أسسها فتحي ابراهيم بيوض عام 2005- حمص

الشخصية السلطوية لإيريك فروم ... مازن كم الماز

مقالات وآراء | 2011-04-12 00:00:00


ما الذي نعنيه "بالشخصية السلطوية" ؟ إننا نرى عادة فرقا واضحا بين الفرد الذي يريد أن يحكم , يتحكم , أو يمنع الآخرين و بين الفرد الذي ينزع ( يميل ) إلى الخضوع , إلى الطاعة , أو لأن يتعرض للإذلال . لنستخدم مصطلحا ( تعبيرا ) أكثر لطافة إلى حد ما , يمكننا أن نتحدث عن القائد و عن أتباعه . بشكل طبيعي كما قد تكون الاختلافات بين الحاكم و المحكوم – بطرق عدة – علينا أن نقر أيضا أن هذين النوعين , أو ما يمكننا أن نصفهما , هذين الشكلين من الشخصية السلطوية هما بالفعل مرتبطين ببعضهما البعض بقوة .
ما يجمعهما , و ما يحدد جوهر الشخصية السلطوية هو عدم القدرة على الاعتماد على النفس , عدم القدرة على أن تكون شخصية مستقلة , أو بكلمات أخرى , غير قادرة أو عاجزة عن تحمل الحرية .
عكس الشخصية السلطوية هو الشخص الناضج : شخص لا يحتاج إلى أن يلتصق بالآخرين لأنه يقبل و يفهم العالم بنشاط , و الناس , و الأشياء من حوله . ما الذي يعنيه هذا ؟ يبقى الأطفال محتاجين لأن يبقوا مرتبطين ( ملتصقين ) بأحد ما . في أرحام أمهاتهم يكونون – بالمعنى الفيزيائي ( المادي ) – متحدين مع أمهاتهم . بعد الولادة , و لعدة أشهر و بكثير من الطرق حتى لعدة سنوات , فإنهم يبقون – بالمعنى السيكولوجي النفسي – جزءا من أمهاتهم . لا يمكن للأطفال أن يوجدوا من دون مساعدة الأم . لكنهم ينمون و يتطورون . يتعلمون المشي , الكلام , و أن يجدوا طريقهم في العالم الذي يصبح عالمهم . يملك الأطفال مهارتين , متأصلتين في الفرد , يمكنهم أن يطوروهما : هما الحب و العقل .
الحب هو رابطة ( ارتباط ) و شعور الإنسان تجاه العالم بينما يحتفظ هذا الإنسان باستقلاليته و كرامته . الشخص المحب يرتبط مع العالم . إنه لا يخشاه لأن العالم هو منزله . يمكنه أن يفقد نفسه ( يضيع نفسه ) لأنه متأكد من نفسه .
يعني الحب إدراك العالم كتجربة شعورية . لكن هناك طريقة أخرى للإدراك و الفهم هي الفكر . إننا نسمي هذا النوع من الفهم بالعقل . إنه مختلف عن الذكاء . الذكاء هو استخدام العقل لتحقيق أهداف عملية محددة . يستعرض الشمبانزي الذكاء عندما يرى موزة أمام قفصه لكنه لا يستطيع الوصول إليها بواسطة عصا أو اثنين من قفصه , عندها يجمع العصوين معا و يحصل على الموزة . هذا هو ذكاء الحيوان , الذي هو نفس الذكاء المراوغ الذي نسميه عادة بالفهم عندما نتحدث عن البشر . العقل هو شيء آخر . العقل هو فعالية ( نشاط ) الدماغ الذي يحاول أن يخترق السطح ليصل إلى لب الأشياء , ليفهم ما يوجد في الواقع خلف هذه الأشياء , ما هي القوى و الدوافع التي تفعل – بينما هي غير مرئية – و تحدد تلك المظاهر .
لقد أعطيت هذا الوصف عن الفرد الناضج , أعني الفرد المحب و العاقل ( أو العقلاني ) لأعطي تعريفا ( أو تحديدا ) لجوهر الشخصية السلطوية . الشخصية السلطوية هي شخصية لم تنضج بعد , لا يمكنها أن تحب و لا أن تستخدم العقل . بالنتيجة , فإنها تحتاج لأن تشعر برابطة , لا تتطلب لا الحب و لا العقل – و هي تجدها في علاقة التبعية , في شعور الفرد تجاه الآخرين , ليس بالحفاظ على هويته , بل برفض و تدمير هويته . الشخصية السلطوية تحتاج إلى شخص آخر لتتحد به لأنه لا يمكنها أن تتحمل وحدتها و خوفها .
لكننا نصل هنا إلى حدود ما يجمع بين كلا هذين الشكلين من الشخصية السلطوية – الحاكم و المحكوم .
السلطوي المنفعل , أو بكلمة أخرى , الشخصية المازوخية و الخاضعة تهدف – بشكل غير واعي على الأقل – إلى أن تصبح جزءا من وحدة أكبر , جزيء صغير , ذرة , صغيرة على الأقل , من هذا الشخص "العظيم" , هذه المؤسسة "العظيمة" , أو هذه الفكرة "العظيمة" . الشخص , المؤسسة , أو الفكرة قد تكون بالفعل هامة , قوية , أو أن تكون فقط مضخمة بشكل لا يصدق من قبل الأفراد الذين يعتقدون بها . ما هو ضروري , هو أن يقتنع الفرد – بطريقة خاضعة ( أو مستسلمة ) – أن قائد"ه" , حزب"ه" , دولت"ه" , أو فكرت"ه" , كلية القوة و متفوقة , أنه هو نفسه قوي و عظيم , لأنه فقط جزء من شيء "أعظم" . تناقض هذا الشكل المنفعل للشخصية السلطوية هو : أن الشخص يقلل ( يخفض ) من أهمية نفسه بحيث يمكنه – كجزء من شيء أعظم – أن يصبح عظيما هو نفسه . يريد الفرد أن يتلقى الأوامر , بحيث لا يضطر ليتخذ القرارات و أن يتحمل المسؤولية بنفسه . هذا الشخص المازوخي الذي يبحث عن التبعية هو في أعماقه يحمل على شكل رعب ( يصاب بالذعر من ) – غالبا بشكل غير واع فقط – شعورا بالدونية , العجز , الوحدة . لهذا , فإنه يبحث عن "قائد" , سلطة عليا , ليشعر بالأمان و الحماية من خلال المشاركة فيها و ليتغلب على دونيته . بشكل غير واعي , يشعر بعجزه و يحتاج إلى القائد ليسيطر على هذا الشعور . هذا الفرد المازوخي و المستسلم , الذي يخشى الحرية و يهرب إلى عبادة الأصنام , هو الشخص الذي تقوم عليه النظام السلطوية – النازية و الستالينية .
أكثر صعوبة من فهم الشخصية السلطوية المنفعلة , المازوخية , هو فهم الشخصية السلطوية الفاعلة , السادية . بالنسبة لأتباعه فإنه يبدو واثقا من نفسه و قويا لكنه أيضا خائف و وحيد تماما كما هي الشخصية المازوخية . بينما يشعر المازوخي أنه قوي لأنه جزء صغير من شيء أعظم , يشعر السادي بالقوة لأن الآخرين ينضمون إليه – الكثير من الآخرين إن كان ذلك ممكنا , فإنه يفترسهم , كما قد يمكننا أن نقول . الشخصية السلطوية السادية هي معتمدة على المحكوم بقدر ما أن الشخصية السلطوية المازوخية معتمدة على الحاكم . لكن المظهر قد يكون خادعا . طالما كان ممسكا بالسلطة , يبدو القائد – لنفسه و للآخرين – قويا و قادرا . يصبح عجزه واضحا فقط عندما يفقد سلطته , عندما لا يعود بإمكانه ان يفترس الآخرين أو أن يبتلعهم , عندما يكون عليه أن يكون لوحده ( أن يعتمد على نفسه ) .
عندما أتحدث عن السادية كجزء فاعل من الشخصية السلطوية , قد يتفاجئ الكثيرون لأن السادية تفهم عادة كميل ( نزوع ) للتعذيب و التسبب بالألم . لكن الواقع أن هذه ليست هي المسألة ( أو القضية ) في السادية . الأشكال المختلفة للسادية التي يمكننا مراقبتها توجد جذورها في التعطش ( السعي ) , للتسيد و التحكم بشخص آخر , لجعله مادة ( شيئا , مفعول به ) عاجزة لإرادة الشخص , ليصبح حاكمه , لأن يتصرف به بما يراه مناسبا و من دون أية قيود . الإذلال و الاستعباد هي فقط وسائل لهذا الغرض , و أكثر الوسائل راديكالية هي جعله يعاني , طالما أنه لا توجد سلطة أعظم فوق الشخص من جعله يعاني , من أن تفرض عليه أن يتحمل الآلام دون مقاومة .
حقيقة أن كلا هذين الشكلين من الشخصية السلطوية يمكن تعقبهما حتى نقطة واحدة أخيرة مشتركة – هي النزوع أو الميل إلى التبعية – تظهر لماذا يستطيع المرء أن يجد مكونات ( عناصر ) سادية و مازوخية في الكثير من الشخصيات السلطوية . عادة ما يختلف هو الغايات فقط . لقد سمعنا جميعا عن طاغية العائلة , الذي يعامل زوجته و أطفاله بطريقة سادية لكن عندما يواجه من هم أعلى منه في المكتب يصبح موظفا خاضعا . أو لنسمي مثالا معروفا بشكل أفضل : هتلر . لقد تحكمت به الرغبة في أن يحكم الجميع , الشعب الألماني و أخيرا العالم , أن يجعل منهم أشياء ( مواد , مفعولات بها ) عاجزة لإرادته . و مع ذلك نفس هذا الرجل كان معتمدا بشدة , معتمدا على تصفيق الجماهير , و على مواقفة مستشاريه , و على ما كان يسميه سلطة أعلى للطبيعة , و التاريخ و القدر . لقد استخدم صيغا دينية مزيفة ليعبر عن هذه الأفكار عندما قال على سبيل المثال : "تقف السماء فوق الشعب , حيث يمكن للمرء لحسن الحظ أن يخدع الإنسان , لكن ليس السماء" . لكن السلطة التي أثارت إعجاب هتلر أكثر من التاريخ , و الإله أو القدر كانت الطبيعة . عكس الميل ( النزوع ) في السنوات ال400 الأخيرة للسيطرة على الطبيعة , أصر هتلر على أن المرء يمكنه و يجب عليه السيطرة على الإنسان لكن ليس الطبيعة أبدا . فيه نجد هذا المزيج الوصفي للنوازع ( الميول ) السادية و المازوخية للشخصية السلطوية : فالطبيعة هي السلطة الأعظم التي علينا أن نخضع لها , لكن الإنسان الحي هناك لكي نهيمن عليه .
لكن لا يمكننا أن نغلق موضوع الشخصية السلطوية دون أن نتحدث عن مشكلة هي السبب لكثير من المفاهيم الخاطئة ( سوء الفهم ) . عندما يكون وعي السلطة مازوخيا و ممارستها ساديا , هل يعني هذا أن كل سلطة تحتوي على شيء ما مرضي ؟ يعجز هذا السؤال عن أن يجري تمييزا هاما جدا بين السلطة العقلانية و غير العقلانية . السلطة العقلانية هي إدراك ( أو وعي ) السلطة على أساس تقييم جدارتها ( 1 ) . عندما يدرك طالب ما سلطة أستاذه بأنه يعرف أكثر منه , فهذه عندها تقييم معقول ( عقلاني ) لجدارتها . نفس الشيء عندما كمسافر على سفينة أدرك سلطة القبطان في اتخاذ القرارات الصحيحة و الضرورية عندما نكون في خطر . لا تقوم السلطة العقلانية على استبعاد عقلي و ملكتي النقدية بل تفترضهما عوضا عن ذلك كشرط مسبق . لا يجعل هذا مني صغيرا و من السلطة عظيمة بل يسمح للسلطة بأن تكون متفوقة عندما و طالما امتلكت الجدارة .
السلطة اللاعقلانية مختلفة . إنها تقوم على الخضوع ( الاستسلام ) العاطفي لشخصي تجاه شخص آخر : أنا أعتقد أنه على حق , ليس لأنه جدير , إذا تحدثنا بشكل موضوعي , و لا لأني أدرك جدارته تلك بشكل عقلاني . في روابط السلطة اللاعقلانية , يوجد خضوع مازوخي بأن أجعل نفسي صغيرا و السلطة عظيمة . علي أن اجعلها عظيمة , بحيث أستطيع – كاحد جزيئاتها – أيضا أن أكون عظيما . السلطة العقلانية تميل ( تنزع ) إلى ان تنفي نفسها , لأنني كلما فهمت أكثر كلما نقصت المسافة بيني و بين السلطة . السلطة اللاعقلانية تميل إلى أن تعمق و تطيل من ذاتها . كلما كنت أنا أكثر تبعية ( اعتمادا ) و لفترة أطول كلما أصبحت أكثر ضعفا و زادت حاجتي للالتصاق ( الارتباط ) بالسلطة اللاعقلانية و الخضوع .
كل الحركات الديكتاتورية الكبرى لزماننا كانت ( و ما تزال ) تقوم على السلطة اللاعقلانية . كانت قواها الدافعة هي شعور الفرد الخاضع بالعجز , و الخوف و و الإعجاب ب"القائد" . كل الثقافات الكبرى و المنتجة ( المثمرة ) قامت على وجود سلطة عقلانية : على الشعب الذي يستطيع أن يجمع المهام المعطاة ( المحددة ) بشكل عقلي ( ذكي ) و اجتماعي و لذلك لا يحتاج لأن يلجأ للرغبات اللاعقلانية .
لكني لا أريد أن أنهي دون أن أشدد على أن هدف الفرد يجب أن يكون هو سلطته الخاصة , أي أن يمتلك وعيا في المسائل الأخلاقية , و اقتناعا في مسائل الفكر , و صدقا في الأمور العاطفية . لكن الفرد يمكنه فقط أن يملك مثل هذه السلطة الداخلية إذا كان ناضجا بما فيه الكفاية ليفهم العالم بعقل و حب . تطور هذه الخصائص هي أساس سلطة المرء الخاصة و لذلك هي الأساس للديمقراطية السياسية .

 


نقلا عن www.marxists.org/archive/fromm/index.htm
إيريك فروم ( 1900 – 1980 ) من مفكري مدرسة فرانكفورت الماركسية , أمريكي من أصل ألماني , اهتم بالتحليل النفسي
( 1 ) انتقد الكثيرون , بينهم ميخائيل باكونين , الدعوة لسلطة ( أو لديكتاتورية ) التخصصيين أو الأخصائيين , و اعتبروا دورهم استشاريا لسلطة شعبية ديمقراطية حقا تقوم على مؤسسات المجالس أو اللجان الشعبية أو العمالية , و في سياق الثورة الروسية جرى صراع هام بين المعارضة العمالية و بين لينين و تروتسكي و سائر القيادة البلشفية في هذا الخصوص , بين عامي 1920 – 1921 , انتهى بانتصار خط القيادة البلشفية و تجريم المعارضة العمالية و حلها و بالتالي فرض إدارة الرجل الواحد ( الأخصائي ) على المعامل كبديل عن لجان المعامل التي كانت قد تشكلت قبل و أثناء ثورة أكتوبر , نعرف جيدا ما الذي حدث بعد ذلك , اندمج هؤلاء المدراء ( التخصصيون ) مع أعلى درجة في قيادة الحزب و شكلوا طبقية البيروقراطية الدولتية الحزبية الأمنية العسكرية الحاكمة في الاتحاد السوفيتي يومها – المترجم

التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي
X :آخر الأخبار
صور... الضرائب والحرائق تشعل لبنان بالمظاهرات      واشنطن تعلن وقف العملية العسكرية التركية في سوريا      ترامب "يغرد" شاكرا أردوغان: الأخبار عظيمة قادمة من تركيا      أبناء الاغتصاب في البوسنة يستخدمون الفن لرفع صوتهم      عشرات الآلاف يشاركون في ماراثون بنيودلهي إحدى أكثر مدن العالم تلوثا      سامسونج تعد بحل مشكلة التعرف على البصمة في Galaxy S 10      "الوطني" يتقدم في "رأس العين" ووضع "قسد" هو الأسوأ      مقتل 6 عناصر من "الجيش الوطني" وجرح آخرين في هجوم لـ"قسد" شمالي حلب