أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

غزة ومصر والأخوان المسلمين ... سامي الأخرس


توحدت أو تلاقت الأيدلوجيات في غزة ومصر من حيث العقيدة الحاكمة، والفكر الذي يجمع الطرفين، حماس إحدى أذرع تنظيم الإخوان المسلمين، وتسترشد بفكرها الأيديولوجي والسياسيِّ، بل وتعتبر هي ثمرة السلطة السياسية الأولى لجماعة الإخوان المسلمين. فحماس أوّل منظمة أو ذراع في تاريخ الجماعة يتمكن من الوصول إلى مقعد السلطة، ويبدو إنّها فأل حسن على الجماعة حيث بدأت تسجل انتصارات متتالية سيَّاسيَّا على حساب الأحزاب والقوى الليبرالية والقومية واليسارية، وفردت ذراعها في كُلّ مكان تدخل معتركه السيَّاسيِّ أن استثنينا السودان التي استلمت الحكم فيها أثّر انقلاب عسكريِّ. في حين نجحت في تونس عبرّ انتخابات سيَّاسيَّة حرة، وفي مصر أيضًا عبرّ انتخابات سيَّاسية حرة وديمقراطية، وأصبحت تتواءم والمزاج الجماهيريِّ-الشعبيِّ ولَم تسجل أيّ فشل سيَّاسيِّ إلاَّ في الجزائر فقط، واعتقد أن هذا الفشل نتاج تجربة جزائرية سابقة معهم في العقد التاسع من القرن الماضيِّ، وكذلك التوجس السيَّاسيِّ للشعب الجزائريِّ من ثورات الربيع العربيِّ التي لَم تعدّ تجد الصدى الذي كانت تجده في بداياتها، بعدما أنفضح التدخل الأوروبيِّ-الأمريكيِّ في ليبيا ومن ثمَّ في سوريا والفوضى التي عمت مصر وتونس، وكذلك اليمن.
بناًء عليه فإن الإخوان المسلمين استطاعوا استمزاج حالة الفراغ التي تعيشها الشعوب العربيَّة من هامشية الأنظمة والقوى الأخرى، ومحاكاة هذا المزاج ومخاطبته بعقلانية وعاطفية وجدت صداها لدى الشعوب العربيَّة، وهنا على باقي القوى أن تسأل وتتساءل عن أسباب فشلها، وتكف عن مهاجمة الإخوان المسلمين، فهم لَم يصلوا السلطة بانقلابات عسكرية، أو على ظهر دبابات استعمارية، بل وصولوا عبرّ صناديق اقتراع بحراسة عسكر ومؤسسات النظم السابقة التي تناصبهم العداء والضغينة.
وعودة على جوهر موضوعنا الأساسيِّ، أيّ الناظم بين حماس في غزة، والإخوان في مصر بعد سيطرتهم الديمقراطية على البرلمان والرئاسة معًا، وهو ما يفرض جملة من التساؤلات حول العلاقة المستقبلية بينهما، وهل يكمل بعضهما البعض؟ أم يحتفظ كُلّ طرف بخصوصيته؟ وهل يجمع المرشد ما فرقه الزمن السابق؟
الدلائل على الأرض تؤكد أنَّ حالة تآلف ستنتج، تآلف سيَّاسيِّ كنتاج طبيعيَّ للتآلف الفكريِّ، ولكن هذا التآلف لن يأخذ حالة الانصهار أو التوحد، بل سيحافظ كُلّ منهما على خصوصيته السيَّاسيَّة بما أنّه لا يمكن المقارنة بين مصر وغزة بأيّ حال من الأحوال أو بأيّ منطق، مصر ذات سيادة إقليمية ودولية سيَّاساتها مؤثرة في البيئّة الإقليميَّة والدوليَّة، كما أنّها دولة ذات مؤسسات مدنية تتبع النظم والقوانين العلمانية التي بنيت عليها منذ ثورة يوليو 1952 التي تزعمها العسكر ضدّ الملكية الخديويَّة، وليس من الممكن تحويل نمطية هذه المؤسسات خاصة وأن ثورة 25 يناير 2011 هي بطبيعتها ثورة مدينة شعبية، صميم أهدافها إحياء الدولة المدنية، وإعادة الاعتبار للدولة المدنية، وهي الثورة التي جاءت بالإخوان المسلمين للحكم، عكس حركة حماس التي استلمت سلطة بلا معالم أو ملامح، ممّا ساعدها في تفصيل القوانين والتشريعات وفق رؤيتها السيَّاسيَّة والحزبيَّة في إطار الحالة الفلسطينيَّة التي عُطلت بها كُلّ القوانين والتشريعات الهشة التي صاغتها السلطة الفلسطينيَّة.
إذن فنحن أمام نموذجين مختلفين كليًا في البيئّة الجيوسيَّاسيَّة، وإن كانا متفقين في البيئّة السيَّاسيَّة والفكريَّة، وهو ما يخلق قاعدة تفاهم أكثر مرونة من السابق بين حماس والنظام المصريَّ الحاليَّ، عكس عما كانت عليه سابقًا، وهذا التفاهم سيجعل حركة حماس أكثر حرصًا على إنجاح نظام\"مرسي\" سيَّاسيَّا واعلاميًا، حيث ستخفض حماس من انتقادها الإعلاميِّ الحاد ضد النظام الحاليِّ عكس ما كانت عليه في العهد السابق، كما أنّها ستضبط حركة الحدود والتهريب عن وتيرتها السابقة، وربما نجد تعاون أمنّي أكثر من حماس والأجهزة الأمنية المصرية، بل وتساهم حماس مساهمة فاعلة في عملية الضبط الأمنيِّ في سيناء من خلال ما تملكه من أوراق على هذا الجانب، وهو ما يعتبر فرصة تقوية قدراتها وأضعاف قدرات منافسيها في غزة من جهة، وفي سيناء من جهة أخرى- وخاصة مع القوى الأكثر تطرف بعقيدتها السيَّاسيَّة والفكرية نحو المقاومة والسلطة...إلخ من القضايا الخلافية، ومن الجهة أو الاتجاه الآخر بناء جسور الثقة المهدومة بين حماس والأجهزة الأمنية المصرية، وكذلك تحقيق امتيازات أشبه بامتيازات أجهزة السلطة القديمة(عصر فتح) وأجهزة النظام السابق(مبارك)، أيّ أن هناك حالة مرونة ستخلق في هذا المجال عما كانت عليه قبل انتصارات الإخوان المسلمين السيَّاسيَّة في مصر.
في المقابل مصر بذلك تحقق ضبط للحالة في غزة، وأمان بشكل أكبر ممّا كان عليه في السابق وخاصة في سيناء التي تعيش حالة تصادم ثنائيِّ مع الأمن المصريِّ من جهة، ومع\"إسرائيل\" من جهة أخرى، وكذلك يمكن لنظام\"مرسي\" أن يحقق اختراق مهم وحيويِّ جدًا يضاف لرصيده السيَّاسيَّ والشعبيِّ من خلال تحقيق مصالحة فلسطينيَّة- فلسطينيَّة.
نجاح مرشح الإخوان المسلمين جاء بين حالتين شعبيتين، الحالة الأولى تراه انتصار لإرادة ثورة 25يناير على النظام السابق والحالة الثانية تراه بداية أسلمة المجتمع، والتعامل الثأري للإخوان من مؤسسات وأفراد النظام السابق. وكلا الحالتين لديه من الدوافع والمبررات ما تؤكد ما ذهب إليه من رؤية، وتحليل، وهي حالة طبيعية مع التغيير. ومدى تقبل التغيير للنفسية العربيَّة.
وتراه حركة حماس انتصار آخر لها، وهو وإن كان فعلًا أد انتصاراتها المعنوية والفكرية، في إطاره العام، فإنّه لن يكون ميزة استقوائية لحماس على طرف السلطة الآخر في الواقع الفلسطينيَّ، لأن الآخر له منطقته الجغرافية التي يتحرك في حدودها وضمن حدودها السيَّاسيَّة والتي لا يمكن استخدام سيَّاسة الفرض عليها، كما كان في السابق مع حماس ونظام مبارك، وبذلك لا تمتلك المؤسسة الحاكمة في مصر لعب لعبة الانحياز الكلي لطرف على آخر، أو الأضرار السيَّاسيِّ بطرف دون الآخر، لكن يمكن لها الانحياز لصالح حماس في بعض القضايا الهامشية أو غير المؤثرة، وإن كان هذا الانحياز ينعكس إيجابًا على رفاهية المواطن الغزاوي الاجتماعية في بعض الاحتجاجات الإنسانية. أما على صعيد المصالحة الوطنية اعتقد أن النظام المصريِّ الجديد سيحاول قدر جهده انجاز هذا الملف المعقد، ولن تكون هذه المحاولات مختلفة عن المحاولات السابقة للنظام السابق، ولكن ربما بحمية وهمة أكثر مما كانت عليه.
فالواقع التنبؤي المستقبليِّ لن يكون أكثر قسوة ممّا كان عليه، ولن يدخل في دائرة السوداوية أيضًا، بل أن الأمور ستنتجه عكس عقارب التوقع التشاؤمي لصعود الإخوان المسلمين للحكم في مصر، فإن كانوا في غزة قد تلقفوا صعود حماس للسلطة ودعموها بقوة للصمود في واقع تستفحل فيه المشاكل والأزمات واحدة تلو الأخرى فإنهم لن يسمحوا لتجربتهم في مصر الأهم والأكثر أهمية بالفشل أو الانهيار، ولن يتمكنوا كذلك من سلوك مسلكيات حماس في غزة، فحماس في غزة وإن امتلكت أدوات القمع الخاصة بها كحركة مثل أجهزة أمنية وعسكرية حزبية أخرى منها مؤسساتية، فهم في مصر لا يمتلكوا هذه الأدوات، بل أن أجهزة الدولة منظمة وتعبرّ عن مؤسسات للوطن كما أن الشعب المصريِّ لم يعد يمرر أيّ مظهر للظّلم والقهر بعد أن تحرر من الصمت والخضوع في ثورة 25يناير 2011 وعليه فهو أصبح هيئة رقابية أقوى من المحكمة الدستورية.

2تموز(آب) 2012م
Samyakras_64@hotmail.com

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي