أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

هنا دمشق.. حيث "أبو رمّانة" أكثر عشوائيّة من "الحجر الأسود"!... نور الشامي

من ذاكرة ما قبل الثورة..

كنت تعلمت قيادة السيارة حديثاً، وحين أكون خلف مقودها لا يسعني الموقف أن أفكر بأشياء أكثر من التنسيق بين مكان قدمي على المعضلات الثلاث في الأسفل، وحركة يدي على ناقل السرعة.. أما الطريق فلم يكن في تلافيف دماغي متسع لأفكر به..

سرت على أتوستراد المزة، قاصدة أحد المطاعم في شارع الفارابي الموازي للأتوستراد، وفي غمرة الحركات الكثيرة التي تتطلبها قيادة سيارة بالنسبة لأنثى في الثامنة عشرة، تشتت انتباهي ومررت أمام الحارة الموصلة للشارع دون أن أدخلها، وصرتُ أمام مشفى الرازي وخياراتِ محدودة أحلاها مر; فإما العودة إلى ساحة الأمويين المزدحمة، أو الرجوع عكس السير إلى الخلف، وبالنسبة لي مقابلة العنقاء أقرب من الخيارين.

قادني حدسي العبقري بالاتجاهات، إلى افتراض أن الدخلة التالية للمشفى لابد أن توصل إلى الشارع المنشود من إحدى تفرعاتها، فأخذت نفساً عميقاً متناسباً مع حركة الإقلاع بالغة التعقيد، والتي تحتاج تنسيقاً بين كل الأطراف لتفيذها، والتففت يميناً، وبالمنطق السابق ذاته فإن التفرع القادم يميناً سيوصل إلى الفارابي، وكنت أرى ذاك التفرع لكن علي التمهل فأمامي تزدحم السيارات والميكروباصات..
مهلاً! لم أنتبه قبلا أن هناك ميكروباصات تمر أمام مطعمي المفضل، سيما أن الشارع يعج بالسفارات والقنصليات دون أن يكون شارعاً رئيساً! حسناً.. لم يعد هناك مجال للعودة نحو الأتوستراد على أية حال.

تقدّمت السيارات أمامي ملتفة يميناً وأنا معها، حينها فقط تأكدت أني ضللت الطريق، لم يكن يحمل هذا الشارع أياً من ملامح المزة التي عرفت، لم تكن أبنيته رخامية تتقدمها بوابات سوداء بأقفال الكترونية، وتقف أمامها سيارات أوروبية المنشأ. كانت منازل دون واجهات، تكتفي بالدهان أو باللون الرمادي لخلطة الإسمنت التي بنيت بها، مفرغة من وظيفتها الجمالية، مقتصرة على كونها سكناً يقي الحر و البرد، تتدلى من حوافها أشرطة كهرباء، وتتوزّع بينها المحال التجارية عشوائياً، ويتراكض الصبية بين السيارات لأن الأرصفة معدومة، ويبدو على اليسار مجرى إسمنتي الأطراف تفوح منه رائحة كريهة.

أمعنت النظر في اللافتة المضيئة لأحد الميكروباصات علّ في اسم المكان إشارة تدلني لطريق العودة. كانت خضراء مكتوباً عليها "مزة بساتين".

عشت العشرة أعوام الأولى من عمري في المزة، ولم أسمع عن منطقة "بساتين المزة" ولم أزرها مسبقاً، مع أن طرفاً من "حواكير" الصبارة كان على مرمى بصري من غرفة نوم طفولتي، لكني لم أفكّر يوماً من يعيش إلى جانب الأشجار الشائكة، وما الذي يوجد بجوارها.

تابعت السير خلف الميكروباصات، لأني تعلّمت مسبقاً أن خط سيرها يؤدي إلى مخرج ما من الأحياء، لتلتف وتعود فتدخلها، فكان تتبعها أسهل منفذ لي للخروج من الورطة التي أودى بي فيها حدسي.

وبعد السير الطويل في الطريق "المُزفّت" والذي من قلّة الأدب أن أنعته بالمعبّد لأن في ذلك تبجيلاً زائداً عن اللزوم لبلدية المنطقة التي نفّذته، وصلت إلى المتحلّق الجنوبي، من بين أشجار الصبّارة، وكان الوصول إليه هو أول مشهد مألوف رأيته مذ كنت بالقرب من مشفى الرازي.

أدركت خلال الرحلة القصيرة أن شيئاً من المستحيل أن يجمع حي البساتين مع حي الفارابي إلا بالاسم الأول.. "المزة"، وأنه ربما من الطبيعي أن لا توصل تفرعات أحدهما إلى الآخر، فيكاد يكون كل منهما عالماً قائماً بذاته.

بعد البحث.. عرفت أن المجرى ذو الأطراف الإسمنتية الذي رأيته يسار ممشى السيارات هو مجرى نهر بردى، والذي يكنّى باسم المنطقة عند دخوله إليها، فيطلقون عليه "المزّاوي"، وأن سبب رائحته الكريهة، فضلات المنازل التي تصب فيه بسبب أخطاء في تصميم مجاري الصرف "الصحيّ"!!

وعرفت أن ذاك الحي الراقي بشقيه من الفيلات في الغرب والشرق قائم على رفات هذا الحي البسيط العشوائي، وأن الأتوستراد بأبنيته الفارهة ومواقعه السياحية كان يوماً ما مملوكاً لآباء وأجداد هؤلاء الساكنين، دون أن يُترك لهم رصيف للسير الآمن عليه، ولا "أتوستراد" عريض ليركنوا فيه سياراتهم البسيطة –إن امتلكوها-.


ذكريات ما بعد الثورة..

كنت مناطقية بالفطرة، ليس عيباً مقصوداً مني، لكني لم أحتج في حياتي الخروج من محيط سكني في قلب العاصمة، فكنت أعرف من الأحياء المعدودة في دمشق التي أزورها جانبها المشرق فقط، فعرفت مثلاً من الميدان منطقة "الكورنيش"، ولم أسمع عن "القاعة" و"السخانة" إلا بعد نشوب الثورة.

وكنت أظن أن كفرسوسة هي فقط المجمعات التجارية الضخمة، والمنازل التي تصل تكلفة الواحد منها إلى المليون دولار، ولم يخطر في بالي أن فيها منطقة تشبه "المزة بساتين"، يطلق عليها اللوان والمهايني، لم يخطر على بالي أن وراء "جسر الجوزة" يكمن عالم كفرسوسة الخاص المهمش المنسيّ، والذي نتلذذ منه بالخضار دون أن نفكر مليّاً بالذين زرعوها.

عرفت دمشق باختصار، بت أعلم كيف يصلون إلى القدم والعسالي والحجر الأسود وجوبر، بت أعلم أن هناك حيّاً يدعى التضامن وآخر يدعى الشيخ خالد، وأن حرستا لا تبعد عن دمشق سوى مسير 10 دقائق على الأتوستراد، وأن في القابون أشياء أخرى كثيرة غير كراج البولمان، وأن دوما مدينة كبيرة وليس قرية في الريف.

عرفت أيضاً أن القذائف التي تهزّ منزلي في سفح قاسيون، تنفجر في تلك الأحياء المنسية، التي عرفها العالم كله بأنها منبع الأبطال، في ذات الوقت الذي عرفنا فيه -نحن سكان دمشق- أسماءها وأشكالها ودماثة أهلها وبساطتهم، هؤلاء الذين كانوا يفتحون منازلهم ليختبئ فيها المتظاهرون القادمون من الأحياء المشرقة، في الوقت الذي تغلق فيه منازل جيرانهم في وجوههم.. هؤلاء الذين لم يسألو يوماً "وين أنت ساكن؟"، لأن ما يهمهم في الأمر فقط أنك تتظاهر مع أبنائهم في حارتهم، وأن واجبهم حمايتك وإن اقتحم الأمن منزلهم.. هؤلاء هم العزّل الذين يذبحونهم اليوم بسكاكين الطاغية، وتزهق أرواحهم برصاصه، فيما يعرف إعلامياً "بالإعدام الميداني"، دون محاكمة ودون اعتقال..

هؤلاء هم الذين يموتون الآن كما عاشوا دوماً، دون أن يكون لهم حق الموت في السرير حتى، ودون أن يكون لهم حق الدفن أحياناً، ودون أن تُعرف أسماؤهم في أحيان أخرى إذا نكّل بجثثهم وشوهت معالمها..

هذه هي أحياء دمشق، التي تشرق شمس سورية منها الآن، بينما كانت تغرب منها دوماً..
هذه ليست "عشوائيات" دمشق.. أحياؤنا هي التي كانت عشوائية، وأحلامنا كانت عشوائية.. أصواتنا التي عارضت قبل الثورة كانت حقّاً عشوائية، لأنها لم تنتج ثورة، فقط "عشوائية" هؤلاء هي التي جعلتها ثورة..

والثورة فقط هي التي جعلتني سوريّة.. كما كنت أشتهي دوماً أن أكون..

رحم الله ضعفكم وأسكنكم فسيح جنّاته..

زمان الوصل
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي