أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

واحد وخمسون عاما على مجزرة"كفر قاسم"


الجرح المفتوح والذاكرة الحية


كفر قاسم يا صوت الدماء المتجذرة في تراب هذا الوطن.. يا عرق الفلاحين.. اطفالاً ونساء ورجال.. يا عرق العمال كفر قاسم .. يا شهداء الارض والسماء.. يا لغة الحياة في وجه الدماء.. في خضم السكون الروحاني واسترجاع الذكريات، يعود الى البال ما كتبه طيب الذكر شاعرنا توفيق زياد في مطلع قصيدته عن كفر قاسم.. اذ يقول:
"ألا هل أتاك حديث الملاحم../ وذبح الأناسي ذبح البهائم../ وقصة شعب تسمى: حصاد الجمائم/ ومسرحها... قرية../ اسمها.. كفر قاسم".
جريمة عجز القاموس ان يجد في اوراقه الغنية مفردات لوصفها.. ذكرى لا تمحوها الأيام والسنين مهما طالت...! عظيم شعبنا, من حقنا جميعا أن نفتخر وان نعتز بالانتماء اليه, يواجه الجلاد, يتحدى المجازر, ينشد الحرية, يخلد شهدائه ويغني للمستقبل. بصموده الأسطوري ,ينتصر على الجلاد ,يقدم الشهداء لكنه يرفض الركوع والخنوع ,ليؤكد للعالم أن هذا الشعب لا ينحني إلا لله سبحانه وتعالى , أو لتقبيل ثرى وطنه أو إجلالا وإكراما لشهداء هذا الشعب . إن مجزرة كفر قاسم كانت جزء من مسلسل الجرائم التي سبقتها من دير ياسين ,قبيه الخ , وهدفها تصفيه ما تبقى من وجود الشعب الفلسطيني على ارض فلسطين ,تحت دخان الهجوم الثلاثي ,البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي على جمهورية مصر العربية. هذا الهجوم الذي لعبت فيه إسرائيل دور المقاول لتحقيق أهداف دوله استعماريه, بريطانيا وفرنسا, التي كانت تعاني أفول عهدها. حاولت الحكومة الاسرائيليه تحقيق هدف إضافي للأهداف المعلنه من العدوان الثلاثي ضد جمهورية مصر , وهذا الهدف هو ترحيل واقتلاع من تبقى من الأهل في المثلث تحت وطاه ألمذبحه , بعيدا عن أنظار العالم المأخوذة عما يجري على ساحة ألمواجهه. إلا أن أهل كفر قاسم, بلد الشهداء ,بلد الأبطال , أدركوا عمق المخطط والمؤامرة , افشلوا مؤامرة المجرم في إتمام جريمة القتل بجريمة الترحيل . صمدوا , تحدوا , واجبروا الجلاد أن يجلس في قفص الاتهام.
ان الأهل في كفر قاسم لم يكونوا طرف في الحرب , ذنبهم الوحيد أنهم عرب فلسطينيين في دوله غير مستعده ان تعترف بحقهم التاريخي في وطنهم ,وتتعاطى معهم كأعداء. فلم تتورع من إعلان الحرب على مواطنيها , إطلاق النار عليهم مما أدى إلى استشهاد 49 شهيدا , كل واحد منهم هو شاهد على هول المجزرة ودموية الجلاد . كما أنهم المشاعل التي أنارت لشعبنا الطريق نحو الكرامة والحفاظ على الوطن. ان هؤلاء الشهداء هم وسام شرف على جباهنا ,ونجوم مضيئة في سماء وطننا. عهدا علينا ان نخلد ذكراهم ,لأنهم دفعوا حياتهم , أغلى ما يملك الإنسان دفاعا عن بقائنا , وكأني بهم يقولون ورصاص الغدر ينالهم " خذوا ما شاتم من دمنا , من لحمنا , لكن نحن هنا باقون , ما بقي الزعتر والزيتون , سنبقى نطاردكم في ليلكم ونهاركم لنثبت لكم دمويتكم , عدم إنسانيتكم , كما نؤكد لكم من خلال استشهادنا ان شعب فلسطين كان دائما على ارض فلسطين , حيا كان ام شهيدا".
إن نظرة فاحصة إلى الوراء، تظهر بوضوح أن مجزرة كفر قاسم، لم تحدث بسبب خلل في السياسة، لكنها كانت جوهر هذه السياسة الرسمية تجاه الجماهير العربية في إسرائيل. لقد نفّذ رجال الشرطة وحرس الحدود مجزرة كفر قاسم، بدون أية علاقة مع عمل حربي أو عدائي من قبل المواطنين، وحتى من دون إبداء أية مقاومة أو تصدي. إن أولئك الذين أطلقوا نيرانهم على صدور الأطفال والكبار، لم يشعروا بالحاجة حتى إلى البحث عن مبرر لجرائمهم. لقد كانت هذه بكل بساطة مجزرة بدم بارد
في التاسع والعشرين من أكتوبر 1956، وعلى مداخل كفر قاسم الآمنة، تجلّت عنصرية حكام إسرائيل بألوانها الطبيعية، حين أطلق رجال الأمن نيرانهم دون تمييز وبدم بارد، على صدور تسعة وأربعين مواطنا أبناء القرية، من الأمهات والآباء والأطفال، من الفلاحين والعمال والكادحين، الذي اختلط دمهم بعرق جبينهم في هذه المجزرة الرهيبة، وسال على أرض كفر قاسم الطيبة. واحد وخمسون عاما مرّت منذ مجزرة كفر قاسم، ولا زالت المجزرة ماثلة وفاعلة ومتفاعلة، ليس جزءا من التاريخ فقط، بل جزءا من الحالة السياسية، تربط بين السياسة والتاريخ، وتحتل موقعا بارزا في كليهما.
وبالرغم من أن تاريخ الشعب الفلسطيني مرصوف بالمجازر وجرائم الحرب، التي راح ضحيتها المدنيون الأبرياء، إلا أن مجزرة كفر قاسم من بينها جميعا، هي التي حفرت واستقرت في وعي الأقلية القومية العربية، وفي وعي المؤسسة السياسية الإسرائيلية، على أنها "صدمة مؤسسة" في علاقة دولة إسرائيل بمواطنيها العرب وبشرعية مواطنتهم. إن المؤسسة الإسرائيلية السياسية والعسكرية، ذاتها التي طالبت المواطنين العرب بإعلان ولائهم للدولة في كل مناسبة، أدارت للمواطنين العرب ظهرها، في كل مرة كان على الدولة أن تعلن ولاءها لشرعية مواطنتهم وحقوقهم المدنية والقومية والإنسانية. لم تتغير العقلية الصهيونية الموجهة لسياسة "اسرائيل". فلا زالت تتعامل مع أبناء شعبنا الباقين في وطنهم كجسم مشبوه غير مرغوب فيه، وبرغم مرور 51 عامًا على مجزرة كفر قاسم وفشلها ومنذ اليوم الأول في تحقيق ما تصبوا إليه هذه السياسة، فلا زالت ترتكب المجازر بحق أبناء شعبنا. فبالإضافة إلى حمّام الدم المتواصل منذ قرابة سبعة اعوام على انتفاضة القدس والأقصى والاستقلال، وسقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى في مناطق السلطة الفلسطينية, فقد اغتالت قوات هذه "الدولة" ثلاثة عشر شابًا من أهلنا في فلسطين 48، ممن يعتبرون مواطنين في هذه" الدولة"..!
أثارت المجزرة ضجة كبرى في الضمير العالمي ما كان من الحكومة الإسرائيلية سوى أن أجرت محاكمات صورية لمعاقبة مرتكبي المجزرة و أصدرت بحق مرتكبيها أحكاما ستظل وصمة عار في تاريخ البشرية حيث لم تتناسب العقوبات إطلاق مع حجم الجرم المرتكب فكان ثمن أرواح الأبرياء عقوبات مؤجلة بالسجن لفترات لم يتجاوز أقصاها العام أو العامين. وقدً تسلم عدد كبير من مرتكبي امجزرة مناصب رفيعة في الدولة، حيث تسلم احدهم وظيفة ضابط الأمن في مفاعل ديمونة النووي، وتسلم اخر- ويا للسخافة - منصب مدير الدائرة العربية في بلدية الرملة.وأما "يسخار شدمي" الذي كان صاحب الأمر الأول في هذه المذبحة فقد قُدّم إلى المحاكمة في مطلع عام 1959، وكانت عقوبته التوبيخ ودفع غرامة مقدارها قرش إسرائيلي واحد (أغورة). لقد كانت المحاكمة، مستهترة بكل القيم، وكان انعقادها بحد ذاتها كقيام كيان العدو، إحدى سخريات هذا الزمن الذي تشكل القضية الفلسطينية مأساته وملهاته.
ان الموت نهاية الجميع , لكن لشهداء كفر قاسم, فان الشهادة بداية لحياة أبديه , في قلوب ووجدان شعبنا , سيبقون شباب , أطفال , تماما كما كانوا لحظة استشهادهم , لقد أصبحوا خارج الزمان , أصبحوا مخلدين في الوجدان , يشكلون الشاهد على الجريمة , والشهادة على صمود شعبنا الأسطوري...! كفر قاسم: ما زال الجرح عميق، نزاف../يذوب منه القلب والآلام أصناف../خمسة عقود في جيد الظالم../لا عدل ولا انصاف../خرزاتها درّ اسود كضمير زيف الأَشراف/لقد زحف آواخر تشرين/هذا اليوم البائس الحزين/الشاهد على العصر اللعين/وآه كالبركان تزفر بحرقة/تشكو الدهر من عبث الاقدار/وحصاد الارواح بيد الجزار
في عز النهار/فاستحال الزيتون زيتا أحمرا/ومقبرة للشهداء الابرار/وزخ الرصاص في القلوب الطاهرة/مثل زخ الامطار/ايضا في عز تشرين الشهر الحزين لنا أجمعين/فساد الشؤم مرابعها والويل تابعها/وفي ارباضها تمزّق الضمير/وطمس سحنتها ظلم الدياجير/وقناصة نشوى بصيد العصافير/ويلكم من يوم عبوس قمطرير/وويحك ايها الشرير يا ابن الشرير/ستنصلي في جهنم بنار السعير/جمركم سيحرقكم بلظىً/انتم اشعلتموه من حطب الزيتون/وسيبقى الزيتون ثابتا/لا يود طمس الحقيقة/فهي في الجذور عميقة/حتى وان مرت عقود، وعهود سحيقة/فانصاب شواهد القبور/هي خير وثيقة/أُحييك يا كفر قاسم/انتِ وأهلك/وما دام في العروق رمق/فالايام – يوما ما تجلو الحقيقة/وأحيي التراب الذي احتضن شهدائك/لأنك يا كفر قاسم/رمزا في صفحات التاريخ/وبصمة في جبين الدهر جدا عريقة.
وفي هذه المناسبة اتوجه الى قطبي القيادة الفلسطينية بان يعودوا الى طاولة الحوار فهو الخيار الوحيد لاعادة اللحمة الوطنية والوقوف امام مخططات الأعداء..ان العدو لا ينسى في حين نتسابق نحن إلى النسيان، تحت رايات الدعوة إلى "السلام" وليته يكون سلاماً حقيقياً، وليس ضرباً من الوهم، نخادع أنفسنا به. إن أحداً لا يعارض سلاماً حقيقياً يعيد الحقوق ويحرر الأراضي المحتلة، ويحقق قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس ويضمن حق العودة.. وهو ما يرفضه الصهاينة ويقاومونه
باختصار، إنهم لا ينسون، فلماذا ننسى؟ هذه هي القضية..! نحن أهل هذا الوطن، ولا وطن لنا سواه..لكل الناس وطن يعيشون فيه الا نحن فان وطننا يعيش فينا..ويا جذرنا الحي تشبث..واضربي في القاع يا اصول...!
المجد والخلود لشهداء كفر قاسم الأبرار ولكل شهداء قضيتنا العادلة ولكل شهداء حركات التحرر والمقاومة العربية والعالمية.

 


القدس المحتلة




د. صلاح عودة الله
(3)    هل أعجبتك المقالة (3)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي