أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

الدولة السورية ثورة أم فوضى ... سامي الأخرس

مقالات وآراء | 2012-07-16 00:00:00


الكثير حاوروني وناقشوني حول الحدث أو الموضوع السوري الذي دخل عامة الثاني، منهم السوريون ومنهم عرب جنسيات أخرى، والكل يدلي بدلوه، ويجتهد بناًء على موقفين، الموقف الأول رؤيته للمنطقة العربية وموقفه من أنظمتها، والموقف الآخر بناء على موقف مسبق مع النظام سواء من حيث موقفه من قضية ما أو من قضية هو تبناها، وجاء الموقف السوري معارضًا لها.
أما نحن أبناء الشعب الفلسطيني وكعادتنا إننا نتفاعل مع كلّ الأحداث العربيَّة وغير العربيَّة، وكذلك الدولية لإيماننا المطلق أن لو دابة تعثرت في غابات الأمازون حتمًا لها توابع على قضيتنا الفلسطينيَّة، بل أنّ الكوارث والأحداث الطبيعية التي تصيب الكون من زلازل وبراكين وفيضانات نبحث في علاقاتها مع القضيَّة الفلسطينيَّة، ومؤثراتها الحالية والمستقبلية على قضيتنا الوطنية، وهذا ليس تجني أو فضول أو مرض نفسي بقدر ما هو حقائق علمتنا إياها التجربة الوطنية التي لها من العمر أربعة وستين عام ونيف، بل منذ أن فرض الانتداب البريطاني الأبارتهايد السياسي على فلسطين منذ بدايات القرن الماضي.
فما سيكون عليه الحال إن كان الأمر يتعلق بدولة عربية، وأيما دولة لها من القضيَّة الكثير، فهي إحدى دول الطوق العربي، ورأس الحرية في هذه الدول، ولها جزء من الأرض لا زال محتلًا، وشاركت هموم القضيَّة في كلّ حروبها ومآسيها، وتقلباتها، ولا زالت تعتبر حاضنة فصائل الفعل(المقاومة) الفلسطينية كمحطة أخيرة بعدما ضاقت الكرة الأرضية بمن يرفع شعار المقاومة، خاصة وان تعلق الأمر بفلسطين... أنّها سوريا التي انقسمنا حولها أو فيما يتعلق بها ثلاثة أقسام، الأول منا رأي بهذه الحالة فرصته السانحة ليتشفى بسوريا الأسد الأب والابن، وفرصة تصفية الحسابات القديمة السياسيَّة، رغم أنّه يُدرك أن من هم خلف أحداث سوريا هم للمعسكر المعادي له ولأيديولوجيته، ولكنه إنحاز لعدو اليوم انتقامًا من عدو الأمس، رغم حالة العداء الواضحة والصراع التي على أشُدها بين المعسكرين في فلسطين وعلى الساحة المصرية، ولكنها السياسة التي تقاس بالعاطفة وردة الفعل، والتشفي وهي أبجديات في الفهم العربي فقط للرؤية الإستراتيجية السياسيَّة.
وربما صاغ كلًا من الأخ ماجد أبو شماله عضو المجلس التشريعي الفلسطيني من حركة فتح، والنائب الأول للمجلس التشريعي أحمد بحر عن كتلة حماس الموقفين الرسميين، حيث ذهب الأخ النائب ماجد أبو شماله بعيدًا بمطالبته بطرد أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الذين يساندوا النظام في سوريا، وهنا وضح النائب أبو جهاد بالاسم\"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة\" بقيادة أحمد جبريل، رغم أنّها ليست عضوًا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، إذن فما قصدهُ النائب ماجد أبو شماله أبعد من ذلك، وهو ربما تعبير جلي عن حالة الانقسام في النظام السياسي الفلسطيني حول هذه المسألة، أما الموقف الثاني حول سوريا فهو منقسم على ذاته أيضًا، ويعيش حالة تناقض وازدواج لا تعبر سوى عن تخبط وعشوائية في الأداء السياسي والفهم السياسي، أيّ أن هذا التيار جزء منه لا زال بسوريا وبتصريحاته غير واضح مع أو ضد، رغم أنّه ظاهريًا مع، باطنًا ضد، والجزء الأخر يعبرّ عن موقفه المضاد للنظام في سوريا، وهو ما عبرّ عنه النائب الأول لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني\" أحمد بحر\" في خطبة الجمعة بالتنديد بالجرائم التي يرتكبها النظام السوري بحق الشعب السوري، واستنكاره لذلك، وهو عضو تشريعي عن حركة حماس، وهنا يتضح التوافق الذي نوهت له سابقًا بين الموقف السياسي لحركة فتح وهو ما عبرّ عنه النائب ماجد أبو شماله، والموقف السياسي الذي عبرّ عنه النائب عن حماس أحمد بحر، وبذلك يكون التقى الأعداء(السياسيين) حول القضية السورية، ولكن لكلّ طرف اعتباراته الخاصة، ففتح تنطلق من تصفية الحسابات عن المراحل السابقة مع النظام الأسدي في سوريا(الأب والإبن)، وحماس لا يمكن أن لها أن تخرج أو تشق عصا الطاعة عن مشروع (الإخوان) الذي أصبح في دائرة القيادة باسم( الإسلام السياسي) وخاصة أنّه أصبح يقود ثلاثة أو أربعة بلدان عربية منها مصر الكبرى، وتونس، وغزة، وجزء من اليمن، وجزء من الأردن، وجزء من المغرب، والسودان، والصومال ومن خلفهما غير العربيَّة تركيا.
أما الموقف الثالث فهو ليس بأفضل حال من سابقيه، وهو أيضًا يتكون من عنصرين أساسيين أولهما قوى اليسار الفلسطيني الصديقة لسوريا ونظامها، والتي ترى به الحليف الذي لَم يخذلها منذ الخروج من لبنان عام 1982، ونصير المقاومة التي تؤمن به، ومن ناحية أخرى تعيش تناقض مع إيمانها الفكري بضرورة العدالة المجتمعية والتحرر المجتمعي من السيطرة الطبقية البرجوازية، وخاصة من الأنظمة التي تصنف كقوى رجعية واستبدادية، وعليه فإنها انحازت للحلول الوسطية بحكم تجاربها السابقة وتركت الأمر داخليًا للدولة والشعب السوري التقربر في أوضاعها مع تأييد لحق الشعب السوري بالعدالة المجتمعية ولكن مع معارضتها لأيّ تدخلات خارجية في الشأن السوري وخاصة من الغرب والولايات المتحدة والخليج العربي، بما أن هذه الأضلع الثلاث- وحسب وجهة النظر السابقة-هي أضلع الشيطان المتآمر ضد منطقتنا العربية، وضد قضيتنا الفلسطينيَّة.
يتبقى موقف أخير لكنه عبارة عن موقف إعلامي أكثر منه موقف فاعل وهو الموقف الذي انحاز للنظام السوري، وهو بعض القوى الفلسطينية مثل\"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة\" بقيادة أحمد جبريل، وهو ما حاول البعض سواء من المعارضة السورية أو من الداخل الفلسطيني استغلاله سياسيًا، فالمعارضة السورية استغلت هذا الأمر، وقصفت بحقد المخيمات الفلسطينية في سوريا، وتمارس الخطف والقتل بأبناء الشعب الفلسطيني هناك، وهي الضريبة المفروضة أمريكيًا وإسرائيليًا على أيّ تغيير في المنطقة يجب أن يكون الدم الفلسطيني قربان الرضى عن من يريد حمل الأمانة مستقبلًا، ويبدو أنّه لا يمكن تأكيد ولاء الطاعة، إلاَّ بالدم الفلسطيني وهو ما يتكرر دومًا بدءًا من الأردن مرورًا بلبنان ثمّ العراق وها هي سوريا على نفس المنوال، كما أن النظام السوري أدرك أن هناك من هُم في المخيمات يتربصون به ويتحركون فلم يقف موقف المتفرج هو الأخر وكان له من دم أبناء المخيم نصيب.
بعد هذا الشرح الموجز لحالتنا الفلسطينية يتبقى لنا سؤال جوهري أين الخلل؟ ومن السبب؟
باختصار شديد أن ملامح الخلل واضحة جدًا من خلال الشرح المسبق وهي إننا نمتلك أدوات سياسية لا زالت في مرحلة المراهقة ولديها من الغباء ما يميزها عن ساسة العالم أجمع، حيث أن هذه الأدوات باختلاف أطيافها وألوانها لَم تتعلم من تجاربها السابقة ولَم تتقن الدرس جيدًا، ولا زالت تبحث عن مصالحها الذاتية والحزبية قبل أن تبحث عن مصالح شعبها وقضيتها، ولذلك فهي تمارس الغواية الفئوية الحزبية الضيقة، وتسعى لنيل رضا فئة من الشباب المتحمس المنفعل دون دراية أو عمق في قراءة الحالة، على حساب دماء شعبنا في مخيمات اللجوء والشتات، وهي تدرك أنّها تمتلك من أساليب الخداع ما يمكنها من التمويه والتضليل وإلقاء التهم على المعارضة السورية أو النظام السوري، وستجد من يصدقها ويصفق لها، بالرغم من أنّها هي السبب المباشر والأساسيِّ في قتل وذبح أبناء شعبنا لأنّها جعلت من دمائه قربان لمصالحها الذاتية والشخصية.
فكان الأحرى بالجميع- لو كانوا على قدر المسؤولية- أن يتحلوا بالحكمة الوطنية والسياسية ويحيدوا مخيماتنا وأبناء شعبنا عن حالة الفوضى العبثية التي تجري على الساحة السورية والتي يحركها قوى متصهينه واستعمارية تحاول الزج بسوريا إلى فوضى عارمة كما فعلت بالعراق وليبيا، وتحويل سوريا لساحة معارك طائفية لن يدفع ثمنها سوى أبناء مخيماتنا على غرار ما حدث بلاجئين العراق الذين اقتلعوا وذبحوا وشتتوا دون أن يجدوا مغيثًا حتى من ممثلي شعبنا في الخارج، ولكم في لاجئي العراق أسوة يا أولى الألباب.
أما من السبب فربما جئنا في سياق هذا المقال على مكمن الخلل والسبب معًا وهو المصالح الحزبية والفئوية والشخصية، والمشاريع السياسية التي أرادوا تمريرها على دماء أبناء شعبنا، ولكن ما يضير هؤلاء وهم مردوا حبهم للمال والسلطة على قوت أبناء شعبنا ودماؤه وحالتنا الفلسطينية منذ عام 1994 تشهد قمة الإثراء الذاتي، وأحداث عام 2007 تشهد قمة الارتواء من دماء شعبنا لأجل المال والسلطة. وفريق ثالث يكتفي بالفئات أو ما يلقى له من مخلفات\"روث\" الكبار، فيبتلع لسانه ويصمت.
أين نحن من سوريا؟!
بعد هذا الاستعراض يتبقى إشباع فضول القارئ وإجابته عن سؤاله أين نحن من سوريا؟! ولكن من نحن؟!
يصنف نحن هنا يُقصد به أبناء الشعب الفلسطيني الفقراء والمعدمين الذين نقف على نفس المسافة وفي نفس المساحة التي تضمنا مع الوطن وقضيتنا الوطنية فقط، ممن نعتبر أن دماء الفلسطيني أقدس من دماء كلّ الكائنات الأخرى على الأرض وعلى رأسها الإنسان، لذلك نحن أولًا مع شعبنا الفلسطيني وثانيًا مع شعبنا الفلسطيني وثالثًا مع شعبنا الفلسطيني، وخاصة أولئك اللاجئون في مخيمات الشتات الذين يواجهون الغربة والإذلال في شتاتهم، ويواجهون كلّ العالم لوحدهم بما فيهم تسلط ممثلياتنا وأحزابنا في الخارج، أيّ المعدمون من رحمة أهلهم وغير أهلهم، وعليه لا يعني كذلك هذا الموقف ابتعادنا عن الشأن السوري أو عدمية رؤيتنا للمشهد السوري، لا بل أن رؤيتنا هي رؤية متكاملة، ثابتة لا يمكن لها أن تتغير بناء على عواطف أو أملاءات وهو ما أكدناه ونؤكده باستمرار، إننا مع العدالة الاجتماعية لكلّ شعوب العالم وعلى رأسها الشعوب العربية التي تعاني من الفساد والظلم والقهر، والاضطهاد وتجبر الفئة الحاكمة التي نصبت نفسها مالك حصري للإنسان والثروات، فاكتنزت بفئة معينة مقدرات الشعوب وثرواتها، ومارست الفساد بكلّ أنواعه وإشكاله حتى كفر المواطن بعبودية فرضت عليه بأجهزة بوليسية قمعية ولائها لنظام قمعي وليس لوطن ومواطن. موقفنا هذا عقيدة لا يمكن أن نتزحزح عنها، ثابتة كثبات إيماننا بحقنا بالحياة، أيّ أن الإنسان صاحب الحق في الحرية والحياة، والمواطن الفقير هو صاحب الحكم أولًا وأخيرًا... ولكن!!
هل إيماننا هذا يجعلنا كالخلد الأعمى لا يعيش إلاّ بالتراب وفي الظلام؟ لا يمنحنا حق التفكير العميق في مستقبلنا، ومفهوم الحرية والتحرر؟
نعم النظام السوري لم يسارع في إصلاحات جذرية اجتماعية وسياسية واقتصادية،واكتفى بالإصلاحات الخطابية فقط، وترك الفئة المتسلطة المستبعدة للشعب تمارس كلّ غوايتها وفسادها، وجبروتها، وها هي نفس الفئة اليوم تهرول وتهرب وتتخلى عن النظام محاولة طرح نفسها كفئة مستثورة، ومناصرة للثورة، وهي فئة لسان حالها يقول دومًا، نحن مع القادم\" ليس مع الواقف، بل مع القادم. واستمر النظام السوري في غيبوبته بل ربما أن الرئيس السوري\"بشار الأسد\" تم خديعته مما دفعه للجوء للحل الأمني وهو ما كان تربص به المتربصون بسوريا، فاستغلوا الحل الأمني وغضب الشعب السورين ذلك لنحتار الارتماء والتسليم لهؤلاء الذين نعلم ونعرف بمن فيهم الشعب السوري حقيقتهم أكثر منا، ولكن نحن الشعوب العربية نتحالف مع الشيطان دون القدرة على حساب النتائج مستقبلًا ما يهمنا اللحظة فقط، المستقبل ليس بحسابنا ولنا بالعراق أسوة فالعراقي أراد الديمقراطية من الدبابة الأمريكية، فدفع ثمنها العراق ونفسه معًا. وهو ما يحدث حاليًا للشعب الليبي ولكن بشكل اقتصادي فقط وعلينا مراقبة كم عام ستتم عملية(إعادة أعمار) ليبيا، على غرار(إعادة أعمار) العراق التي لم تبدأ منذ تسعة سنوات حتى الآن.
إذن فسوريا تشهد مخاض متعسر أما أن يخرج الجنين مشوه لا معالم واضحة له أشبه بجيفة تتكالب عليه خفافيش الطائفية والفوضوية ويتم عرقنة سوريا، أو جنين يتوافق عليه الغول الأمريكي مع الدُب الروسي، وعليه سوريا تعيش في وصاية الفوضى الخلاقة وتدفع ثمن الأسياد لعقود قادمة لن ترى بها وشائج الدولة المستقرة المتمدينة. أو بقاء الحال عما هو عليه حتى تغرق سوريا بشلالات الدم وتصبح سوريا السنية، وسوريا العلوية، وسوريا الكروية، وهو ما يحقق رغبات البعض السوري والعربي المتاأمرك- المتصهين.
إذن ما الخلاص؟ لا يمكن الخلاص إلا أن يقول الشعب السوري كلمته بقواه الوطنية الحية والالتقاء على طاولة سوريا الموحدة القوية، ووضع إستراتيجية عميقة لحل المأزق السوري من خلال بناء نظام سوري يختاره الشعب السوري بحرية وإرادة، وتأخذ على عاتقها ومسؤوليتها بناء وطن للمواطن السوري فقط، دون التمييز بين الدين والعرق والمذهب، يؤدي إلى دولة سورية قوية وعفية.
ولكن! هذه حالة تفاؤلية يبدو إنها انتهت مع ما أصاب الساحة السورية وان عملية الحسم لم تعد قرار سوى مستقل، بل هي قرار له أبعاد دولية يتجاذبه طرفان الولايات المتحدة الأمريكية- أوروبا من جهة وروسيا- الصين من جهة أخرى، يدور في فلكهما إيران وحزب الله من جهة والخليج العربي وتركيا من جهة أخرى، وما أن يتفق الطرفان على حل يكون الشعب السوري دفع من الدم والبشر والاقتصاد وما يحتاج لعقود طويلة لتعويضه، وبذلك تحتاج سوريا لعقود تعود من التخلف والتأخر.


السادس عشر من تموز(يوليو)2012م

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
المحكمة الرياضية توافق على تقليص عقوبة نيمار      قوات دولية كردية تشن حملة دهم واعتقال شرق الرقة      ريف حلب: مقتل طفل في "عفرين" وسقوط مصابين إثر اشتباكات عائلية في "الباب"      "فيسبوك" تزود منشئي المحتوى بأدوات جديدة عبر منصاتها      طهران تستضيف القمة الثلاثية السادسة حول سوريا      منتصف الشهر القادم.."غوغل" ستكشف عن هواتف Pixel 4      ناشطون يرصدون سوء معاملة المفوضية العليا للاجئين سوريين في لبنان      خامنئي: لا تفاوض مع الولايات المتحدة وسياسة الضغط لا قيمة لها