البث يلتزم بحرية التعبير وفقاً للمصالح العليا للأنظمة.
 
البند السادس، 1: احترام كرامة الإنسان واحترام خصوصية الأفراد والامتناع عن انتهاكها بأي صورة من الصور
 
سيتم منع بث جميع الصور الإخبارية والوثائقية التي تروي مآسي الشعب الفلسطيني والعراقي من باب "احترام كرامة الإنسان" الذي تتم محاصرته وتضييق العيش عليه وتصفيته. فالصور التي "تقشعر الأبدان" إذا كان للأبدان صفة إنسانية في وقتنا هذا، ستصبح ممنوعة من العرض.
 
البند السادس، 4: الامتناع عن بث كل شكل من أشكال التحريض على العنف والإرهاب مع التفريق بينه وبين الحق في مقاومة الاحتلال
 
هذا بند مثير، حيث أن مغامرات غير محسوبة للبعض هي مقاومة شريفة للبعض الآخر. وإطلاق الصواريخ ردعاً للاحتلال عند مفهوم البعض هي عبث غير مبرر للبعض الآخر. وإذا سلّمنا بضرورة هذه الوثيقة، فالأولى منع بث جميع التصريحات الصحفية للمتحدث الرسمي بإسم وزارة الخارجية الأمريكية وآخرها الذي قال فيها "بأن العالم بات مكاناً أفضل" بدون الشهيد الحاج عماد مغنية، رحمة الله عليه.
 
البند السادس، 9: الالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية للمجتمع العربي
 
هذا البند مثير أيضاً، حيث أنه الضربة القاضية لجميع القنوات التلفزيونية العربية. فبعد إغلاق القنوات الإخبارية بسبب البنود المذكورة أعلاه، يجب إيقاف بث جميع قنوات الأفلام الحالية حيث أنها تبث أفكاراً تسيء للقيم الدينية والأخلاقية. ولكن أغلب الظن بأن هذا البند سيتم تأجيل إنفاذه لحين استكمال تقديم الوطن العربي بقيم دينية وأخلاقية جديدة، أو اختراع أية وسيلة ترفيهية أخرى للبيت العربي غير التلفزيون. ولربما جاءت الفرصة السانحة لتعود الأسرة العربية إلى القراءة!
 
البند السابع، 4: عدم تناول قادة الدول العربية والرموز الوطنية والدينية بالتجريح
 
استبدال جميع الإعلانات التلفزيونية بأناشيد السلام الوطني لكل دولة مع صورة قائد هذه الدولة أو تلك، وطباعة ملصقات وصور للقائد لترسيخ ثقافة تقديس الأشخاص والمذاهب الدينية عوضاً عن الوطن والتوحيد.
 
هذه نبذة عن بنود الوثيقة التي ظهرت على الملأ بعد أسبوع واحد من شكوى اللجنة الدولية لحماية الصحفيين في تقريرها السنوي الذي نشر الأسبوع الماضي من ازدياد هيمنة الحكومات العربية على وسائل الإعلام الخاصة من خلال التحكم برخصة البث أو النشر وكذلك فرض الرقابة الذاتية على المؤسسات الإعلامية العربية (1).
 
لا أدري ما الذي سيجده وزراء الإعلام العرب للسماح ببثه على القنوات التلفزيونية العربية في حال إنفاذ هذه الوثيقة، وإذا كان الموضوع موضوع حفاظ على القيم والثقافة العربية، فإذن الأولى البدء ببعض حلقات توم وجيري لأنها تحتوي على إيحاءات جنسية، حيث أن توم يتدلى لسانه وتجحظ عيناه ويسيل لعابه ويتخلى عن مطاردة جيري ليجلس تحت قدمي أية قطة جميلة يراها بالصدفة.
 
وحلقة أخرى تتناول رموز دينية عندما رفع توم السكين على جيري الذي هرب وصعد إلى الطابق الأعلى هربا منه، فقام توم بسحب السجادة من تحت قدمي جيري ولم يأخذ بعين الإعتبار البيانو الذي سقط عليه فوقع على توم ومات. ويبدأ تناول الرموز بتهكم عند خروج روح توم إلى السماء للمحاسبة!
 
كما يجب أيضاً إيقاف حلقات سوبرمان لاحترام كرامة الإنسان ومنع الجيل الناشيء من أن يلبس لباسه الداخلي فوق بنطلونه الخارجي!
 
وأنادي بحذف المشاهد التي يدخن فيها توم ويشرب الكحول حيث أنها تخالف البند السادس، 12 الذي يدعو إلى الامتناع عن بث المواد التي تشجع على التدخين والمشروبات الكحولية.
 
أما العنف بين توم وجيري ، الذي يمكن أن يؤثر بشدة في نظرية السلم الاجتماعي المذكورة في الوثيقة فحدث ولا حرج! وإذا كان منع البث سيطال حلقات توم وجيري، فماذا تظن بأنهم فاعلون بحلقات عدنان ولينا اللذان "يجاهدان" ضد الاحتلال؟
 
أما عن برامج الشعوذة والسحر والفتاوي ومسابقات الرقص والغناء فلم تلقى نصيباً لها في الوثيقة في تفسيري المتواضع للبنود "العامة" لها والتي يمكن تفسيرها كيفما شاءت سلطة عربية ما.
 
التقرير الإخباري الثاني كان عن إعادة نشر 17 صحف دنماركية يوم الأربعاء 13 فبراير للرسوم المسيئة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وذلك تضامناً مع "حرية التعبير". ولا أدري إذا كان استضافة مسلمين من الدانمارك على القنوات التلفزيونية لإلقاء الضوء على آخر مستجدات إعادة نشر الصحف للرسوم المسيئة يمكن أن يتم منعه للحفاظ على السلم الاجتماعي وعدم تناول القادة الدينيين بسوء!
 
لقد قامت الصحف الدنماركية بإعادة النشر بعد يوم واحد من إقرار وثيقة وزراء الإعلام العرب، فالإعلام الغربي يعتبر الدفاع عن "حرية التعبير" غالي الثمن. وإن كان القرار بغرض استهداف مجموعات متطرفة لا تحترم القيم والمباديء الدنماركية، فإن حملة الاعتقالات التي طالت تونسيين ودانماركي من أصول مغربية قد انتهت وتم ترحيل التونسيين ومراقبة المعتقل الثالث لعدم توفر الأدلة الوافية لدى المخابرات الدنماركية لمحاكمتهم (2).
 
الأرجح بأن الإعلام العربي الرسمي سيقوم بالتغطية على خبر إعادة نشر الرسوم المسيئة أو ربما التركيز على إطلاق سراح المعتقلين العرب حتى لا يتسبب "بتفجير" مشاعر الكراهية والبغض بين الشعب المسلم وبين الشعب الدنماركي طبقاً للبند الخامس، 1 والبند السادس، 4 من الوثيقة!
 
أما التقرير الثالث فهو تقديم حكومة أستراليا لاعتذار تاريخي لسكان البلاد الأصليين عما سببوه لهم من آلام بسبب ما عرف بسياسة الاستيعاب السابقة التي انتزع بمقتضاها بعض أطفال السكان الأصليين من عائلاتهم لتنشئتهم وسط أسر للبيض, خلال الفترة من عام 1910 حتى عام 1970. وطلبت الحكومة الأسترالية الصفح عن الآلام والمعاناة التي لحقت بهذه الأجيال وأحفادهم وعائلاتهم (3).
 
فمتى يأتي طلب الصفح من الشعب العربي لانتزاع الأنظمة العربية لثقافة أجيال كاملة واستيعابها في منظومة العالم الغربي "الحر"؟
 
أكاد أجزم بأن وثيقة تنظيم البث والاستقبال الفضائي في المنطقة العربية تعد في سياق الظلم والاحتكار السياسي والاجتماعي الذي تمارسه الأنظمة التي وافقت عليها، ولقد صدق معروف الرصافي حينما قال:
 
عجبت لقوم يخضعون لدولة،،،، يسوسهم في الموبقات عميدها
وأعجب من ذا انهم يرهبونها،،، وأموالها منهم ومنهم جنودها
 
 

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
مقتل قادة سوريين في "الحرس الثوري الإيراني"      قريبا في أسواق سوريا الأسد.. اللحوم والمواد الغذائية على البطاقة الذكية      مواقع إسرائيلية..القصف استهدف مقر القيادة الإيرانية داخل مطار دمشق      هنا إدلب..الصاروخ روسي والمنفّذ إيراني والضحايا سوريون      الداخلية التركية: القبض على "خاطف الجثث" في عفرين      رقصة الموتى الأخيرة.. جدارية يبعث فيها فنان يمني رسالة لفرنسا      في اليوم العالمي للطفل.. تقرير يوثق قتل عشرات آلاف الأطفال في سوريا      ضحايا وحرائق.. ميليشيات إيرانية تقصف مخيما للنازحين على الحدود السورية التركية