أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

بصوته قتلوني... أوصاف الفارس

مقالات وآراء | 2012-10-31 00:00:00
زمان الوصل
كم هي صعبة تلك الساعات، الدقائق، الثواني التي يعيشها المعتقل بين حنايا زنزانته، و ما أطولها لياليه و ما أكثر مايعانيه،يبكي ويتألم، و يعاني ولايجد من يشعر فيه.

تتعدد أساليب التعذيب، و خاصة في معتقلاتنا الأسدية الهمجية،يتفننون بها و بكل وحشيه.

فيما يلي قصة قصيرة لطريقة تعذيب نفسية عانت منها حرة من حرائرنا في منفردتها التي لاصوت لها ولاصدى، أشباح من سكن قبلها وقصصهم تزحف على جدرانها،ذكرياتها وحدها هي من تؤنس وحدتها.

كانت الجدران أقرب ما تكون إلى الجليد ... صماء ... باردة ... و الوقت فيها يمر دون أن يترك خلفه أية امارة... ثلاث دورات لمفتاح السجان في قفل الزنزانة كانت وحدها الإيقاع اليتيم للزمن في غياهب المنفردة.
و في أحد تلك الأيام التي تشابهت فيما بينها، و على غير المعتاد دار المفتاح في القفل ثلاث دورات جنونية .. ليفتح الباب فجأة و يطل وجه السجان مكفهراً غاضباً.

كانت الصدمة ربما أكبر وقعاً من أن أفكر في شيء، فالزمن توقف،و الدم تجمد في عروقي، و شبح الإعدام يتربص بي.

سريعا مرّ شريط قصير لسنوات حياتي الخمسة و العشرين .. سريعاً مرت وجوه أحبتي ... سريعا مرت ذكريات الثورة و شهداء الثورة و معتقلي الثورة .. سريعاً سريعاً مرت أسماء من استشهدوا تحت التعذيب ... وقف ذاك الشريط هنا.

نعم، لست أغلى منهم فليتقبلني الله و ليصبر أهلي نهضت مسلّمة مستسلمة فلاحول لي و لاقوة سلمت بالمصير القادم و استجبت لإيماءاته الكالحة ... وقفت عند الباب الحديدي الصدئ وقف خلفي .. قيّد معصمي إلى الخلف، و وضع العصابة على عيني و قال لي بصوت عميق كأنه من أعماق بئر ... "قدامي يلا ".

سرت بصمت و صوت قدمي و قدميه خلفي يمزق صمت الموت الذي يخيم على المكان المجهول حاولت أن أشتم و لو للمرة الأخيرة .

رائحة شيء ما ... كانت رائحة الدم فقط هي التي تحيط .. على ما يبدو كان الوقت بعد منتصف الليل فقد صمتت أصوات التعذيب و صراخ المحققين الجنوني ... استوقفني من جديد صوته "انزلي هون في درج " كنت أشعر أن كل درجة أهبطها و كأنني أهبط إلى الموت القريب ... لا أذكر كم كانت تعدادها.. انتهى الدرج إلى ممر بل دهليز يودي إلى مجموعة من الزنزانات فتح إحداها و أدخلني إليها ... بقيت مقيدة و معصوبة العينين ... لم يغلق الباب .. لم يدرمفتاحه في القفل دوراته الثلاث ... لم ينطق بحرف، فقط شعرت بابتعاده شيئاً فشيئاً حدّ التلاشي.

بقيت واقفة أفكر ما هي الطريقة التي سيعدمونني بها ؟ هل سأخضع لتعذيب قبل أن يقتلوني ؟؟ هل و هل ؟؟ كانت إشارات الاستفهام تزدحم في رأسي،و لم يقطع سلسلة أسئلة المجهول سوى صوت السوط يجلد أحدا ما .. أصغيت بترقب علني أكون أنا التالية، ارتفع صوت الضرب أكثر، و ارتفع معه أنين الشاب .. "علّي صوتك ولاه جايبينلك مستمعين " كتم آهاته، صوت الكهرباء التي تلسع جسده يعلو و يعلو معه صوت الجلاد الحاقد " يا عمي قلنالك جايبينلك مستمعين علي صوتك لنشوف".

تلك الصرخة ... تلك الآهة .. ذاك الأنين كان ذاك صديقي الذي طالما كانت ساحات الحرية تجمعنا مع الأحرار، ما كان بنيتهم قتلي لكنهم بهذه الأصوات حقا قتلوني .

نعم ! يقتلون فينا الإحساس ،يحاولون كسر كبريائنا ،يحيطون بعواطفنا، لكن هيهات لهم ما يخططون، ينجحون بتعذيبنا نعم،نتألم نعم،لكننا لن نيأس سنواصل ما بدأناه وسنتحرر من قيودهم عاجلاً غير آجل .


2012-11-04
الله اكبر
التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
تحقيق أممي: حملة الأسد على إدلب شرّدت نصف مليون مدني      املئوا الخزينة.. مخالفة مرورية بسيطة باتت تستدعي غرامة تمثل 3 أضعاف الراتب      محلي "إعزاز" يمنع التظاهر "حفاظا على المصلحة العامة"      "جنبلاط" للأسد وأنزور: يا أشباه الرجال      المقداد مهددا واشنطن: لن نسكت طويلا      السوريون يتصدرون طالبي اللجوء إلى قبرص      القبض على ألماني هاجم ليبيا مقعدا      منظمات حقوقية تطالب الأسد بالإفراج عن المحامي "خليل معتوق"