أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الدستور وحمير السلطة... خالد المحاميد

حمار غوار الطوشه الذي أكل الدستور في مسرحية دريد لحام \" غربة \" كان أكثر فهما من قدري جميل وعمران الزعبي الذين شاركا في وضع مسودة الدستور السوري الذي أشبه ما يكون بقانون مفصل للحرامية.
قدري جميل شيوعي خرج من مؤخرة السلطة، وعمران الزعبي بعثي مخصي عقليا منذ أن عمل شبيحا في الحرس القومي أيام أمين الحافظ، وهكذا بشر كيف يمكنهم أن يفهوا ما هو الدستور عوضا عن أن يشاركوا في وضعه.
الدستور! ماهو الدستور؟ كل واحد منا يسأل نفسه، ألم يكن لدينا دستور؟ ماذا ينفعنا وجود دستور أو عدم وجوده إن بقي كما هو عليه دستور عام 1973 أو تغير، وصار مثل دستور سويسرا؟ وهل هناك في عصابة آل الأسد من يلتفت للدستور أو يحترمه أو يعبره بقشرة بصلة؟
كان لدينا دستور جيد وضع عام 1953 فجاءنا البعثيون بانقلاباتهم العسكرية واحدا وراء الثاني، وكل انقلابي كان يضيف ويحذف من الدستور على هواه حتى يضمن بقاءه في الحكم، إلى أن جاءنا حافظ الأسد وغير الدستور 1973 ووضع لنا فيه مواد كارثية أو صلتنا إلى ما نحن فيه اليوم، ليس فقط المادة الثامنة التي جعلت من الزعران قائدين للمجتمع والدولة، أيضا مواد كثيرة قيدت حرية الشعب في حق الاختيار وحجبت عنه حقوقه السياسية والإنسانية.
ومع ذلك لدينا دستور، صحيح أنهم غيروا أحد مواده الأساسية في خمس دقائق لينصبوا بشار الأسد رئيسا، لكن يبقى اسمه دستور .
حسنا لكن ماذا ينفع الدستور أمام رجل استخبارات يقتحم مع زعرانه منزل مواطن ويعتقله من دون تهمة ولا أمر قضائي ، هل يقف المواطن في وجهه ويقول له .. هيه .. انتبه في دستور يقول في المادة 25 \"الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم\" ترى بماذا سيرد رجل الاستخبارات غير أن يقول له طز فيك وفي الدستور وخ ... عليك وعلى الدستور، هذه عبارات محترمة بالنسبة لرجل أمن يقتاد مواطنا من دون تهمة إلى زنازين الجلادين، فإذا لم يلكمه على وجهه ويمرغ وجهه بالأرض أمام زوجته وأولاده لا يكون قد فعل شيئا، فالبطولات الخارقة لرجال الاستخبارات والأمن لا تظهر في تعقب الجواسيس الذين وصلوا إلى موقع \" الكبر\" النووي وصوروه ، ولا في القبض على قتلة عماد مغنية، ولا بمن جندوا ضباطا سوريين يشغلون مواقع حساسة في الأمن الوطني، هذه البطولات لا تظهر إلا مع المواطنين الذين يلفقون لهم التهم لابتزازهم والاستيلاء على الأموال والممتلكات، فيصبح عاطف نجيب ابن خالة زعيم العصابة رئيس شعبة الأمن السياسي بدرعا الذي اقتلع أظافر أطفال درعا، مليادير في بضعة سنوات، لو قلنا لعاطف نجيب حين اعتقل أطفال درعا: إنت وين رايح يا بطل هو على كيفك ، اسمع فيه دستور يذكر في المادة 28 أنه \"لا يجوز تعذيب أحد جسديا أو معنويا أو معاملته معاملة مهينة ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك \" سيرد علينا عاطف نجيب اختكم على اخت الدستور انقلع ولاه إنت وياه .
ما نفع الدستور إذن ؟ حين تكون هناك عصابة تحكم البلد لا يبقى معنى لأي دستور، وحين فكر بشار الأسد بلعبة الدستور هذه، كان على علم بأن أي رجل أمن سيمسح به مؤخرته لو احتاج إلى ذلك، فنظام العصابة لا يعتبر الدستور شيئا ذو قيمة، فهو مجرد مظهر من مظاهر الدولة لا أكثر ولا اقل، وهي أي العصابة تتذكر الدستور فقط حين تحتاجه، مثل ما فعلت حين نصبت بشار الأسد.
على أية حال لدينا دستور، ولو أنه موجود بشكل صوري، ولو كان بشار الأسد وطغمته جادا في الإصلاح لما فكر بدستور جديد، كان يكفيه ان يطبق البنود التي وردت في دستور والده، والتي تعطي الحق للشعب بحكم نفسه وحريته في اختيار ممثليه، وحقه في صيانة كرامته، وحقه في قضاء عادل ونزيه وحقه في العمل السياسي وحرية الرأي وكل هذه وردت في بنود دستور حافظ الأسد الذي وضعه عام 1973 ثم نسيه، فلماذا إذا دستور جديد، وماذا ينفع لو أنه وضع لنا دستور يشبه دستور سويسرا، ثم أطلق بشار الأسد كلابه الأمنيين تنهش لحوم السوريين وأعراضهم، بماذا ينفعنا الدستور حينها.
الكذابين الذين انغمسا في الدعارة السياسية وأقصد بهما قدري جميل وعمران الزعبي، خرجا علينا خلال اليومين الماضيين يتحدثان عن الدستور الجديد وكأنهما أنجزا تحرير الجولان، مع علمهم ويقينهم، أن انه حتى الحمير تفهم انه لا قيمة لدستور في بلد تحكمه عصابة، فالدساتير توضع من أجل تقنين السلطات ووضع حدود فاصله للصلاحيات الممنوحة للسلطة، وحين تتحول هذه السلطة من سلطة شرعية مقيدة بسلطة الدستور والقوانين المنظمة لعملها، إلى مجرد عصابة تنتهك الدستور والقوانين، لا يكون في هذه الحال للدستور والقوانين أي معنى، وقد حدث ان ألغى بشار الأسد قانون الطوارئ، ومع ذلك بقي المواطن السوري عرضه للقتل والإعتقال والتعذيب خارج إطار القانون، فلا معنى لوجود قانون للطوارئ أو عدم وجوده، لأن من يفترض به أن يحمي الدستور والقانون، واعني به هنا السلطة السياسية والأمنية هو الذي يقوم بانتهاكه.
سنترك قدري جميل وعمران الزعبي يفرحان بهذا الإنجاز الذي لا يعني شيئا على أرض الواقع، وحين يفعلا ذلك، فهما كمن يقوم بنضح الماء من نهر جار وإعادته إلى النبع ، فهل يفعل ذلك سوى المساطيل .

*صحفي وكاتب وشاعر سوري  

(18)    هل أعجبتك المقالة (23)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي