أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟... نضال نعيسه

"قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب". قرآن كريم، الزمر 9.
 والجواب الافتراضي والسريع هنا، وبالطبع، لا. غير أنه وفي في هذه الجزر الفقهية المغلقة والمعزولة عن تيارات الحداثة والتنوير، والتي يتسلط عليها الجهلة والسحرة الدجالون، تنقلب كل القيم والمفاهيم والأعراف، والقوانين والموازين وكل المعايير  الطبيعية الأخرى، ورأساً على عقب، ويصبح ما لا يجوز جائزاً وعادياً ومألوفاً، واللاممكن ممكناً، والاستثناء قاعدة، ليصبح الجواب عندها، وأستغفر المولى الر حيم على كل حال،  نعم يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، والذين يفهمون والذين لا يفهمون، والذين يفقهون والذين لا يفقهون، والذين يعملون مع الذين لا يعملون، ويتساوى المبصرون مع العميان والعوران، والمتحدثون الفهلويون مع الصم والبكم والطرشان الذين لا يسمعون  ولا يتكلمون. ويستوي الطبيب والمهندس والعالم مع الجاهل والأمي والفاجر السفاح.
لقد نفى والد الطبيب الأردني المعتقل بتهمة التفجيرات الأخيرة، ومن على إحدى الشاشات، ضلوع ابنه في  المحاولة الإجرامية الآثمة الأخيرة فيما عرف بخلية لندن "الطبية" التي كانت تخطط لتفجيرات مماثلة لتفجيرات لندن في 7/7/2005. وكما نفى سابقاً، والد محمد عطا مايسترو، وفارس بني طالبان، في غزوتي مانهاتن وواشنطون أن يكون لابنه أية أياد في تلك التفجيرات الفضائية الانتحارية، لكن سرعان ما أكد ذلك، وبعظمة لسانه "الشيخ" أسامة بن لادن. وإذ كنا نقدّر للوالدَيْن المفجوعين بفلذة أكبادهما هول الفاجعة، وحجم المفاجأة، وقوة الصدمة وعدم التصديق، ونتضامن، بكل جوارحنا، مع حزنهما وألمهما العميقين، وتضحياتهما العبثية وجهودهما المهدورة، بعد أن تحول الشباب الغض الندي المسالم لذئاب بشرية فتاكة وكواسر جارحة وجائعة تبحث كسمك القرش المفترس عن رائحة الدم  أينما كان، لنقول إن الواقع مغاير، ومختلف، تماماً لما في ذهن الأبوين المكلومين، وما ارتسم في ذهنيهما عن مستقبل وردي وحالم ينتظر الفتيان طالما أن شيوخ التكفير والظلام والدعاة وتجار الأديان والجزارون "ارتؤوا" مستقبلاً شؤوماً خاصاً بمشروعهم، ومناقضاً لما في بال الأبوين، ليقضونه، وفي أحسن الأحوال، إما في غياهب السجون، أو منبوذين في المجتمعات، أو يتطايرون كأشلاء في الفضاء ولا تعرف لهم لا قبور ولا أجداث.  وإنها لدعوة وصرخة خالصة أن تتكاتف كل القوى الخيرة والمؤمنة والمحبة لشباب هذه الأوطان المنكوبة، للحجر على جميع المحرضين على العنف والكراهية، وإبعاد أولئك الضالين البغاة عن عقول وأحلام هؤلاء الفتية الصغار، الذين هم في النهاية ضحايا، تماما، كضحاياهم الذين كانوا يضمرون لهم  الشر وينوون قتلهم واستباحة أرواحهم. فهم في النهاية، وبعد تعرضهم لعمليات غسل الدماغ تلك، أموات وخارجون من معادلات وحسابات الأحياء. وما أصعب أن يموت كل شيء في نفس، وقلب، وروح الإنسان وهو باق على قيد الحياة، ويتحول لمجرد آلة ميكانية يتحكم بها وعند بعد المكرة والدهاة والقتلة الخبثاء.
أعشق الطفولة، وأتغنى بها وأعتبرها إحدى روائع الطبيعة والجمال، غير أنني، وبالأمس القريب، كنت أسير في إحدى الشوارع الكئيبة والبائسة، وقد خرجت مجموعة من الأطفال الصغار الحلوين، وهم بأزيائهم الطالبانية التي لا تخطؤها العين من إحدى الدروس الدينية، وشعرت عندها بنفور غريب وكريه من هذا المشهد وأدركت على الفور بأنه قد تم القضاء على طفولة هؤلاء ودخلوا في دوامة لا متناهية، وفي ذاك النفق الدامي من الاستكانة الفكرية والشلل الدماغي العام الذي يدمر الشخصية الإنسانية عبر  ما يبثه في النفس، ويتركه  الفكر الضال الذي لا يحض على المحبة والإلفة والوئام بين الناس. فحين يتمكن الفكر الظلامي الأسود الضال(التسمية الرسمية السعودية لقطعان القتل والتفجير)، من عقل وقلب المرء، فيستوي عندها الجميع، ويصبحون سواسية كعمامات الفقهاء، وينطقون بنفس خطاب علماء "الأمة" الأبرار. ويقود، عندئذ، الأميُ العالمَ، والمريضُ الطبيبَ، والأعورُ البصيرَ، والجاهلُ الحليمَ، والطفلُ الصغير الرجلَ الكبير، وكله باسم الدين، وباسم الله.
كم كان الاستغراب والدهشة والذهول يتملكاني وأنا أتابع شيوخ "الصحوة" الأجلاء، في حلقات الذكر المنقولة فضائياً وهم يحقنون مستمعيهم المساكين من ضحاياً التسونامي الصحوي، وحقبته البترودولارية، بتلك الجرعات العالية من السموم الفكرية والمخدرات، والتي تحتوي على كم هائل من التبسيط والتسطيح والتسطيل والاهتراء، فيما ترى الحضور سكارى مخدرين وجذلين، بما أوتوا من خمر وخدر لذيذ وعذب الخطاب الطنان الرنان، ومطربين بحلو الكلام الذي كان يـُلقى على مسامعهم دون نقاش أو سؤال ويأخذونه من بابه لمحرابه على محمل القدسية والتأليه ودون جدال. وكم كان القوم في تلك الحضرة الصحوية المباركة في حالة من النشوة العارمة متناسين كل مشاكلهم الحياتية اليومية، ومعلقين بعوالم افتراضية وسحرية تأخذهم إلى  كواكب وأزمان أسطورية سالفة آفلة مليئة بالورود والرومانس تلهيهم عن واقعهم المر الأليم المعاش والذين لا يملكون حياله إلا التشبث بحبال الأوهام ، والتي يجيد فبركتها وصناعتها هؤلاء الدعاة. 
لقد استغرب كثير من المعلقين والكتاب كيف تحول مجموعة من الأطباء إلى قتلة ومشاريع انتحار ودبـّجوا لذلك عشرات التحليلات والمقالات. وفي الحقيقة، ووفقاً لما هو متوفر من حقائق ومعطيات، فلم يكن الأمر مفاجئاً، البتة، فهذا الغيث من ذاك المطر، ويتوقع لاحقاً،  الأغرب والأفظع، ما دامت هذه المجتمعات ترزح تحت نير الفكر الضال، وثقافة تكفير الناس والتحريض، وبث الكراهية والبغضاء بين الناس ودون وجود أية آليات وقوانين رادعة تمنع التحريض وتحول دون  ممارسة العنصرية والاستعلاء تمنع احتكار دروب السماء.  
وحين كانت تدور تلك النقاشات الفكرية مع بعض الزملاء والأصدقاء من حملة الشهادات الجامعية العليا، والذي من المفترض أن يتحلوا بشيء من المنطق، والعقلانية، والمفهومية، والتحليل العلمي للظواهر، والأفكار، والأشياء، كنت ألحظ القدر الكبير من المسلمات والحلول الجاهزة والتبسيط والتسطيح الفكري الذي كانوا يتحلون به. وأرى أحدهم، وقد تحول لواحد من "شيوخ الكتـّأب" شبه الأمّي حين يتعلق الأمر ببعض المفاصل الفكرية الحاسمة والأحداث التاريخية الموروثة والتي يدور حولها عشرات الأسئلة وعلامات الاستفهام، وقد تشبث بها كحقائق دامغة لا تقبل الشك أو التمحيص والارتياب. وكم كنت أتأسف على  تلك المدارس والمعاهد والجامعات التي أفنوا عمرهم بها، والتي لم تخرج إلا أنصاف المتعلمين، والأشباح الهائمة منزوعة الإرادة التي لا تمتلك لا حرية التفكير، ولا السلوك، أو اتخاذ أي قرار، وسلمت مصائرها وحياتها وقيادها إلى مجموعة من الأميين والجهلة الأدعياء. وخلية لندن، نفسها، خرجت من ذات هذه الجزر الفقهية والأوكار السلفية التي لم، ولن تخرج  إلا هذه النماذج الرثة من المومياءات والمستحاثات. فالمقدمات الخاطئة تقود لنتائج خاطئة والعكس صحيح. إلا أن القادم أدهى، وأعظم، وأخطر، وبما لا يقاس، وكل ذلك، طبعاً، بمشيئة العزيز المقتدر القهار، وبركة، وتواطؤ أنظمة القهر والإفقار والاستبداد.

(40)    هل أعجبتك المقالة (41)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي