أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الى الذي لن نستعيده,الا اذا استعدنا الوطن..الى غسان كنفاني...! ... د. صلاح عودة الله

قبل ان ابدأ كتابة قراءتي هذه لا بد وان استعرض سيرة حياته وبصورة مختصرة..فهو غني عن التعريف:
يعتبر غسان كنفاني أحد أشهر الكتاب والصحافيين العرب في عصرنا. فقد كانت أعماله الأدبية من روايات وقصص قصيرة متجذرة في عمق الثقافة العربية والفلسطينية
ولد في عكا، شمال فلسطين، في التاسع من نيسان عام 1936، وعاش في يافا حتى أيار 1948 حين أجبر على اللجوء مع عائلته في بادئ الأمر إلى لبنان ثم الى سوريا. عاش وعمل في دمشق ثم في الكويت وبعد ذلك في بيروت منذ 1960 . استشهد صباح يوم السبت 8/7/1972 بعد أن انفجرت عبوات ناسفة كانت قد وضعت في سيارته(على ابدي عملاء اسرائيليين) تحت منزله مما أدي إلي استشهاده مع إبنة شقيقته لميس حسين نجم (17 سنة).
:من اعماله
"الدراسة الوحيدة الجادة عن الأدب الصهيونى بعنوان "في الأدب الصهيوني -
كتابه عن "شعراء الأرض المحتلة" مرجعا مقررا فى عدد من الجامعات وكذلك مرجعا للدارسين -
عائد إلى حيفا"، عمل وصف فيه رحلة مواطني حيفا في انتقالهم إلى عكا" -
أرض البرتقال الحزين"، تحكى قصة رحلة عائلته من عكا وسكناهم في الغازية" -
موت سرير رقم 12"، استوحاها من مكوثه بالمستشفي بسبب المرض" -
رجال في الشمس" , ترمز وتصور ضياع الفلسطينيين ...!" -
ما تبقي لكم"، التي تعتبر مكملة "لرجال في الشمس"، يكتشف البطل طريق القضية، في أرض فلسطين وكان ذلك تبشيراً بالعمل الفدائي"-
زمن الاشتباك -
أدب المقاومة في فلسطين المحتلة -
عالم ليس لنا -
و غيرها من الاعمال...!
أصدر غسان كنفاني حتى تاريخ وفاته المبكّر ثمانية عشر كتاباً. وكتب مئات المقالات في الثقافة والسياسة وكفاح الشعب الفلسطيني. في أعقاب اغتياله تمّت إعادة نشر جميع مؤلفاته بالعربية، في طبعات عديدة. وجمعت رواياته وقصصه القصيرة ومسرحياته ومقالاته ونشرت في أربعة مجلدات. وتُرجمت معظم أعمال غسان الأدبية الى سبع عشرة لغة ونُشرت في أكثر من 20 بلداً، وتمّ إخراج بعضها في أعمال مسرحية وبرامج إذاعية في بلدان عربية وأجنبية عدة. اثنتان من رواياته تحولتا الى فيلمين سينمائيين. وما زالت أعماله الأدبية التي كتبها بين عامي 1956 و1972 تحظى اليوم بأهمية متزايدة
على الرغم من أن روايات غسان وقصصه القصيرة ومعظم أعماله الأدبية الأخرى قد كتبت في إطار قضية فلسطين وشعبها فإن مواهبه الأدبية الفريدة أعطتها جاذبية عالمية شاملة.
كثيراً ما كان غسان يردد: "الأطفال هم مستقبلنا". لقد كتب الكثير من القصص التي كان أبطالها من الأطفال. ونُشرت مجموعة من قصصه القصيرة في بيروت عام 1978 تحت عنوان "أطفال غسان كنفاني". أما الترجمة الإنكليزية التي نشرت في عام 1984 فكانت بعنوان "أطفال فلسطين".عمل كنفاني منذ شبابه المبكر في النضال الوطني, وبدأ حياته العملية معلماً للتربية الفنية في مدارس وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) في دمشق ثم انتقل إلى الكويت عام 1965 حيث عمل مدرساً للرسم والرياضة في مدارسها الرسمية. وكان في هذه الأثناء يعمل في الصحافة كما بدأ إنتاجه الأدبي في الفترة نفسها. انتقل إلى بيروت عام 1960 حيث عمل محرراً أدبياً لجريدة "الحرية"الأسبوعية, ثم أصبح عام 1963 رئيساً لتحرير جريدة "المحرر", كما عمل في "الأنوار" و "الحوادث" حتى عام 1969 حين أسس صحيفة "الهدف" الأسبوعية وبقي رئيساً لتحريرها حتى استشهاده في 8 تموز (يوليو) 1972
يمثل كنفاني نموذجاً خاصاً للكاتب السياسي والروائي والقاص الناقد, فكان مبدعاً في كتاباته كما كان مبدعا في حياته ونضاله واستشهاده. تطل علينا ذكري استشهاد واغتيال الأديب والسياسي الفلسطيني الكبير غسان كنفاني. ولا نعرف كيف نستقبل تلك الذكري الباقية فينا بقاء النكبة و كرت الإعاشة الذي لم يعد يعين أصحابه علي العيش، فحتي وقت غير بعيد كان فقراء المخيمات يسدون الرمق من الإعانات، أما بعد عودة صناع اوسلو في الفاتح من تموز (يوليو) 1994 إلي أراضي سلطة ما سمي يومها بالحكم الذاتي المحدود، أصبح كرت الإعاشة طيارا مثل الفراشة، لكنه بنفس الوقت قبيح إذ أنه يحمل ذكري اللجوء ورائحة التآمر الدولي علي شعب أنجب غسان كنفاني وغيره من جيل النكبة الفلسطينية الكبري
في تموز (يوليو) شهر العوز العقائدي عاد الذين عادوا إلي البلاد مثلما عادوا دون أن تعود الفكرة لبدايتها، كانوا يعدون لفكرتهم أفكارا غريبة وأخري معيبة، كانوا يظنون بأن دولتهم المتصورة أصبحت قاب قوسين وبأن الاحتلال سيعيد التين واللوز في تموز وآب وأيلول، ولم يتذكروا بحر ايلول الجديد، ظنوا أنهم مثل يوسف حين تطاول أخوتهم عليه، اعتقدوا انهم ضحية الجوار، لكنهم كانوا ضحية سوء الاختيار والخيار، فلا القرار الوطني المستقل بقي مستقلا ولا التدخلات توقفت ولا الخربشات انتهت، ثم كان ردهم أن اهجروا الأشقاء والتحقوا بمعسكر السلام مع الأعداء، فأصبحوا في المعسكر الآخر بعيدين عن ابو علي إياد وابو يوسف النجار وابو جهاد وطلعت يعقوب ووديع حداد وابو العمرين فؤاد زيدان وابو اياد وجيفارا غزة وغسان كنفاني، صاروا من خارج معسكر العطاء وعلي مسافة بعيدة من مقابر الشهداء ومعسكرات الاحياء..
كانوا يعدون لتموزهم التسعيني منذ تموزنا كلنا، تموزنا اللبناني وحرب الجسور التي حطمت جسور التواصل مع الأصول، ففي بداية الثمانينيات، كانوا هم موعودين بالدولة وكنا نحن سكاري في حب الكفاح وفي خمرة الثورة، لذا قدمنا الغالي والنفيس علي مذبح القداسة الفدائية، وهم جنوا ثمار الكفاح بجوائز سلمية واتفاقيات لا تليق بالتضحيات والجراح.
كانوا مثلما كانوا ومازالوا مثلما كانوا علي وهم السلام يعيشون، ظنوا ان البساط الأحمر في مراسيم استقبالهم هناك سيعطيهم دولة وسوف يحرر ما تبقي لنا من ارض البرتقال الحزين. فكانت مراسيم استقبالهم هناك مراسيم حداد هنا وهنالك، إذ ذكرتنا عودتهم العرجاء بخذلانهم لشهداء النضال الوطني الفلسطيني الذي كان، فحضرت أمامنا الصور والأسماء كأنها كلمات من كتاب الجهاد.
في 14 من تموز (يوليو) يحل يوم معركة حطين وصلاح الدين وفتح القدس وتحرير فلسطين من الغزاة الاستعماريين، ويوم الخامس منه هو يوم الحاج أمين الحسيني، وفي الثامن من شهر التين والعنب يكون يوم استشهاد غسان كنفاني بقنبلة موقوتة فجرت سيارته في بيروت، وفي السابع والعشرين يوم رحيل القائد الفذ أبو علي إياد، الذي قال جملته الشهيرة نموت واقفين ولن نركع ثم استشهد.
تعود دورة الأيام بعد لف ودوران دام 355 يوما، تأتي ذكري غسان ومعها نكون قد دخلنا في تواريخ فلسطينية جديدة، تواريخ لا تخلو من الحزن والألم والحسرة علي أمة ممزقة أضاعت التاريخ وفقدت المستقبل لتبقي عالقة ومخبطة ومحبطة من وفي حاضر أليم.
تعود الذكري لتأتي من حيث ذهبت، تحضر بيننا وتنظر في عيوننا فتجد في بياضها سوادا أشبه بسواد المرحلة، ولا تجد في حقول ذاكرتنا المثقلة بالزرع الصناعي وبالكيماويات المستوردة من برتقال بلادها الحزين سوي تأتآت التائهين علي دروب الآلام السلمية، وتسمع مع ذكراهم قهقهات الذين لا يهمهم من الوطن سوي جيوبهم،وعلي الجانب الآخر تهدر قرقعة البطون الفارغة، بطون الجياع من شعب الشهداء والعطاء.. ولا تسمع القرقعة عند أصحاب الواقعية الفارغة والعقلانية الدارعة، بل تسمع في مخيمات الجوع حيث العطاء والفداء والإبداع، فالجوع العقائدي موجود في الأمكنة التي لا وجود فيها للسماسرة وتجار الوطن، فتلك الأمكنة مسلحة باسمنت فلسطيني وطني متين، ولا تقبل بالاسمنت الذي يستورد من وحي كمب ديفيد لبناء جدار بينها وبين فلسطين التي ترفض نتاج ونتائج كمب ديفيد السابق واللاحق. هؤلاء هم يا غسان أبناء الوطن المثخن بالجراح، وطنك البرتقالي الدماء والدموع، أما أصحاب البطون المكورة والمدورة، فلا مكان لهم في بالنا وهم ابعد ما يكونون عن حدودك يا غساننا وعن حزن اطفالنا.
يسألنا غسان العائد إلي حيفا وكل فلسطين:
أين أصبحت أم سعد ؟
آه يا غسان ! أم سعد فقدت السعد والسعادة وبعض أبناء جلدتها الذين صاروا من عبيد امريكا وعبدة الكاميرات والسفر علي أفضل الطائرات، وفقدت كذلك العرب والعاربة والأجانب ولم يعد لها سوي الدعاء لله في دور العبادة، والترحم علي دلال وعندليب وريم وهنادي ووفاء، إذ لم يعد هناك في بلادنا فرق في الشهادة وفن الاستشهاد بين الرجل والمرأة والفتاة والشاب.
هل أعدتم للحياة السرير رقم 12 ؟
لا ! لكننا أصبحنا كلنا نعيش في سرير كيان عابر، وعلي فراش فوق ارض ثابتة لا تغور عن الدنيا ولا تغوص في الوحل.. أصبحنا بلحمنا الذي لا يقبل التقطيع ولا يعرف سوي الجزارين، قضية يريدونها في موت سريري، لكن رغم هذا لا يمكنهم سلخنا عن جلودنا، فنحن من صنع السرير، الفراش فراشنا، أما العابرون علي شوارعنا فلا مكان لهم بيننا،حيث حياتهم ليست ملكهم وحياة سريرنا الثاني عشر ملكنا وحدنا.
هل لا زالت الأرض مثل برتقالها حزينة ؟
نعم يا غسان ان الأرض أصبحت أكثر حزنا مما كانت يوم كنت مازلت ترسمها بريشة قلبك وحبر حياتك، ويوم كانت تقول لك ولراشد حسين : أنا الأرض فلا تحرموني المطر.. برتقالها صار أكثر كآبة وأقل عصيرا... لقد عصروا برتقالنا وامتصوا دمنا ونهبوا حقوقنا وسرقوا بلدنا وجاء منا من يوقع لهم علي صك براءة، فسافر بعض أبناء ارض البرتقال الحزين إلي ارض جنيف البعيدة، حيث قرروا هناك تكملة تجارتهم بما تبقي من أرض البرتقال أو تجربة عبقريتهم السلمية عبر شم رائحة الوعود من بعض أبالسة يسار اليهود.
هل مازال العالم ليس لنا ؟
هذا سؤال مهم وصعب يا رفيق الدروب الوعرة، العالم منقسم علي نفسه، منه من هو معنا ولا يفهمنا، ومنه من هو ضدنا ولا يريد فهمنا ولا يبدي استعدادا لفهمنا، ومنه من هو معنا لأن الحق معنا والحقيقة معنا والعدالة تنقصنا ورحمة ذوي القربة. العالم يا غسان لنا ولهم وعلينا وليس حتي النهاية معهم ومعنا وليس عليهم حتي النهاية.. العالم مازال رهينة المحارق والتاريخ والإعلام المضاد، ورغم هذا استطعنا إحداث ثقب كبير في جدار الخزان، فتمكن الكثيرون من سماع صوتنا ومن هؤلاء بعض ممن كانوا لا يسمعون أو لا يريدون الاستماع.
ماذا عن الرجال والبنادق؟
هؤلاء أصبحوا أنواعا وأصنافا، منهم من باع البارودة واستورد بدلا منها سيارة أمريكية أو أوروبية، ومنهم من تمسك ببارودته ودأب علي صيانتها خوفا من الأيام القادمة، وهؤلاء هم الذين حموا شعبهم يوم قرر الاحتلال تصفية حساباته مع الشعب علي طريقته المعروفة. لم يعد هناك الكثير من رجال جمهورية المنفي الثورية، وبعض الذين قادوا النضال من منافي الثورة أصبحوا أقرب الناس لمن يقيمون في خبر كان، أو لعلهم يعيشون الآن آخر لحظات كانَ وأخواتها وأوسلو وشقيقاتها...!
هل مازال عندكم رجال لا يموتون ؟
مازال عندنا أصحاب مراكز لا يموتون أما القادة الحقيقيون فيستشهدون كل يوم، ففي الانتفاضة الثانية فقط رحل أبو علي مصطفي رفيق دربك بعملية اغتيال شبيهة بعملية قتلك، استشهد وهو رجل ينتمي للقواعد والمواقف الصعبة، كما اعتقل رفيقك الآخر رجل المغاور والتخفي والعمل الصامت، رجل إعادة البناء والعودة الي الينابيع أحمد سعدات،وسجانوه نفر من الرجال الذي يموتون وقد لا يذكرهم التاريخ كباقي الرجال في بلدك، لأنهم خذلوا كل قداسة وجدت في فلسطينك. واستشهد شيخ المقاومة احمد ياسين ودكتور الاستشهاد عبد العزيز الرنتيسي وقادة وكوادر ومقاتلون ميدانيون كبار وعظماء لا بد للتاريخ ان يذكرهم بجلل واحترام وتقدير.
هل لديكم قصص أخري تحدثونني عنها ؟
لدينا الكثير، الكثير، لدينا أمهات الشهداء اللواتي يعشن أعراس الشهادة كل حسب طريقتها الخاصة.. لدينا ام نضال فرحات وريم الرياشي والكثيرات من نسوة فلسطين الماجدات. ولدينا شعب لا يموت ولا يقبل بين صفوفه الميتين من الأحياء.. فهذا شعب الشهداء والعطاء والفداء، شعبك يا غسان
ولدينا أيضا قصصك ورواياتك وإبداعك الملحمي وأدبك الملتزم والمقاوم، من أم سعد وبرقوق نيسان حتي رجال في الشمس وارض البرتقال الحزين بما فيها ابعد من الحدود وقتيل في الموصل، ويا ريتك تعرف يا صديقنا ما حل بالموصل وأهل العراق، فقد ذهب العراق إلي الأعداء بعد سجن داخلي دام عشرات السنين وعلي اثر غزو خارجي دام عدة أسابيع.. وصار القتلي في الموصل وبقية مدن بلاد الرشـــيد بالعشرات يوميا .. كما تبقى لنا وعندنا مجموعة ما تبــقى لنا من قصتي الصقر والعــــروس حتي قصـــة رأس الأسد الحجري .. تبقي لنا تراثك الأدبي والفني والسياسي العريق، منه نتزود بالقــــوة كلما خارت قوانا... تبقى لنا كذلك كرت الإعاشة وأصـوات بطون جائعة تكاد تطغي علي صوت الثورة الفلسطينية وصوت فلسطين وصوت الانتفاضة وصوت المقاومة وصوت السلطة وصوت الأمة العربية الواحدة، الهامدة.
يقول الشهيد غسان كنفاني:
لو تحركت الشمس من الشمال الى اليمين
لو تخلت الأهرام عن حجرها المتين
لو عاد كل صهيوني الى بطن أمه جنين
لن نتنازل عن شبر واحد من أرض فلسطين..
بحبك يا فلسطين...
نعم يا شهيدنا..وفلسطين احبتك وبكت على رحيلك..كيف لا وقد فقدت اعز ابنائها..!
تأتي الذكرى الخامسة والثلاثين لرحيلك يا شهيدنا وقد بدأ العد التنازلي لقضيتنا..ففلسطين التي كنت تحلم ان تعود الى حدودها التاريخية لم تعد فلسطين..فقد اصبحنا نطالب بالعودة الى حدود ما قبل نكسة حزبران عام 1967 ,واريد ان اخبرك بان عدونا ليس "اسرائيل".. فلقد بدأ اقتتال داخلي بين "الأشاوس" من حركتي فتح وحماس وادى الى مقتل المئات من ابناء هاتين الحركتين..وقد حسمت حماس المعركة وحررت غزة للمرة الثانية من" العملاء "من حركة فتح, بعد ان حررتها من الصهاينة المستوطنين...والمحصلة انه اصبح لنا حكومتان بدون سلطة, واحدة في رام الله بزعامة فتح وأخرى في غزة بزعامة حماس...اما القدس فقد تنازلنا عنها...هذا هو حالنا...اما ما يخفيه المستقبل فهو اعظم...!
من قصة "إلى أن نعود":
... و أحس و هو يصافح الإنسان الذي ودعه قبل أن يذهب إلى مهمته أنه لا زال في المعركة التي بدأت منذ زمن بعيد..و سمع صوته
ماذا؟ هل انتهى كل شيء على ما يرام؟
و هز رأسه في إعياء و عاد يسمع صوت الرئيس: - هل أنت تعب؟ و هز رأسه نفيا و همس بصوته العميق المجروح: - هل أعددت مهمة صباح الغد؟ و وصله صوت رئيسه من بعيد: - و لكنك لا تستطيع أن تتابع غدا.. يجب أن تستريح.. و دون أن يفكر أجاب: - بل أستطيع.. - إلى متى تحسب أنك تستطيع أن تواصل على هذه الصورة؟ قال و هو يسند رأسه على كيس المتفجرات: - إلى أن نعود..!
مهما قلنا أو كتبنا عن غسان كنفاني فأننا سوف لن نعطيه حقه, فهو كاتب كبير وأديب مميز قاتل بالقلم والفكر والكلمة كما بالسلاح، غيبه القتل وهو في ريعان الشباب وعنفوان الكتابة والإبداع. لو قدر له أن يعيش أكثر كان بالتأكيد سوف يبحر عميقا في بحور الأدب ومن يدري ماذا كان سيقول عن الوضع الفلسطيني وعن المأساة الفلسطينية التي أصبحت مساحة صمودها الصغيرة أكبر من خريطة الوطن العربي الكبير وأبعد من حدود القطب المتجمد الشمالي. الصوت الذي يقرع خزان ذاكرتنا هذه الأيام هو صوت غسان كنفاني الذي يردد على مسامعنا كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة: ما تبقى لكم .. ما الذي تبقى لكم؟ اقرعوا جدران الخزان اقرعوا جدران الخزان.
لم يعد أمامكم سوى إتمام رسالتكم انتم على وشك الانتهاء من رحلة الألف ميل.. أنتم في الطريق الطويل أقرب من أي وقت مضى لفلسطين الكاملة الأوصاف, فلا الصديق صديقك ولا الشقيق شقيقك أيها الفلسطيني الموشح بثوب الشهادة والمزين بحزام الأمان الإستراتيجي , حزام الموت من أجل الحياة في أزمنة لم يعد فيها معنى للحياة. أنها أزمنة الرعاع من رعاة البقر والبشر, أزمنة أنجبت جورج بوش وريغان وشارون ورايس وأخذت إلى الموت رجال هم أكثرنا عطاء وأمانة ووفاء وأصالة وانتماء
في يوم رحيلك يا غسان ليس لنا ألا نتذكرك فنعاهدك على الاستمرار في مسيرة العطاء والوفاء لدماء الشهداء وللأرض التي سوف تلفظ الصهاينة كما لفظ بحر صيدا و غزة الغزاة...!
في يوم رحيلك نجدد قراءة أعمالك ونعيد مطالعة كتاباتك كي نتأكد من أننا لازلنا نحفظ أحلامك أحلامنا ولا زلنا نبني المواقف على أسس سليمة وبرؤى واضحة وتفكير دقيق يميز ما بين العدو والصديق..!
رثاء الشاعر سميح القاسم للشهيد غسان كنفاني:

لن تصبر الأرض إلاّ خلال شرايينك
:"عن الفلسطيني التائه الذي ما زال اسمه غسان كنفاني"

تطاردني في الليل أوجه اخوتي/ وتسقط في وجهي، من الريح، جثتي/ فأصرخ مرعوباً ويهلع قاتلي/وتحترق أشجار المقابر صرختي/هنا الموت، يا تفاحة الموت أمطري/ثمارك في أرض جحيم وجنة/ يطاردني القتلى. فأية عيشة/ أعيد إلى القتلى. بأية ميتة/ وبين نساء الدوالي وبين كنوز الرمال وبين الهجير وريح الشمال/تعاطيت حبك وحدك أنت/ وأذكر حتى أدق التفاصيل، رائحة المطبخ،/ الساحة، النبعة، الكتب المدرسية/ واذكر (لا أتصور ) صرخة رعبك والطعنة البربرية/ ويا مشجباً لجلود القرابين والخوذ الأجنبية/ سلاماً على وجهك الطيب الحلو،/ لا تحرميني يديك وترياق ثدييك، لا تحرميني لأني أذكر/ أذكر يوم صحوت على الانهيار/وبددني الموت، بددني في جميع الأمم/جريحاً، يدثرني في زاويا المحطات ثوبي المميز، ثوبي الكفن....ثم يتابع:

أبشر قاتلي بالموت قتلاً/ وأنقض جسمه ليلاً فليلاً/ أنا الحكم الذي لا بد منه/ أجوب رحاب وادي الموت عدلاً/ إذا نهب اللصوص حليّ أمي/ فقد نهبوا البريق المضمحلاً/ سأجدل جثتي حبل المنايا/ لأملأ سلتي عنباً ودفلى..!
واليكم ما قاله محمود درويش في غسان:
كان الفلسطيني الوحيد الذي أعطى الجواب القاطع الساطع، وكانت الشهادة شهادة، وكأنه أحد النادرين الذين أعطوا الحبر زخم الدم، وفي وسعنا أن نقول أن غسان قد نقل الحبر إلى مرتبة الشرف وأعطاه قيمة الدم، كان غسان كنفاني يعرف لماذا يكتب ولمن يكتب ولكنه كان يعرف أيضا أن قيمة هاتين المسألتين مشروطة لإنتاج الفن بإتقان تطبيق المسألة الأخرى كيف يكتب..!
من أقوال الشهيد غسان:


لا تمت قبل أن تكون ندا..!
إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت..إنها قضية الباقين..!
إن الموت السلبي للمقهورين و المظلومين مجرد انتحار و هروب و خيبة و فشل...!
الثورة وحدها هي المؤهلة لاستقطاب الموت..الثورة وحدها هي التي توجه الموت..و تستخدمه لتشق سبل الحياة...!
لنزرعهم شهدائنا في رحم هذا التراب المثخن بالنزيف..فدائما يوجد في الأرض متسعا لشهيد آخر..!
إن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق و تافه لغياب السلاح..و إنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه..!
لك شيء في هذا العالم..فقم..!
أنا أحكي عن الحرية التي لا مقابل لها..الحرية التي هي نفسها المقابل...!
لا أرتد حتى أزرع في الأرض جنتي..أو أقتلع من السماء جنتها..أو أموت أو نموت معا...!
هذا العالم يسحق العدل بحقارة كل يوم...!
إن الإنسان هو في نهاية الأمر قضية
إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية..فالأجدر بنا أن نغير المدافعين..لا أن نغير القضية...!
الغزلان تحب أن تموت عند أهلها..الصقور لا يهمها أين تموت..!
الأشباح ماتوا ..قتلتهم الفيزياء..و ذوبتهم الكيمياء..و أرعبتهم العقول
جاعوا, وأخذت السماء تزخ, حيث يسقى فولاذ الرشاشات تضحى
له رائحة الخبز..!
ليس المهم أن يموت أحدنا..المهم أن تستمروا...!
هذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين..هي تخلف و فلسطين تأخذ..!
في صفاء رؤيا الجماهير تكون الثورة جزءا لا ينفصم عن الخبز و الماء و أكف الكدح و نبض القلب...!
إن ضرب السجين هو تعبير مغرور عن الخوف..!
إن الخيانة في حد ذاتها ميتة حقيرة..؟
سيظل مغروسا هنا ينبض وحده في العراء..إلى أن يموت واقفا..!
و أورثني يقيني بوحدتي المطلقة مزيدا من رغبتي في الدفاع عن حياتي دفاعا وحشيا
أيمكن أن يكون القدر مرتبا على هذه الصورة الرهيبة..يا إلهي..أيمكن؟
إن حياتي و موتك يلتحمان بصورة لا تستطيع أنت و لا أستطيع أنا فكهما..ورغم ذلك فلا يعرف أحد كيف يجري الحساب ها هنا..!
لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟
لم أعد أشك في أن الله الذي عرفناه في فلسطين قد خرج منها هو الآخر..و أنه لاجئ في حيث لا أدري..؟
فإذا بالجميع يصرخوا دفعة واحدة" أية حياة هذه..الموت أفضل منها" و لأن الناس عادة لا يحبون الموت كثيرا..فلابد أن يفكروا بأمر آخر..!
إن الانتصار هو أن تتوقع كل شيء..و ألا تجعل عدوك يتوقع..!
إنها الثورة! هكذا يقولون جميعا..و أنت لا تستطيع أن تعرف معنى ذلك إلا إذا كنت تعلق على كتفك بندقية تستطيع أن تطلق..فإلى متى تنتظر؟
بالدم نكتب لفلسطين...!
فعلا,لقد كان غسان شعبا في رجل,كان قضية,كان وطنا,ولا يمكن ان نستعيده الا اذا استعدنا الوطن..!
د. صلاح عودة الله
القدس المحتلة

(29)    هل أعجبتك المقالة (31)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي