أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الثورة السورية والمثقف المشاريعجي .. الياس س الياس

" المثقف المشاريعجي، يملأ شنطته بأفكار وأوهام وخيالات ومشاريع من كل المقاسات والأحجام والألوان بكل الأسعار والأثمان" انيس صايغ

ذات يوم، حسن حين كنا نظن أن هؤلاء المثقفون الذين احتلوا مساحات حياتنا يقرعون خزانات أعماقنا، كتب لنا أنسي الحاج عن جماهير الفرجة العربية، عن فعل الاغتصاب في العتبة حيث الجمهور يريد أن يتفرج فيدفع بالأم بعيدا... والأم تستصرخ أن يساعد ابنتها أحد... إلى بغداد حيث كان الزمن المتفرج يسود مشهدا عربيا يعيش مخيرا بين خنوع وخنوع... هذا ما قدمته مجلة الناقد التي توقفت عن الصدور.. قبل أن نرى الاسم ملتبسا علينا في توجه آخر..
هكذا ظننا، بعضهم ما زال يكتب لنا ( وفي زمن الثورة السورية مرة أو مرتين في العام عنها, أو يحيلنا هؤلاء لكتابات سابقة) في صحيفة الأخبار البيروتية ..
مشكلة البعض من هؤلاء أنهم لم يمارسوا الصمت، بل جاهروا بما وصلهم دون تمحيص من عسس و"عواينية" نظام يعرفونه تماما... حين كانت الجماهير الفلسطينية ذات يوم بصدد دفن أمين عام جبهة التحرير الفلسطينية طلعت يعقوب اختطفته المخابرات السورية، وقف "المثقف والكاتب" رشاد أبو شاور مخاطبا الناس بأن الفلسطينيين لن يدفنوا بعد اليوم الشهداء في سوريا! والرب الذي لم يسترح في اليوم السابع بعد نفي المقاتلين من بيروت تجده في صحيفة القدس العربي نائما يغفو غفوا مخيفا في موقع عرب٤٨ بكتابات قيل عن قال بكتابات الاستاذ رشاد نافيا وجود حركة وطنية سورية ومطالبا الجماهير العربية التيقظ من اجل القدس التي لم يقدم ثري ايراني واحد مبلغا لعيادة او دار ايتام فيها سوى صناديق شعارات نجاد والخامنئي... ومن يريد أن يذكرني بالبترودولار كان عليه أن يذكر يسار ويمين المنظمة بمصدر أموال الصندوق القومي ويذكر دول الطوق بمصدر اموالهم واموال حفر الباطن... لا أن يحمل مشرطه بوجه الناس مهددا اياها السير على الصراط المستقيم لبشار الممانع أو السقوط في تهمة الاستسلام المريع!

كانت الثورة التونسية والمصرية والليبية واليمنية والبحرينية نقاط تحول في قرع الخزانات العربية، قبل أن يحمل هؤلاء مشارطهم ليخبروننا فجأة بأنهم ما كانوا يقصدون أن ننخرط في المؤامرة... حين وصل الأمر لسوريا، صارت الكتابة كنوع من الغضب على جماهير خرجت من المسجد.. ومن هول الصدمة راح مثقف كأدونيس وغيره من الباحثين عن جوائز ادبية ينسون كم طول لحية الخميني وحسن نصر الله لو كانت المقاييس باللحى لكان جيفارا نصف ثائر وكاسترو ربع ثائر في تقييم هؤلاء...هؤلاء كانوا ينظرون الى مشروعهم ( ربما من فرط التصديق) بأن شروطه لم تكتمل طالما أن التحولات العلمانية لم تكن كما رغبوها... لذا لم يكن ثمة مشكلة أن يستدعي بعضهم تطويع اللغة لتخيير الجماهير بين مستبد فاشي وجمهور المسجد... وبالتالي ما من مخرج سوى رفض الثورة ريثما تتحقق الشروط في زمن الوريث الثاني ممثلا بحافظ الصغير...

"المشروع الإمبريالي" ببساطة شديدة فتح ناره في سوريا... هكذا هي القراءة كلما بحثنا عن مثقفيـ"نا" الذين ما زالوا بيننا يأكلون ويشربون في بلادنا وبلاد الغرب الامبريالي نفسه.. ولمواجهة المشروع الإمبريالي الأميركي كتب لنا مثقفنا أسعد أبو خليل تحفة من كولومبيا في اميركا ليخبرنا بأن النظام السوري دمر أحلام جيل كامل في عام ٧٦... لكن لتبرير الموقف وحتى لا يوصف الثقافي بشيء غير مثقف كان لابد من التذكير بجرائم النفط العربي والقوة الباطشة للصهيونية... كله لأجل أن نقتنع بأن الرمادي لون من ألوان التفاؤل بالمتغيرات التي تتناسى أفعال أمير المقاومة وقناة المقاومة ونقود الصمود والتصدي ... ويا للمصادفة كلها من الخليج... وأردوغان العثماني كان في الأمس وسيطا نزيها مع الصهاينة...
هل من مزيد من المشارط إذا ما سألنا سؤالا لأنسي الحاج ومن خلفه كل هؤلاء: من هي الجماهير التي تم نعتها بجماهير الفرجة العربية؟... هل هو جمهور البروليتاريا الكادح في أعالي جبل الزاوية أم هؤلاء المهمشون في المدن الكبرى الذين كانوا يستبدلون نصف أجرهم اليومي لاقتناء صحيفة أو أجر نصف شهر لشراء كتاب مُهرب؟..

قد يظن البعض بأن مثقفا سوريا وقف مع شعبه لم يعد جزءا من منظومة و "طبقة" هؤلاء لأنه ببساطة وفق تصنيف زميل هؤلاء من وزن بسام أبو عبد الله أو شريف شحادة أو أحمد صوان وفيصل عبد الساتر ونزار نيوف هو بالتأكيد مثقف مخادع لأنه لم يقبل بنظرية المؤامرة الكونية التي وصفها مؤخرا زعيم مثقفي جلسات "ربوة دمشق" بهجت سليمان بأنه مؤامرة " صهيووهابية"... عجبي! فالوهابيين كانوا في الزبداني وفي المزة وكفرسوسة وصلنفة والفورسيزونز... وبتنسيق علي مملوك وبندر كانت طائرة زعيم الوهابيين تحط بدمشق وبيروت... والعثماني كان يركل الحدود مع زعيم " العلمانيين" في الشام... فما الذي جرى حتى يصير علي فرزات وصادق العظم وعبد الرزاق عيد وبرهان غليون وميشيل كيلو وجورج صبرا وغيرهم مجرد "عرعوريين" سلفيين!... وكيف صار ياسين الحاج صالح لاجئا في بيت السفير الأميركي بدمشق؟!
في كتابه (حوار في علاقات الثقافة والسياسة ١٩٨٤) نشر د.فيصل دراج "حوار مع هاني الراهب" قام به راسم المدهون (ص٣٥) :
"أعتقد أن اللغط المثار حول هذه الموضوعية جزء من الضجيج الذي تثيره الأنظمة العربية المهزومة عبر أجهزة إعلامها وكتابها وصحفييها. يريدون أن يصوروا للناس وضعاً آخر غير الهزيمة الشاملة فيحدثونك عن البطل الايجابي. مهم جدا أن تستمر الأوهام و الأساطير والشعارات المتعلقة بالاستمرار والتقدم والانجازات وإحباط التآمر الامبريالي الصهيوني... الخ من هذه الرواسم والجواهز... لذلك يقوم كتاب السلطات العربية بتقديم نماذج ايجابية لترسيخ ادعاءاتها."

هل الشاعر الكاتب الصحفي المفكر هو من كتاب السلطات العربية؟
ليس بالضرورة بالتعريف، لكن بالضرورة أن التلاقي بينهم وبين استضافات واقتباسات اعلام هؤلاء لما يتفوه به أو يكتب عنه هؤلاء يصب في حملة نظام يصر على التعامل مع الشعب بعقلية الرعية من الطلائع حتى التخرج بقوالب ذاتها مر عليها ما يقارب ٣ عقود كانت كافية لتصنع ثورة على العقل نفسه المغيب ها هنا في "خيانة المثقف" لدوره... دعونا نسأل عن الرابط بين "مثقف" كان يصرخ بوجه "المؤامرة الأميركية" في احتلال العراق ويهاجم كل أدواته وبين صحوة فجائية ليدافع فيها عن "محور المقاومة" وعن مالكي بغداد تحديدا ( في حلقة الاتجاه المعاكس سمير عبيد حين انتفض دفاعا عن الاسد والمالكي!).. هل دور المثقف هو خدمة الطبطبة على الخطاب الطائفي إن وجد أم رفضه؟
وبكل تواضع أبشر نفسي وأُبشر العرب بأننا سنكون أمام خطاب يستل من الطائفية سيفا كلما اقترب أي انسان من تفكيك منظومة النظام الفاشي في دمشق... صفة معاداة السامية عند الصهيونية تجد رديفا لها الان في سوريا... محظور هناك الاقتراب من السؤال الذي يدفع مثقفين لبنانيين يرفضون اختزال وجودهم بحسن نصر الله بتساؤل محق عن طبيعة القراءة الايرانية مثلا لوظيفة نظام عصاباتي في دمشق كما يصير مقدسا السؤال عن دور خطابي وفعلي لعصابات طائفية في العراق يتزعمها مقتدى الصدر... بل يصبح المتاح الوحيد ليثبت المثقف انفتاحه على افق ضيق أن يتناول ميتافيزيقيا ابن تيمية والوهابية والسلفية بحق أي كان بما يشبه الحواجز العسكرية والأمنية في دمشق وحاراتها...
الفرق بين خطاب يمجد الديكتاتور والفاشي المسمى علماني زورا وبين خطاب يقدس الحاكم الذي لم يكن سوى في العقد الثالث من عمره حين تم تجهيزه للتوريث هو كالفرق بين طالب ابراهيم وشريف شحادة كعنوانين لمصدر الخبر عند من يصدق روايات تروى عن ثورة السوريين... والتي هي ليست سوى ثورة بشر وليست ثورة ملائكة ولا بمقياس مسطرة هؤلاء المثقفين الذين باتوا ينظرون إلى الياس خوري مثلا كرجعي.. !

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي