أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

سماسرة فلسطين الجدد....أ.د. محمد اسحق الريفي

سماسرة فلسطين الجدد منذ البداية، اعتمدت الحركة الصهيونية لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين على سماسرة لبيع أرض فلسطين للمستوطنين اليهود وحماية أجنبية لحماية هؤلاء المستوطنين. واليوم، وفي ظل تشبث الشعب الفلسطيني بأرضه وتمسكه بحقه في مقاومة الاحتلال، لجأت الحركة الصهيونية العالمية إلى توظيف سماسرة فلسطينيين جدد، ليس لبيع أرض فلسطين فحسب، بل لبيع الشعب الفلسطيني وحماية الاحتلال من مقاومته المتصاعدة. فمن المعلوم أن الحركة الصهيونية حاولت عبثاً إغراء الدولة العثمانية بالمال لبيع فلسطين لليهود، ورغم حاجة الدولة العثمانية الماسة للمال في ذلك الوقت بسبب تراكم الديون عليها، رفض السلطان عبد الحميد خان الثاني – رحمه الله – هذا الإغراء في رسالة تهديد أرسلها لزعيم الصهيونية ثيودور هرتزل قائلا: "أنا لن أبيع ولو شبراً واحداً من الأرض، لأن هذا الوطن ليس ملكاً لي بل هو ملك لأمتي، لقد حصلت أمتي على هذا الوطن بدمائها، وقبل أن يؤخذ منَّا هذا الوطن ويذهب بعيداً، سوف نغرقه بدمائنا مرة ثانية".

 والحركة الصهيونية – منذ نشأتها – سعت إلى التعامل مع القضية الفلسطينية على أنها قضية اقتصادية، فالمخطط الصهيوني يقوم على أساس إنكار وجود الشعب الفلسطيني، ولذلك فقد احتاج الصهاينة باستمرار إلى سماسرة لنزع ملكية الأرضي من أصحابها الفلسطينيين وتحويلها إلى المستوطنين اليهود، وهي وسيلة تتلاءم مع حرص العدو الصهيوني على التخلص من وجود الشعب الفلسطيني خلسة وبأقل تكلفة ممكنة ودون الحاجة إلى تأليب الرأي العام العالمي ضد الصهاينة، فالاحتلال يحرص على ظهوره بمظهر الضحية حتى ينال الدعم العالمي والحماية الأجنبية. ولقد تنبَّهت الدولة العثمانية جيداً إلى هذه المسألة الخطيرة، وعبَّرت عن رفضها التام اعتبار قضية فلسطين قضية اقتصادية، وذلك من خلال تصريح أدلى به سفيرها، علي فروح بيك، بتاريخ 24 نيسان 1899 في أحدى الصحف الأمريكية جاء فيه:

 "ليس في نية حكومتنا أن تبيع أي جزء من البلاد العربية، حتى ولو ملأوا (أي اليهود الصهاينة) جيوبنا بملايين القطع الذهبية، وقضية فلسطين ليست قضية اقتصادية، بل هي قضية سياسية".

 كما أشار السلطان عبد الحميد في الرسالة السابقة إلى هذه القضية بوضوح تام، حيث كتب: "وأنا لن أقدم أي جزء منها (أي أرض فلسطين) إلى أي أحد، دع اليهود يحتفظون بذهبهم فإذا ما تمزقت إمبراطوريتي، يمكنهم عندها الاستيلاء على فلسطين دون مقابل، ولكن تقسيم هذه البلاد لن يكون ممكناً إلا على أشلائنا، وأنا لن أسمح أبداً بإجراء عملية جراحية على جسد الأمة الحي". ومما يؤسف له، أن سلطة أوسلو، بقيادة محمود عباس، حوَّلت القضية الفلسطينية من مشروع تحرري وطني إلى قضية اقتصادية، أو بالأحرى اختزلتها في قضية مرتبات تدفعها من أموال المجتمع الدولي لموظفيها الذين يشكلون شريحة كبيرة في المجتمع الفلسطيني، وقد تجلى هذا الاختزال بوضوح بعد تشكيل حكومة الطارئين بزعامة سلام فياض واتخاذها قرارات غير وطنية لا تخدم إلا المخطط الصهيوني الأمريكي المعادي لشعبنا وأمتنا.

 وبسبب تمسك حركة حماس بحقوق شعبنا ورفضها الانصياع لشروط الرباعية الدولية الجائرة التي تتضمن إسقاط حق شعبنا في مقاومة الاحتلال، استغلت سلطة أوسلو هذه المرتبات أبشع استغلال لشراء إرادة الفلسطينيين وذممهم وضمائرهم، في محاولة يائسة من السلطة لتقويض حماس وثنيها عن مواصلة رفضها بيع الأرض وحقوق الشعب الفلسطيني.

وبعد أن أصدر عباس فرماناته ومراسيمه – العبثية وغير القانونية – التي تهدف إلى تجاوز حركة حماس والمجلس التشريعي والالتفاف على خيار الشعب الفلسطيني، وبعد أن أمر عباس بتشكيل حكومة طوارئ غير شرعية بتوجيه من الإدارة الأمريكية ودعم أمريكي وصهيوني، تحولت السلطة وحكومتها الباطلة إلى مجموعة من السماسرة لبيع الشعب الفلسطيني وإذلاله وكسر إرادته من خلال الأموال الأمريكية والأوروبية والأموال التي احتجزها الصهاينة من المستحقات الضريبية لحكومة تسيير الأعمال (حكومة الوحدة الوطنية المقالة) وحوَّلها لهؤلاء السماسرة الجدد.

 إن الشعب الفلسطيني يقف الآن أمام ظاهرة خطيرة تهدد مصيره ومستقبل قضيته، تتمثل هذه الظاهرة في تحول سلطة أوسلو وحكومتها إلى سماسرة لبيع فلسطين وشعبها، فهؤلاء السماسرة الجدد يمارسون الضغط على الشعب الفلسطيني ويسعون لخنقه وحصاره ومساومته على قوت يومه ومرتبه، وقد ترعرعت هذه الظاهرة في بيئة مشروع أوسلو الذي قام على قاعدة تمثل مقايضة جائرة: "القليل من الحرية والأموال في مقابل وقف مقاومة شعبنا للاحتلال".

فقد استغل الاحتلال هذه المقايضة الجائرة – منذ قدوم سلطة أوسلو – لتهويد القدس والاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية والتوسع الأفقي والرأسي في المستوطنات وشق الطرق الالتفافية التي تحاصر المدن والقرى العربية وتعزلها عن بعضها البعض، علاوة على الممارسات القمعية والإجرامية التي يقوم بها الاحتلال ضد أبناء الشعب الفلسطيني. واليوم، ومع تصاعد مقاومة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، واستعصاء هذه المقاومة على كل محاولات تقويضها وتصفيتها، بدأ سماسرة الشعب الفلسطيني الجدد في ابتزاز مواقفه من خلال التحكم في أرزاق الموظفين ومرتباتهم بطريقة عنصرية بشعة، فهؤلاء السماسرة يقدمون المرتبات لمن لا يستحق من المتمردين على حكومة تسيير الأعمال والذين توقفوا عن عملهم في وظائفهم، بينما يمنع هؤلاء السماسرة من يزاول عمله في خدمة الشعب من مرتبه الذي يستحقه. كما يمنح هؤلاء السماسرة الأموال الطائلة لعصابات الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية الفلسطينية، لقوم هذه العصابات بنشر الفوضى والفلتان الأمني وتنفذ بنود خريطة الطريق الأمريكية المعلقة بتفكيك فصائل المقاومة ونزع أسلحتها والقضاء على بنيتها التحتية، وذلك خدمة للمخطط الصهيوني وحماية للمستوطنين اليهود.

 وهناك وسطاء صغار لهؤلاء السماسرة يغطون على ممارساتهم غير الوطنية، ويضللون الجماهير العربية بشأن دورها الخطير في إنهاء القضية الفلسطينية، ويقلبون الحقائق ويزورنها، وهم يفعلون ذلك لتحقيق مصالحهم الشخصية على حساب الشعب والوطن، وليجمعوا الأموال الحرام والمناصب الزائفة... فهؤلاء الوسطاء الصغار يسعون من خلال كتاباتهم وتصريحاتهم ومواقفهم السقيمة لتحويل القضية الفلسطينية في أذهان الشعب الفلسطيني والجماهير العربية والإسلامية إلى صراع بين حركتي حماس وفتح على السلطة أو انجرار وراء صراعات إقليمية، كما يشيع وسطاء السماسرة هؤلاء بأن دخول حركة حماس في المعترك السياسي أدى إلى قتل فلسطين وعزل الضفة عن القطاع وما إلى ذلك من مصائب تسببت بها سلطة أوسلو والتيار المتصهين الذي اتخذ من فتح غطاء لتآمره ضد شعبنا، وينطبق على هؤلاء الوسطاء الصغار المثل العربي "ورمتني بدائها وانسَّلت". ولئن أصبح اليوم لهؤلاء السماسرة سلطة وحكومة، ونالوا تأييد أكابر مجرمي هذا العصر، وأخذوا كل ما يحتاجونه من أموال لمساومة الشعب الفلسطيني على إرادته وحقوقه وأرضه، فإن حركة حماس، ومعها كل أحرار شعبنا الفلسطيني وشرفاؤه، لا تزال تتمسك بذات موقف السلطان عبد الحميد خان الثاني الذي رفض الابتزاز وتمسك بحق أمتنا في فلسطين من بحرها إلى نهرها.

 05/07/2007م

gazarockburst@hotmail.com
(18)    هل أعجبتك المقالة (22)

لبنى

2007-07-07

أحب الموضوعية والنبرة الهادئة التي تميز مقالاتك.لكن أليس محبطاً ان نبحث في تاريخنا عمّا يرفع من معنوياتنا قليلاً بينما يعجز الواقع عن منحنا حفنة صغيرة من الأمل؟.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي