أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

بالنسبة للرأسماليّة... شو؟..... سلافوي جيجاك

إحدى أوضح العبر المستخلصة من العقود المنصرمة أنّ الرأسمالية لا تُقهر. فقد شبَّهها ماركس بمصاص الدماء، ويبدو الآن أنّ أحد أبرز وجوه التشابه بينهما يكمن في عودة مصاص الدماء دوماً إلى الحياة بعد أن يُطعن حتى الموت. فحتى المحاولة التي قام بها ماو لمحو آثار الرأسمالية في الثورة الثقافية انتهت بعودتها منتصرة.
تتعدد وتتنوع اليوم ردود فعل اليسار حيال هيمنة الرأسمالية العالمية وملحقها السياسي، الديموقراطية الليبرالية. فقد يقبل اليسار مثلاً بالهيمنة، ولكنه يستمر بالكفاح من أجل تحقيق إصلاح ضمن قواعدها (هذا هو «الطريق الثالث» للديموقراطية الاجتماعية)، أو يقبل بأن الهيمنة قائمة لتستمر، ولكن على الرغم من ذلك يجب مقاومتها من «فجواتها»، أو يقبل بعبثية كل أنواع الكفاحات، بما أن الهيمنة تطال كل شيء لدرجة يتعذر فيها فعلياً الإتيان بأي عمل غير انتظار تفجّر «عنف إلهي» ــــ نسخة ثورية عن كلام هايدغر «وحده الله قادر على إنقاذنا»، أو يعترف بعبثية الكفاح المؤقتة، وتقول الحجة هنا إنّ المقاومة الحقيقية غير ممكنة في ظل انتصار الرأسمالية العالمية اليوم، فجُلُّ ما نستطيع القيام به، إلى أن تتجدد الروح الثورية للطبقة العمالية العالمية، هو الدفاع عما بقي من دولة الرفاهة، ومواجهة الممسكين بالسلطة بمطالب نعرف أنهم يعجزون عن تحقيقها، وإلّا فالانكفاء لإجراء دراسات ثقافية يستطيع المرء فيها متابعة عمل النقد بهدوء، أو يشدّد على الواقع القائل إنّ المشكلة أعمق وإنّ الرأسمالية العالمية هي في النهاية أحد مفاعيل المبادئ الضمنية للتكنولوجيا أو «العقل الذرائعي»، أو يفترض أنّ المرء قادر على تقويض الرأسمالية العالمية وسلطة الدولة، لا بمهاجمتهما مباشرة، بل بتعديل محور الكفاح على الممارسات اليومية حيث يمكن «بناء عالم جديد». بهذه الطريقة ستُقوَّض أسس سلطة الرأسمالية والدولة تدريجاً، وفي مرحلة معينة ستنهار الدولة (الحركة الزاباتية هي مثال عن هذه المقاربة)، أو يسلك طريق «ما بعد الحداثة»، بنقل التركيز من الكفاح المعادي للرأسمالية إلى الأشكال المختلفة من الكفاحات السياسية العقائدية من أجل الهيمنة، مشدداً على أهمية إعادة بيان الوقائع والأسباب استدلالياً، أو يراهن على أنّ المرء قادر، على المستوى ما بعد الحداثي، على تكرار الموقف الماركسي الكلاسيكي في تشريع «الرفض الصارم» للرأسمالية: مع بروز «العمل الإدراكي» اليوم، أصبح التناقض بين الإنتاج الاجتماعي والعلاقات الرأسمالية أوضح من أي وقت مضى، ما يجعل من الممكن إقامة «الديموقراطية المطلقة» للمرة الأولى (سيكون هذا موقف هاردت ونيغري).
لا تُقدَّم هذه المواقف كطريقة لتفادي سياسات راديكالية يسارية «حقيقية» ــــــ ما يحاولون الالتفاف عليه هو انتفاء مثل هذا الموقف فعلياً، ولكن هزيمة اليسار هذه ليست المسألة كلها في خلال السنوات الثلاثين المنصرمة، فثمة عبرة أخرى لا تقلّ مفاجأة عن الأولى، يجب تعلمها من ترؤّس الشيوعيين الصينيين أكبر تطور متفجّر عرفته الرأسمالية في التاريخ، وهذا قابل للجدل، ومن نمو «الطريق الثالث» للديموقراطية الاجتماعية الأوروبية الغربية، ومفادها باختصار: نستطيع أن نفعل ذلك بشكل أفضل. في المملكة المتحدة، كانت الثورة التاتشرية في زمنها مشوشة ومتهورة وموسومة بمصادفات لا يمكن التنبؤ بها. طوني بلير هو الذي تمكّن من إضفاء طابع المؤسسات عليها، أو وفقاً لتعابير هيغل، من تحويل (ما بدا أولاً) مصادفة حدثاً تاريخياً إلى ضرورة. لم تكن تاتشر تاتشرية، بل كانت تتصرف على سجيّتها. وبلير (أكثر من مايجور) هو من أعطى التاتشرية شكلها فعلياً.
إن جواب بعض النقاد على اليسار ما بعد الحداثي بالنسبة إلى هذا المأزق، هو الدعوة إلى سياسات مقاومة جديدة. فأولئك الذين لا يزالون يصرّون على محاربة سلطة الدولة، ناهيك عن الاستيلاء عليها، يُتَّهمون بأنهم بقوا عالقين ضمن «النموذج القديم»: يقول منتقدوهم إن المهمة اليوم تقضي بمقاومة سلطة الدولة بالانسحاب من منطقتها وإنشاء مساحات جديدة خارجة عن سيطرتها. حتماً، هذا هو الجانب الآخر من قبول انتصار الرأسمالية، وما سياسات المقاومة إلا الملحق الذي يضفي صفة أخلاقية على «طريق ثالث» لليسار.
إنّ كتاب سيمون كريتشلي الأخير، وعنوانه «متطلّب بشكل لامحدود»، هو تجسيد شبه تام لهذا الموقف. فبالنسبة إلى كريتشلي، الدولة الديموقراطية الليبرالية قائمة لتبقى. وقد عرفت محاولات إلغاء الدولة فشلاً بائساً. وبالتالي، يجب أن تتخذ السياسات الجديدة موقعاً يبقى على مسافة منها: الحركات المعادية للحرب، والمنظمات البيئية، ومجموعات الاحتجاج على الاستغلالات العرقية أو الجنسية، وأشكال أخرى من التنظيم الذاتي المحلي. يجب أن تنشأ سياسات لمقاومة الدولة، لإمطار الدولة بطلبات مستحيلة، لشجب محدوديات آليات الدولة. والحجّة الرئيسة الكامنة وراء قيادة سياسات المقاومة من على مسافة من الدولة تتوقف على البعد الأخلاقي للدعوة «المتطلبة بشكل لامحدود» للعدالة: فلا دولة تستطيع الالتفات إلى هذه الدعوة، بما أن هدفها الأخير هو سياسي واقعي يقضي بتأمين إعادة إنتاجها نفسها (نموها الاقتصادي، الأمن العام، الخ). قال كريتشلي:
«يكتب التاريخَ عادة الأشخاصُ الذين يمتلكون المسدسات والعصي، ولا يمكن المرء توقع هزمهم بهجاء ساخر أو نافضات الغبار المصنوعة من الريش. ومع ذلك، يخسر الإنسان لحظة يستلّ المسدسات والعصي كما يُظهر تاريخ النهلستية الفاعلة اليسارية المتطرفة، إظهاراًَ بالغاً. يجب ألا تسعى المقاومة السياسية الفوضوية إلى تقليد السلطة العليا العنيفة الأصلية التي تعارضها وإلى عكس صورتها».
فما الذي يجب أن يفعله، مثلاً، الديموقراطيون الأميركيون؟ التوقف عن التنافس على سلطة الدولة والانسحاب إلى مسافة بعيدة قليلاً عن الدولة تاركين سلطتها إلى الجمهوريين، وبدء حملة مقاومة فوضوية لها؟ وماذا سيفعل كريتشلي لو كان يواجه خصماً مثل هتلر؟ طبعاً في مثل هذه الحالة، يتوجب على المرء «تقليد السلطة العليا العنيفة الأصلية التي يعارضها وعكس صورتها»؟ أوَلا يجب على اليسار أن يميّز بين الظروف التي يلجأ فيها المرء إلى العنف في مواجهة الدولة، وتلك التي كل ما يستطيع القيام به خلالها، ويتحتم عليه القيام به، هو استخدام «الهجاء الساخر ونافضات الغبار المصنوعة من الريش»؟ يكمن اللبس الذي يتصف به موقف كريتشلي في غياب غريب لاستدلال منطقي: إذا كانت الدولة قائمة لتبقى، وإذا كان يستحيل إلغاؤها (أو إلغاء الرأسمالية)، فلمَ الانسحاب منها؟ فلمَ لا يعمل المرء مع (من داخل) الدولة؟ لمَ لا يقبل بالافتراض المنطقي الأساسي لـ«الطريق الثالث»؟ لماذا يحدّ المرء نفسه بسياسات، كما عبّر عنها كريتشلي، «للاعتراض على الدولة ولتوبيخ النظام القائم، لا من أجل إلغاء الدولة، على الرغم مما قد يبدو ذلك مرغوباً فيه بمعنى يوطوبي محدد، بل بغية تحسين آثارها الخبيثة أو الحدّ منها»؟
تُظهر هذه الكلمات ببساطة أن الدولة الديموقراطية الليبرالية اليوم والحلم بسياسات فوضوية «متطلبة بشكل لامحدود» قائمان ضمن علاقة من الطفيلية المتبادلة: العوامل الفوضوية تقوم بالتفكير الأخلاقي، وتجري الدولة عملية إدارة المجتمع وضبطه. ويعمل العامل الفوضوي السياسي الأخلاقي، الذي تحدث عنه كريتشلي، عمل الأنا العليا، فيمطر الدولة مرتاحاً بوابل من الطلبات، وكلما زادت محاولة الدولة تلبية هذه الطلبات، بدا عليها تنامي شعورها بالذنب. انسجاماً مع هذا المنطق، تركز العوامل الفوضوية احتجاجها لا على الديكتاتوريات المعلنة، بل على خبث الديموقراطيات الليبرالية المتهمة بخيانة مبادئها الخاصة التي تنادي بها.
تقدم التظاهرات الكبيرة التي نُظمت في لندن وواشنطن ضد الهجوم الأميركي على العراق منذ بضع سنوات حالة مثالية عن هذه العلاقة التكافلية بين السلطة والمقاومة. وتمثلت النتيجة الظاهرية التناقض في أن الطرفَين كانا راضيين. فقد أنقذ المحتجون نفوسهم النبيلة، وأوضحوا أنهم غير موافقين على سياسة الحكومة المتعلقة بالعراق. وقبل الممسكون بالسلطة ذلك بهدوء، وأفادوا منه حتى. فالاحتجاجات لم تحل أبداً دون تنفيذ القرار المتخذ مسبقاً في مهاجمة العراق، ليس هذا وحسب، بل ساهمت في تشريعه أيضاً. وهكذا أتت ردة فعل جورج بوش حيال التظاهرات الكبيرة احتجاجاً على زيارته للندن، إذ قال: «هذا ما نحارب من أجله، لكي يتمكن أهل العراق من القيام بما يفعله الناس هنا ـــــ الاحتجاج على سياسة حكومتهم!».
مذهل أن يكون المسار الذي اتخذه هوغو تشافيز منذ 2006 معاكساً تماماً للمسار الذي اختاره اليسار ما بعد الحداثي: بعيداً كل البعد عن مقاومة سلطة الدولة، أمسك بها (أولاً من خلال محاولة انقلابية ثم ديموقراطياً)، وهو يستخدم بلا هوادة أجهزة الدولة الفنزويلية بغية تحقيق أهدافه. وإضافة إلى ذلك، يضفي صفة عسكرية على الأحياء الفقيرة، وينظم تدريب وحدات مسلحة هناك. والذعر المطلق: إذ يشعر الآن بالآثار الاقتصادية لـ«مقاومة» الرأسمالية على حكمه (نقص مؤقت في بعض السلع في المحال التجارية التي تدعمها الدولة)، أعلن خططاً لتوحيد الأحزاب الأربعة والعشرين التي دعمته ضمن حزب واحد. فحتى بعض حلفائه ينظر بريبة إلى هذه الخطوة: هل ستأتي على حساب الحركات الشعبية التي أعطت الثورة الفنزويلية اندفاعها؟ ولكن لا بدّ من دعم تام لهذا الخيار على الرغم من أنه محفوف بالمخاطر: فالمهمة تقضي بجعل الحزب الجديد يعمل كأداة لتعبئة أشكال جديدة من السياسات (مثل الهيئات التي قاعدتها هي الأحياء الفقيرة)، لا كحزب دولة اشتراكي نموذجي (أو بيروني). فماذا يجب أن نقول لامرئ مثل تشافيز؟ «لا، لا تمسك بسلطة الدولة، بل انسحب فقط، ودع الدولة والحالة السائدة كما هما»؟ غالباً ما يُرفض القبول بتشافيز على أساس أنه مهرج ــــ ولكن أوَلن يحيله مثل هذا الانسحاب إلى نسخة عن «القائد الأدنى» ماركوس، ذاك الذي يشير إليه العديد من المكسيكيين اليسار الآن بتعبير «الممثل الأدنى» ماركوس؟
اليوم، كبار الرأسماليين ــــــ بيل غيتس، الشركات الملوثة للبيئة ــــــ هم الذين «يقاومون» الدولة.
العبرة من هذا الكلام أنّ ما يقوِّض فعلياً ليس التشديد على مطالب «لامحدودة» نعرف أن الممسكين بالسلطة لا يستطيعون تحقيقها. بما أنهم يعرفون أننا نعرف ذلك، لا يسبب مثل هذا الموقف «المتطلب بشكل لامحدود» أي مشكلة بالنسبة إلى هؤلاء الممسكين بالسلطة: «الرائع أنّكم، في طلباتكم المحرجة، تذكّروننا بنوع العالم الذي نوَّد كلنا أن نعيش فيه. لسوء الحظ، نعيش في العالم الحقيقي حيث علينا التعامل مع الممكن». ما ينبغي القيام به هو، على العكس، إمطار الممسكين بالسلطة بمطالب مختارة بعناية ودقيقة ومحددة على المستوى الاستراتيجي، مطالب لا يمكن مواجهتها بالعذر عينه.

(عن «لندن ريفيو أوف بوكس» ــ ترجمة: جورجيت فرشخ فرنجية)
(24)    هل أعجبتك المقالة (24)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي