أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

حرية اختيار الاله الذي نريد ... لين ميرو

عندما يبدأ الطفل في اكتشاف الواقع ومحاولة فهمه ، يكون في صدد تكوين رؤية هي بمجملها من صنع أهله وأفراد عائلته ومدرسته ومدرسيه . هذه الفترة من الحياة ، قد تصادف أياماً صعبة ، أو أفكاراً مدمرة ، أو روايات وقصص مرعبة ، عن جبروت الله ، وشدة بطشه ، وقوة عضلاته ، ومعرفته اللامتناهية في كل حدث أو عمل يقوم به الطفل الصغير . فالله سوف يخنقه فيما لو لم يكتب وظيفته ، وقد يحرقه ، فيما لو نظر الى ابنة الجيران أو فكر في التحدث معها ، وسوف تقدح عين الله شرراً و غضبا فيما لو سمع الطفل ، أو ردد أغنية ما .  وقد يتعدى الأمر ، الى نظرة أخرى سلبية للحياة نفسها . وفي كل هذه الأحوال تبقى أولى محاولات الأطفال تكوين نظرتهم الى الله والحياة ، في معظمها، نظرة الأهل وأفراد العائلة والمدرسة والمدرسين ، وذلك لخير الأطفال أو لشرهم .

حتى نظرة الطفل الى ذاته ، تكون بالمنظار نفسه الذي يراه فيه الأهل والأقارب . هو يتعلم أن يخاف ويرتعب ويرهب كل ما يُرعب أهله وأقاربه ومدرسيه . ويتعلم أن يحب ما يحبونه ويحترم ما يحترمونه .

في اللحظة التي يُعطى فيها الطفل الحياة يبدأ يستقبل أجوبة عن أسئلة وأحكاماً عن وقائع . ومع تلك الأجوبة والأحكام تصله أيضاً انطباعات عاطفية : ((الحياة صعبة ؛ولذلك هي مقلقة )) . ((الإله جبار : لذلك يجب عبادته بصمت وبرهبة )). (( الإله منتقم : لذلك يجب عدم مناقشته واطاعته )) .

وتزيد الأحداث والوقائع والسير والدروس الدينية تلك النظرة المرعبة لهذا الإله ، الى أن يُمسي ما كان في البدء مجرد أفكار عابرة ، مواقف لا بل قناعات ثابتة .

عندما يحدث كل ذلك يصبح الانطباع الأول قسماً من الرؤية التي هي للطفل . ويبدو سلوك الطفل وردات فعله العاطفية كأنها وليدة ذلك الانطباع . آنذاك يعيش الطفل في حال من البؤس والهلع والخوف المستمر والدائم من اغضاب ذلك الجبار ، والذي يستطيع في كل لحظة خنقه أو حرفه ، على أقل هفوة يمكن أن يرتكبها .

إن هذا يشهد كم نحن البشر في طبعنا ، متأثرون ، بأهلنا ، وكم نحن في العمق سجناء عادات وتقاليد وأفكار أهلنا ومدرسينا . أفكارنا تترسخ في مواقف ، ومواقفنا تلتئم لتشكل نقطة الارتكاز في تفكيرنا ، لتتحول هكذا الى الطريقة التي فيها ننظر الى الجبار : الى الرؤية التي لنا .

كتاب بحث الانسان عن معنى فكتور فرنكل

(( كان بعضهم ، من الذين يتشوقون بلهف كبير الى الحرية ، وكانوا قد قضوا سنين طوالا في السجن . عندما أُطلق سراحهم ، خرجوا الى الضوء وفتحوا عيونهم بشيء من العصبية ، ثم قفلوا راجعين نحو الظلام الذي اعتادوا رؤيته لزمن طويل )) .

 ولكن ماذا لو حولنا هذا الجبار المنتقم المرعب القاتل المحرق الخانق المؤذي ، الى أب وصديق وأخ ورفيق ؟؟

وماذا لو حولنا اله الموت والعقاب والدينونة والعذاب والانتقام ،  الى اله فرح وسرور وغناء وموسيقى وجمال وحب وبهجة وتسامح وتفهم وعدالة ومساواة ؟

وماذا لو علمنا أولادنا ، أن هذا الإله ، هو ذلك الصديق والأخ الذي علينا أن نقيم معه علاقة شخصية ، علاقة صداقة حميمة ؟

وأنه يرفض الخطأ ، ويعاقب عليه ، كما يعاقب الوالد الحنون ؟

 

 دفع الطفل الى بناء علاقة شخصية مع الله خاصة من خلال جوانب حياته كافة ؛ وهذه العلاقة لا تعزز وحدة الطفل  مع الهه  وحسب ، بل علاقته مع نفسه ، ومع ضميره ، ومع أخيه الطفل الآخر  .

نلتقي الله، ونصادق الله ، ونقيم علاقتنا الشخصية مع الله ،  في الرؤية الايمانية المسيحية في الفرح والحب كما نلتقيه في الالم . ونعلم أن ما من شيء في الوجود الا ويستمد من الله كيانه . وكل حركة في الخليقة هي علامة حضور الله فيها . نلقاه في نور الامل الساطع كما في ظلمة اليأس الكئيبة ----

صداقتي مع الله ووقوفي بذاتي أمامه ، يعطيني عينين لأرى كل شيء من خلال عينيه ونظرته الإلهية الى الأمور ، يرسخ تلك النظرة في عقلي ويملأني من أفكاره . يوسع رؤياي ويجعلني أدرك ما هو مهم في الحياة ، أفرق بين ما هو تافه في عينيه وما هو كبير ، يُبعد عني الوساوس ، يُنقذني من التفكير العقيم ، يُبدد خوفي وخشيتي ، يأتي ، وبلمسة عطف ، يملأ عقلي من فكره ورؤياه ، فتتبدد من نفسي كل المخاوف .

اختبار علاقة مباشرة بالله ، نخاطبه ونصغي اليه . وما من شك في أن الإصغاء الى الله بتبصر ودقة لأمر صعب . ولكنها وافرة المجالات التي تتيح اللقاء بالله لمن يعرف حقاً كيف يصغي . عندمانتعلم كيف نجلس بهدوء ومحبة مع الله ، بوصفه صديقا وأبا وأخا وزميلا ، ونستريح في حضوره المحب ، كيف لا ، ونحن ننظر له بنظرات المحبة والبنوة وليس بنظرات الخوف والعبودية . ساعتها يقول لنا بطريقة من الطرق ، من هو ، ومن نحن ، وما نحن مدعوون اليه ،وما الموقف الذي يتنتظره منا نحوه ونحو بعضنا البعض .

اتحدث معه بصلاة الانفتاح المتبادل ، اصلي له حيث اجده ، وأجده في الطبيعة ، وفيها أعبده . ألتقيه في الشعر والموسيقى ، في الفرح والسعادة ، . أشعر به في عزلتي وفي خضم ساحات القامشلي و دمشق  وحلب وحمص واللاذفية وطرطوس ألتقيه ، في عملي ، في منزلي .

 

(( إن الله أحب العالم حتى إنه جاد بابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية . فإن الله لم يرسل ابنه الى العالم ليدين العالم ، بل ليُخلص به العلم )) يو 316-17 .

فالعالم الذي رأى الله في خلقه (انه حسن)  مع كل تعاسته ، ما زال فيه الكثير الكثير من الأمور الحسنة . هنالك في عمق كل قلب يرى الله بعضاً من الخير والجمال دفيناً .

ونحن الذين خلقنا الله على صورته ومثاله نشاطر الله فرحته كلما اكتشفنا الخير والجمال الذي يُنتظر ، في قلب كل بشر، والذي يبقى دفيناً هناك الى أن تبصره عين تعرف كيف ترى ما هو خير  وحسن وجميل . نشاطره فرحه ، ونحن متأكدين من سعة رحمته ، ومن حُسن عنايته ببنيه ، ومن هنا ينتفي كل (هوس) خوف ورعب .ورهبة وانتظار لانتقامه بسبب هفوة ما .

 

الحرية الحقيقية ، والتي تسمح للإنسان في اختيار نوعية الإله الذي يريده ، تكون جذورها قائمة في رؤية الإنسان الأساسية ، في نظرته إلى الله الذي يختاره ويتبعه .

في حياة المسيح نعاين نمط من الحرية تثير الإعجاب وما ذلك سوى نتيجة لرؤيته الأساسية ، لموقفه الأساسي من الوجود : هو حر إلى حد معايشته البغايا والمنبوذين ، كما أنه أعرب بكل حرية عن خوفه العميق أمام الموت من دون ان يسلبه ذلك الخوف حرية قراره بأن يقدم حياته كفعل حب ولسان حاله يقول لكل منا (( إذا ما جعلت من رسالتي (رؤيتي) الأساس لحياتك ، آنذاك ستعرف الحق والحق يحررك )) . ولكن ماهي تلك الرؤية : انها دعوة الى عيش ملء الحياة . (( أما أنا فقد أتيت لتكون الحياة للناس وتفيض فيهم )) يو 1010.

ماهي خلاصة تعاليم يسوع في العلاقة الواجبة بين الإله والإنسان :

لا تتعاملوا مع الله بحسب حرفية الشريعة . فتلك طريقة تتعاملون فيها مع شخص تخافون منه . إن خوفكم من السلطة خوف من عقابها . لذا أنتم تقومون بكل مالا تطلبه منكم كي تحفظون أنفسكم . وعندها يكون لسان حالكم : (( لقد أتممنا كل ما تطلبين منا أيتها السلطة  لذا لا يمكنك أن تنزلي بنا أي عقاب )) . ليس هذا ، في الحقيقة ، بجواب حب ، لا لله ولا للقريب . إنه جواب عبد ضعيف خائف ، أعجز من أن يتحمل أي قلق شخصي . فالله ما دعاكم يوما لتكونوا عبيدا وتخضعون له بخوف ، بل لتحبونه من كل قلوبكم ، وكل نفوسكم ، وكل قوتكم ، ولتحبون أيضا قريبكم حبكم للأنفسكم .

 

اله بدأ حياته بفرح (عرس قانا الجليل) وأنهى حياته بفرح ( القيامة) . لا أرهبه بل أحبه ، ولا يولد داخلي الرعب والارهاب والخوف بل يولد الفرح والمحبة وحب الحياة .>>

 

بونجور شام
(7)    هل أعجبتك المقالة (8)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي