أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

من شقق الـ 250 ألف دولار إلى تجارب الإقليم: أين وجهة المواطن السوري في خطط الإعمار؟

تُظهر المشاريع العقارية الحالية أرقاماً صادمة للرأي العام - أ ف ب

في الوقت الذي تنفض فيه سوريا غبار سنوات الحرب وتتطلع إلى مرحلة البناء والتعافي، تبرز أزمة السكن كواحدة من أعمق التحديات وأكثرها إلحاحاً للمواطنين، لا سيما الشباب والمغتربين الذين وجدوا أنفسهم خارج معادلة الاستقرار العقاري. 

ومع الإعلان عن مشاريع سكنية جديدة بأسماء براقة وشركات واجهة، تتسع الفجوة يوماً بعد يوم بين تطلعات الشارع السوري والسياسات الاقتصادية المتبعة التي باتت تُدار بمنطق "الربح التجاري الفاحش"، لتخدم طبقة ضيقة من المستفيدين على حساب الغالبية العظمى من ذوي الدخل المحدود.

مشاريع "الواجهة" واستفادة وزارة الأشغال
تشهد الساحة العقارية في سوريا طرح مشاريع ضخمة بأسماء براقة. غير أن القراءة الفاحصة لواقع هذه المشاريع تكشف عن كونها مجرد "واجهات تخطيطية" وشركات مقاولات تلعب دور الغطاء. 

هذا النمط من الاستثمار يعيد طرح التساؤلات حول جدوى الاعتماد على شركات كبرى تقدم منتجاً عقارياً موجهاً حصرياً للفئات الثرية "وحيتان المال"، متجاهلة تماماً الاحتياجات الحقيقية للسوق والمواطن البسيط.

الواقع العقاري: أرقام فلكية وفجوة طبقية
تُظهر المشاريع العقارية الحالية أرقاماً صادمة للرأي العام، حيث تبدأ أسعار الشقق السكنية المعروضة من 250,000 دولار أمريكي كمستوى أدنى، قابلة للزيادة تحت ذرائع التضخم أو بنود "القوة القاهرة".

هذه الأسعار تجعل امتلاك مسكن حلماً مستحيلاً أمام المهندس، والموظف، والعامل، والشباب المغتربين العائدين، متسائلين بحرقة: "من أين يأتي المواطن العادي بهذه الأموال؟ وكيف يمكن شراء شقة تعادل ميزانية أسر لعدة أجيال؟".

في المقابل، تُقدم تجارب إقليمية مقارنة دروساً عملية في العدالة الاجتماعية؛ ففي تركيا على سبيل المثال، تم طرح شقق سكنية متكاملة لمتضرري الزلزال بأسعار مدروسة لا تتجاوز 40,000 دولار أمريكي (نحو 1.89 مليون ليرة تركية)، وبنظام تقسيط ميسر يبدأ بعد عامين من التسليم ويمتد على مدار 18 عاماً، بقسط شهري زهيد لا يتجاوز 184 دولاراً (8,750 ليرة تركية).

نحو رؤية سورية بديلة لإعادة الإعمار
استناداً إلى الخبرات الهندسية الطويلة في مشاريع الإنشاءات والإسكان داخل دول الخليج، وإعادة الإعمار في كل من ألمانيا والعراق وتركيا، تتضح معالم رؤية وطنية متكاملة لتجاوز الأزمة، وتقوم على المحاور التالية:
• توطين الصناعات الإنشائية الأساسية: يجب على الدولة تأمين وتشغيل خطوط إنتاج الأسمنت، الحديد، المقالع، الكابلات الكهربائية، السيراميك، والرخام محلياً، بما يضمن سد الحاجة الفعلية للمشاريع وضمان استقرار أسعارها بمعزل عن تقلبات السوق والاستيراد.
• إطلاق مشاريع سكنية "بسعر التكلفة": تبني وزارة الأشغال العامة والإسكان خطة وطنية واضحة لإطلاق وحدات سكنية تُباع بسعر التكلفة الفعلية، مع إعلان رسمي يحدد سعر كل شقة بحسب مساحتها، طابقها، وإطلالتها، فضلاً عن تحديد دفعة أولى ميسرة وفترات سداد طويلة الأجل.
• إعادة تعريف "ربح الدولة": لا ينبغي أن تنظر الدولة إلى مشاريع الإسكان بمنطق الشركات التجارية الربحية البحتة. إن ربح الدولة الحقيقي يتمثل في:
◦ تغطية رواتب الكوادر الإدارية والهندسية العاملة على المشروع.
◦ تحريك الدورة الاقتصادية الكبرى: من خلال تشغيل آلاف العمال، الحرفيين، النجارين، الحدادين، الفنيين، وقطاعات النقل، المطاعم، والخدمات، مما يضخ سيولة حقيقية في شرايين الاقتصاد الوطني.

الاعتماد على سياسات اقتصادية تعزل المواطن وتترك السوق لسيطرة طبقة معينة لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات الاجتماعية. إن سوريا اليوم بحاجة ماسة إلى استثمار طاقات أبنائها وشبابها المهاجر، وجعل "البيت السوري" حقاً أساسياً متاحاً للجميع، لا سلعةً تجارية محتكرة لأصحاب الثروات الفاحشة. 

زمان الوصل
    هل أعجبتك المقالة (0)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي