أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

الغرب والكيماوي السوري !! ... الدكتور شمدين شمدين

مقالات وآراء | 2012-07-28 00:00:00




من أغرب التصريحات التي سمعناها منذ بدء الثورة السورية للتخلص من النظام الاستبدادي الشمولي الفاسد ، ومن أكثرها إثارة للغيظ والاشمئزاز في النفوس ،ما صرح به المسؤولون في أمريكا وإسرائيل من إمكانية التدخل في سورية حال ورود معلومات عن تزويد النظام لحزب الله اللبناني بالسلاح الكيماوي من مخازنه ، فحين يذكر اسم حزب الله يدب الرعب والهلع في صدور الإسرائيليين ومن ورائهم حلفاؤهم الغربيون فما بالك إذا ما حصل الحزب على السلاح الكيماوي وهدد به إسرائيل ، إنها حقا كبرى الأخطار التي تهدد كيان الدولة العبرية ولكنها أيضا كبرى المهازل في التاريخ الحديث ، ففيضان الدم السوري البريء في كل الساحات والمدن والبلدات ، والموت اليومي الذي بات يحتل أولى عناوين نشرات الأخبار في معظم الصحف ووسائل الإعلام المرئية في العالم ، لم تجعل التصاريح تصل إلى هذا الحد من الجدية في التدخل ، نعم لان المسألة هاهنا تخص إسرائيل ووجودها ، وأمن إسرائيل من واجب الولايات المتحدة الأمريكية ولاسيما إن الأخيرة على أبواب انتخابات رئاسية والرئيس اوباما يحتاج إلى دعم ومساندة اللوبي اليهودي للفوز بولاية جديدة .
منذ بدء الانتفاضة السورية ضد القمع الفساد والتسلط ، لم نلمس الجدية في كل الاجتماعات والمؤتمرات التي عقدت برعاية غربية عربية ، لم نرى الرئيس اوباما يشدد في تصريحاته على ضرورة تنحي رأس النظام وإفساح المجال أمام عملية انتقالية تقود البلاد إلى عصر الديمقراطيات ، لم يفعل كما فعل مع مصر أكبر حلفائه في المنطقة بعد إسرائيل ، حين أرغم النظام على التنحي بعد عقد صفقة مع جماعة الإخوان المسلمين والعسكر لحكم البلاد مستقبلا ، كما إن اوباما لم يتصرف كما تصرف في ليبيا وتحجج بان الوضع مختلف في سورية ، حقاً إن الوضع مختلف مع سوريا ، فهنا لا يوجد نفط كما في ليبيا ، لكن يبدو الآن إن قصة السلاح الكيماوي ربما تصبح بمثابة نفط ليبيا رغم إن المقدسي المتحدث باسم وزارة الخارجية السورية قد تعهد بعدم نقل هذا السلاح إلى جهات خارجية أو استخدامه ضد الشعب ولكنه أرسل إشارة تنبيه بإمكانية استخدامه فيما لو تعرضت سوريا لعدوان خارجي .
لقد اتضح إن الغرب ينظر إلى السوريين كمجموعة من الرعاع والمهمشين والفائضين عن الحاجة ، ولا ضير أن يموت منهم عشرات الآلاف على أيدي النظام ، لا ضير أن ينزح مئات الآلاف من السوريين خارج ديارهم جراء المعارك المتواصلة في كل المدن والبلدات السورية ولا ضير أيضا أن يعيش الباقون في خوف من مستقبل اسود يهيم على بلادهم في ظل تصاعد وتيرة الحرب الأهلية ، وحاضر يهيمن الجوع والعوز الاقتصادي على كل مفاصل الحياة اليومية .
لا يبالي الغرب حقا بدموع الأطفال وعويل النساء والخوف الكامن في الصدور من هدير طائرات الموت ومناظر الجثث المتعفنة في سواقي وأحراج وبراري الوطن ، هذه المشاهد التي لن تزول من العقول لعشرات السنين القادمة ، جل ما يهمهم هو أمن إسرائيل وكيانها وهم إذ يرمون بالكرة في الملعب الروسي فكأنما يضحكون على أنفسهم قبل أن يضحكوا على العالم ، فهم بكل سهولة يستطيعون ممارسة مختلف أشكال الضغوط على روسيا إن أرادوا ذلك ، لكن يبدو إنها مؤمراة دولية تحاك ضد تطلعات الشعب السوري والوطن السوري ، مؤامرة يخطط لها الكبار وينفذها النظام وأعوانه دون أي خوف من العواقب ، فبعد التفجير الأخير الذي طال مبنى مجلس الأمن القومي وما نتج عنه من قتل لكبار قادة النظام وفي ظل التسليط الإعلامي على الحادثة ، قام النظام بارتكاب المجازر في الكثير من المناطق وذلك بحجة وجود العناصر المسلحة فيها ، ولم نعد نسمع أي تصريح غربي يدين ذلك ، لقد القوا بكل الحمل على الشعب السوري وقالوا لهم خذوا بعض الأسلحة وقليلاً من المال، وواجهوا مصيركم بأنفسكم فنحن غير مجبرين على التدخل لصالحكم ، هذا بالضبط هو لسان حال كل الغربيين .
لقد كانت تلك هي جوهر المؤامرة الحقيقية، فتأخر الضغط الدولي على النظام وعلى ضرورة وقفه للعنف والقتل بحق الثائرين السلميين ، والتحجج بروسيا في مجلس الأمن ، حول الوضع على الأرض من ثورة سلمية حضارية ، إلى صراع مسلح بات يطال كل بنية الدولة السورية وإمكانية بقائها موحدة مستقبلا ً ، وما الأحاديث والأخبار الأخيرة عن إمكانية لجوء النظام إلى إقامة دولة علوية في نهاية المطاف ، إلا برهانا على حقيقة ما يطبخ لسوريا وشعبها في مطابخ صنع السياسات المرتبطة بمصالح القوى الكبرى في العالم .
الدماء السورية التي تسيل يوميا ً ، والعمران السوري الذي يطاله الدمار والتخريب ، والطبيعة السورية التي باتت مرتعا لكل نيران الحقد والانتقام وحتى الآثار والتراث التاريخي السوري التي اصبح مهددا ً من قبل اللصوص وتجار الفساد ، علاوة على تجارة الأعضاء التي أصبحت رائجة في ظل وضع يفتقد الأمن والأمان ، كل هذا الهلاك الذي غدا سمة الحياة التي يعيشها السوريون بحسرة والتي تصب كل الفضائيات العربية والحكومية الزيت على نيرانها المشتعلة ، إنما يشي بما يحضر لهذا البلد الحضاري العريق من مخططات كارثية مدمرة .
لم يعد العالم ينظر إلى عداد الموت في سورية باهتمام ،ولم تعد المجازر والصور الفظيعة للجثث المقطعة الأوصال تثير في النفس أية مشاعر حزن ، الصراع في سوريا مستمر والقتل مستمر والدماء مستمرة ، والمهم بالنسبة إلى قادة العالم الكبار ألا تنتشر رقعة الموت خارج الحدود السورية ، وألا تصل الأسلحة الكيماوية إلى أيدي أعداء إسرائيل ، فالكيماوي عندهم أغلى من كل الدماء السورية ، وكلما طال أمد الصراع زادت كمية السلاح التي يبيعها الروس والغرب لطرفي الصراع ، كل للطرف الذي يدعمه ويراهن عليه ، في معمعة الحرب الأهلية ونزيف الدم الذي يبدو إنه لن يتوقف قريبا بل ربما يستمر لسنوات قادمة حتى وان سقط النظام وزال كل ما يمت إليه والى تاريخه الدموي بصلة .
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
الجزائر.. 12 ديسمبر موعدا لانتخابات الرئاسة      لأول مرة وعلى استحياء.. "قسد" تعترف بالثورة السورية نكاية بالنظام      الأسد يبدأ باعتقال عرابي مصالحات درعا      هل تضاءلت حظوظ "المنطقة الآمنة".. واشنطن تتحدث عن مزيد من التفاصيل و"بعض التحصينات"      وزير أردني سابق يكشف عن تحذير أمريكي من مغبة التعامل مع نظام الأسد      الأسد يساعد موظفيه بقرض قيمته 100 دولار      محلي "خان شيخون" يكذب مزاعم الأسد المتعلقة بعودة المدنيين      التحالف الدولي يعين قائدا جديدا للقوات في سوريا والعراق