أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

أيار الرمز الوطني والطبقي الإنساني ... مصطفى محمد غريب

مقالات وآراء | 2011-04-29 00:00:00

تحتفل الشغيلة في العالم بأول أيار من كل عام استذكاراً للنضال الذي خاضته الطبقة العاملة في صراعها مع الطغمة الرأسمالية في الولايات المتحدة الأمريكية وتضحياتها الجسيمة، وعندما نسمع اليوم ونشاهد تلك المآثر الكفاحية نحس بقوة المثل وعدالته وأنهم لبوا النداء ليس من اجل حقوقهم المطلبية والاقتصادية فحسب بل السياسية التي تعتبر حجر الزاوية في الصراع الطبقي ودافعوا بشكل مستميت عن حقوقهم وهم يسقطون مضرجين بدمائهم، وأثبت ذلك الحدث البطولي قناعة راسخة بمستقبل هذه القوة الطبقية الجديدة والتي أثبتت الحياة وسنوات ما يعد مجزرة شيكاغو أنها فعلاً تشكل المستقبل المشرق للبشرية جمعاء من أجل السلام والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، لقد كانت الأحداث التي أعقبت اضرابات عمال شيكاغو قد سجلت مآثر النقابيين الثمان الذين اعدموا في 11 / 11 / 1887 والكلمات الخالدة التي قالها أوجست سبايس " سيأتي اليوم الذي يصبح صمتنا في القبور أعلى من أصواتنا " وهذا ما حدث فعلاً، فها هي البشرية التقدمية تحتفل وتتذكر وتعلن أن أصواتها هي امتداد لتلك الأصوات المطالبة بـ ( 8 ) ساعات عمل وزيادة في الأجور وبيوت صحية والحصول على الحقوق العمالية والوقوف ضد الاستغلال وسرقة جهود الآخرين.
إن انتشار تلك الأصوات ونوعيتها وقوتها شكل هاجساً لدى الطغم المالية في كل مكان ولدى الحكومات الرجعية والدكتاتورية بما فيها منطقتنا العربية، وليس العراق ببعيد عنها بل العكس تماماً وللتاريخ لسان وعيون، وبما أننا ندرك أهمية البحث في نشوء وتاريخ الحركة العمالية العراقية وتأثيرها على الحياة السياسية والاقتصادية والمطلبية لكي تتطلع عليها الأجيال وتستفيد من تجاربها ومحطات نضالها بما فيها الاحتفال بأول أيار الذي كان تحدياً للحكومات التي تقف بالضد منه تخوفاً من كفاح الشغيلة ومطالبتها بحقوقها.
ـــ أصبح الاحتفال بأول أيار لدى الشغيلة العراقية وجميع الكادحين والكسبة والفلاحين تقليداً ثورياً وممارسة نضالية تهدف إلى تعميق الوعي الطبقي لدى الشغيلة بمهماتها الوطنية والطبقية وهذا النضال لم يكن في العراق إلا جزء من النضال العام الذي تخوضه الشغيلة في العالم من اجل انتصار قضاياها العادلة في تحقيق السلام بين الشعوب والديمقراطية السياسية وتحرير الشعب اقتصادياً وسياسياً من الهيمنة التي تنتهجها الطغم المالية والحكومات اللاديمقراطية التي تخاف من وعي الشغيلة ومن ممارستها النضالية الواعية لتحشيد جميع القوى الوطنية وقوى الشعب الكادحة للوقوف بالضد من مخططات الرأسمالية والطبقات الحاكمة الهادفة لزيادة الأرباح ومضاعفتها والسعي لاختزال الديمقراطية والحريات المدنية باتجاه تحريف دور الشغيلة ونضالها عن مسارها الصحيح نحو الإصلاحية الانتهازية .

أيار والحركة النقابية العراقية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بكـــم .. نبتدي واليكم نعود ومن سبب أفضالكم نستزيد
ومن فيض أيديكم ما نقيت ومــا نستجد .. وما نستفيد
فنحــــــن إذا شئتم والفناء ونحــن إذا شئتم والوجــود *

إن الاحتفال بأول أيار بالنسبة لشغيلة اليد والفكر في العراق أصبح نهجاً راسخاً وفُرض بتضحياتهم وإصرارهم أن يكون عيداً رسمياً في العراق بعد ثورة 14 تموز 1958 ولعبت النقابات منذ تأسيسها دوراً ريادياً في ترسيخ مفهوم وجوهر الاحتفال بأول أيار واعتبرته ركناً من أركان نضالها لكي يتعمق الوعي الطبقي والنقابي بين العمال العراقيين وان يكون التنظيم النقابي الذي هو شكلاً تنظيمياً من أشكال تنظيم الطبقة العاملة في مقدمة النضال لتعريف الشعب العراقي بأهمية وقيمة هذا الإرث النضالي في المجال الاممي والطبقي والوطني ويعد مأثرة من مآثر الشغيلة في العالم ولم تستطع حتى دكتاتورية النظام البعثصدامي من إلغائه، وبرز أول أيار كنهج للتضامن مع الشغيلة والشعوب التي تناضل من اجل الاستقلال والتحرر وبالضد من الهيمنة الرأسمالية والدفاع عن الحقوق المشروعة للطبقة العاملة وسائر الكادحين ،كما انه صار عيداً وطنياً للنضال الوطني الذي خاضه الشعب العراقي لترسيخ مبادئ المواطنة وفي سبيل الديمقراطية والحريات المدنية وحقوق الإنسان ولهذا جابهت الطبقة العاملة طوال نضالها الاضطهاد والإرهاب والملاحقة وهو تعبير عن مدى التخوف من قبل الحكومات التي تعاقبت على العراق من تأثيرها وإمكانيات تطور نضالها العام في تحشيد القوى الوطنية والتقدمية من اجل الديمقراطية والتقدم الاجتماعي والتأكيد على أن نضالها الطبقي لا يمكن أن يفترق عن نضالها الوطني ففي جوهر الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة وسائر الكادحين من جشع الاستغلال وسرقة قوة عملهم يكمن الهدف الأساسي من نضالها في تحرير الشعب من الهيمنة الاستعمارية وتثبيت حقوقه في المساواة والحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية.

اللجنة الوزارية والتجاوز على الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعدما قاست الطبقة العاملة وحركتها النقابية الوطنية من جور النظام السابق وسياسته التي كانت تهدف إلى تمزيق وحدتها والهيمنة على تنظيمها النقابي وإلغائه في قطاع الدولة والمختلط فإنها تجابه بعد الاحتلال والسقوط سياسة قديمة جديدة من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة وآخرها حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي لإخضاعها وإلغاء دورها الطليعي في الحياة الاجتماعية في إصدار حزمة من الإجراءات التي تهدف إلى تحجيم دورها ومطالبها والضغط على تنظيمها النقابي وزرع البلبلة والانشقاقات بهدف السيطرة عليها، واكبر دليل على ذلك تلك الإجراءات والقرارات غير الديمقراطية بدءً من تجميد أموال منظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق وقرار مجلس الحكم بقيادة الأمريكي بريمر المرقم ( 3 ) لعام 2003 والتعكز عليه من قبل اللجنة الوزارية العليا بتوجيه كتابيها المرقمين ( 95 و 96 في 17/4/2011) بإلغاء المكتب التنفيذي واعتبرته غير شرعي وهي تضع نفسها فوق إرادة الطبقة العاملة وتنظيمها النقابي مخالفة بذلك الحقوق المعلنة في المواثيق العربية والدولية بعدم التدخل في شؤونها الداخلية أو الضغط عليها بقرارات حكومية هدفها إلغاء دورها البناء في المجتمع وتهدف من خلف ذلك التحكم فيهما لمصلحة من يريد أن يقف بالضد منهما، فضلاً عن التدخل الفظ لإلغاء قراراتها ومنها الانتخابات النقابية المزمع أجرائها في الوقت الراهن بهدف باطني يمهد إلى تزويرها من قبل اللجنة الوزارية التي شكلتها وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني في العراق تحت اسم اللجنة التحضيرية للانتخابات والعمل على إصدار وتجديد الهويات النقابية وهي أحدى المهمات التي تقع على عاتق الاتحاد العام وليس مؤسسة حكومية مأمورة من قبل الوزارة والحكومة العراقية، ويعد هذا التوجه مخالفة صريحة لما تنص عليه قوانين العمل النقابية المتعارف عليها في التحضير لانتخابات نقابية حرة ونزيهة بدون تدخل اللجنة الوزارية الحكومية التي مهمتها تنحصر بالإشراف والمتابعة وأن أي تدخل أو توجيه لاعتبارات مصلحية حزبية أو حكومية يصدر من اللجنة الوزارية يعتبر تدخلاً في الشؤون النقابية الداخلية ويعد مرفوضاً في العمل النقابي كما يعتبر خرقاً فاضحاً للاتفاقيتين ( 87 و 98 ) الصادرتين من منظمة العمل الدولية والتي وقعها العراق سابقاً.
لقد أدانت الأمانة العامة للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب الضغوط الموجهة للعمل النقابي وأرسلت العديد من الرسائل إلى مدير منظمة العمل العربية ( احمد محمد لقمان) والى المدير العام لمنظمة العمل الدولية ( خوان سوما فيا) والسيدة ( شارون بارو)الأمين العام للكونفدرالية الدولية للنقابات والى الأمين العام لاتحاد العالمي للنقابات ( جورج مافريكوس) كما أرسلت رسائل تدين تلك الإجراءات التعسفية وغيرها إلى وزير الدولة لشؤون المجتمع الدولي ( دخيل قاسم حسون) مؤكدة " إن إضافة أي لجان نقابية جديدة دون التشاور مع النقابات العامة وقيادة الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق تعد هي الأخرى تدخلا غير مقبول نأمل أن لايتم اعتماده ، لأنه سوف يعطي صورة غير نقية على سير العملية الانتخابية " ومن "حق اللجان النقابية والنقابات العامة واتحادات المحافظات والمكتب التنفيذي في الاتحاد العام بإجراء انتخاباتها بإشرافها المباشر والاختيار الحر لقياداتها دون إقصاء أو تهميش لأي طرف، والابتعاد عن المحاصصة الطائفية أو الحزبية ودون تدخل أي تيار سياسي" وكذلك رسالة موجهة إلى رئيس الوزراء نوري المالكي بأن ما أتخذ من إجراءات غير قانونية ومنافية لمبادئ التنظيم النقابي وطالبت عدم التدخل في الشؤون الداخلية للاتحاد العام للنقابات العمال واعتبرت التدخل في تشكيل لجنة تحضيرية وإصدار بطاقات عضوية " وتشكيل لجان نقابية مخالفة للتشريعات النافذة " وهو بالتأكيد انتهاكاً مفضوحاً للحقوق والحريات النقابية المنصوص عليها في لجنة الحقوق الديمقراطية وحرية التنظيم من قبل منظمة العمل العربية ومنظمة العمل الدولية " وأكدت الأمانة العامة في رسالتها على " أن أية إجراءات تتم دون إرادة العمال وقيادتهم المعترف بها من قبلهم وطنياً والمعترف بها عربياً ودولياً سوف تكون من باب التدخل المرفوض وفقاً للأعراف الدولية وانتهاكاً صارخاً للحقوق والحريات النقابية "
لقد أفصحت الأمانة العامة للاتحاد الدولي عن موقفها الصريح من سياسة الإلغاء والتدخل في شؤون النقابات وحذرت من مغبة انتهاج نهج معاداة الاتحاد العام والحركة النقابية وبالتالي معاداة الشغيلة ولعل هذا التحذير يذكر الحكومة العراقية الحالية بمخاطر هذا النهج على العملية السياسية التي تبدو اليوم أكثر ضعفاً وتفككاً ولن تتحمل تصدعات قد تحيلها إلى مواقع أكثر ضعفاً وصولاً إلى إلغائها وخلق تعقيدات يدفع شعبنا ثمنها المأساوي وليس الكتل المهيمنة على القرار.. كما أن منظمات المجتمع المدني العراقية تعتبر تدخل الحكومة في شؤونها الداخلية مخالفة صريحة للقوانين وفي مقدمتها الدستور الدائم في العراق التي تمنع مثل هذه التدخلات والإجراءات غير القانونية.. وبدورنا وكل الشغيلة وسائر كادحي العراق يأملون أن تكف الحكومة العراقية من تدخلاتها التي تتشابه مع سياسة النظام السابق القمعي الذي كان يكيل العداء للشغيلة والحركة النقابية وأن ترفع يدها عن العمل النقابي بإلغاء القوانين الصادرة في زمن النظام السابق والمعادية للعمال وتنظيمهم النقابي وان تكف عن إجراءاتها غير الشرعية في العرف النقابي وقوانين العمل في العراق والعالم .
أن أول أيار يحل في ظروف ومستجدات غير متوقعة تقريباً فها هي الثورات والانتفاضات والاحتجاجات تعم أكثرية الدول العربية والنتائج كما هي موجودة أمام الجميع فقد سقطت حكومة زين العابدين وانتهى أمره في المنفى السعودي وسقطت حكومة حسني مبارك وبضغط الجماهير المصرية تنحى عن الرئاسة وأحيل مع أبنائه والبعض من المسؤولين إلى العدالة والتحقيق حول الثراء والفساد في مصر، ثم الاحتجاجات والمظاهرات في البحرين والأردن وسوريا ولبنان ، أما في العراق فإن المظاهرات والاحتجاجات ضد الفساد وسوء الخدمات مازالت مستمرة والشعب العراقي مازال يعاني الأمرين من عدم الاستقرار واضطراب الأمن والاغتيالات بكاتم الصوت وانتشار الفساد المالي والإداري وسوء الخدمات والبطالة وتوسع دائرة الفقر والغلاء الفاحش في الأسعار المعيشية والسكنية.
في هذه الظروف نجد أن الشغيلة وسائر الكادحين في جميع هذه الدول لم تكن بعيدة عن الواقع وما جرى من تغيرات كان لها تأثير غير قليل عليها، وبالتأكيد أيضاً أنها سوف تستفيد من هذه التجارب لتطوير إمكانياتها وزيادة لحمتها النقابية والتنظيمية والتخلص من المفاهيم القديمة حول حصر العمل النقابي والنقابات بالمهنية والمطلبية وقد يتحول في الدولة المدنية إلى منظمة واسعة لها دورها السياسي كما هو دورها الاقتصادي الاجتماعي، ولا بأس من التذكير أن النقابات والعمل النقابي بعد الهجمات المستمرة ضده والمحاولات الحكومية بتحجيم نشاطه ومحاولات محمومة للتضييق على الحريات النقابية والديمقراطية أظهر انه قوة جماهيرية تتفاعل مع عموم الشعب وقضاياه الرئيسية التي تجابه البلاد ومنها التسلط الدكتاتوري والنهج اللاديمقراطي والمحاولات التي تهدف الى إضعاف وحدته وإنهاء دوره في العملية السياسية الهادفة الى الاعتراف الكامل باستقلاليته وكفاحه الدؤوب من اجل رحيل القوات الأمريكية وترسيخ مبادئ الديمقراطية وبناء الدولة الوطنية المدنية الديمقراطية.
إن الحركة النقابية وفي مقدمتها الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق تتعرض الى الضغوط والتدخل في شؤونها ومحاولة الهيمنة عليها من خلال تزوير الانتخابات النقابية القادمة لأهداف سياسية وحزبية ضيقة وتنصيب أناس غير مؤهلين وتابعين بهدف جعل الحركة النقابية تابعة كأي مؤسسة حكومية مثلما كان في السابق، ولعل التذكير بالمطالبات الكثيرة بإلغاء قوانين النظام السابق في مجال العمل النقابي وفي مقدمتها قرار 150 لسنة 1987 وقرار 52 1987حيث لم تحرك لا الحكومة العراقية ولا مجلس النواب أو أية كتلة من الكتل التي تهيمن على السلطة ساكناً وكأنهم راضون ومصممون على غلق أذانهم لأنها تخدمهم مثلما خدمت وزير النفط السابق الشهرستاني عندما تعكز بالقول أن القوانين بالضد من تشكيل نقابات ولجان نقابية في قطاع النفط باعتباره قطاع حكومي وهو أمر ليس بالغريب عن هذه التدخلات والإجراءات لأن تلك القوانين التعسفية تخدم التوجهات الجديدة وتكمن من وراء عدم الإلغاء أهداف مقصودة لإلحاق الضرر والأذى بالحركة النقابية والعمل على جعلها هامشية غير مؤثرة ولا تخدم مصلحة العمال في العراق، ولهذا تقع على عاتق منظمات المجتمع المدني والحركة الوطنية والديمقراطية مهمة كشف النوايا التي تبيت بالضد من الحركة النقابية العراقية والوقوف ضدها والعمل على تعريتها فللعلم إذا تغدوا بالحركة النقابية والاتحاد العام فسوف يكون عشائهم القادم حتماً منظمات المجتمع المدني وأي تحرك ديمقراطي حر.


* من قصيدة للشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في أول أيار عام 1960




التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
"فريق الأحلام"؟.. 10 سوريين تنكروا بزي لاعبي طائرة للسفر إلى سويسرا فاعتقلتهم اليونان      الجمارك الأردنية تمنع مرور الدخان من وإلى سوريا      درعا.. عمليتان نوعيتان توقعان قتلى وجرحى في صفوف قوات الأسد      ليفربول يفوز على تشيلسي وينفرد بصدارة الدوري الإنجليزي      خبيران قانونيان.. هذه حقيقة عفو الأسد      فيفا: إيران سترفع الحظر على حضور النساء المباريات      الإمارات تخطط لبناء أول معبد يهودي رسمي في أبو ظبي      بلجيكا تحتفل بـ"يوم بدون سيارات"