لم تتخيل البيلسان الناصر، الطالبة السورية القادمة من محافظة الرقة، أن رحلة البحث عن مقعد جامعي آمن ستقودها إلى مواجهة حربين بدلًا من تحقيق حلمها بارتداء المعطف الأبيض.
فبعد أن غادرت سوريا هربًا من الحرب، التحقت بإحدى الجامعات السودانية عبر مراكز الاستضافة في المملكة العربية السعودية، قبل أن تجد نفسها اليوم أمام مستقبل أكاديمي مجهول إثر قرار إنهاء تلك المراكز.
قصة البيلسان تعكس معاناة أكثر من 800 طالب وطالبة سوريين، معظمهم يدرسون الطب وطب الأسنان والصيدلة والعلوم الصحية، باتوا مهددين بخسارة سنوات من الدراسة بعد مطالبتهم باستكمال تعليمهم داخل السودان، في وقت يرون فيه أن العودة لا تزال محفوفة بالمخاطر.
وبين قرار صدر في الخرطوم، ومذكرة تنتظر ردًّا في دمشق، يترقب هؤلاء الطلاب حلًّا يحفظ حقهم في استكمال تعليمهم دون أن يدفعوا ثمن حرب جديدة.
كيف بدأت الأزمة؟... من مراكز الاستضافة إلى قرار الإغلاق
بعد اندلاع الحرب في السودان عام 2023، أنشأت جامعات سودانية حكومية وخاصة مراكز استضافة أكاديمية مؤقتة في المملكة العربية السعودية، حفاظًا على استمرار العملية التعليمية، ولا سيما في التخصصات الطبية التي يصعب تعليق الدراسة فيها.
وضمت هذه المراكز طلابًا من جامعات معترف بها، من بينها جامعة الخرطوم، وجامعة النيلين، وجامعة السودان العالمية، إضافةً إلى عدد من الجامعات والكليات السودانية الأخرى.
ويؤكد الطلاب أن هذه المراكز لم تكن فروعًا مستقلةً للجامعات، بل ترتيبات أكاديمية مؤقتة فرضتها ظروف الحرب، فيما بقيت جميع السجلات الأكاديمية والشهادات تصدر عن الجامعات الأم في السودان وتحمل تصديقات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السودانية.
غير أن هذا الحل المؤقت انتهى مؤخرًا بقرار وزارة التعليم العالي السودانية إنهاء العمل بمراكز الاستضافة، وهو ما أعاد مئات الطلاب إلى دائرة القلق بشأن مستقبلهم الدراسي.
العودة إلى السودان... بين المخاطر واستحالة التنفيذ
يطالب القرار الطلاب باستكمال دراستهم من داخل السودان، إلا أن معظمهم يؤكد أن العودة ليست خيارًا واقعيًّا في ظل استمرار الاضطرابات الأمنية والإنسانية، إلى جانب صعوبات استخراج التأشيرات وتكاليف السفر والإقامة.
ولا تتوقف المخاوف عند الجانب الأمني، بل تمتد إلى احتمال ضياع سنوات دراسية كاملة، خصوصًا أن كثيرًا من الطلاب تجاوزوا السنوات الأولى، وبعضهم يقترب من المراحل السريرية في الكليات الطبية.
وترى نور عبد العزيز، طالبة الطب البشري في سنتها الثالثة ومن مدينة حلب، أن القرار وضع الطلاب أمام معادلة مستحيلة.
وتقول: "كان تأثير القرار سيئًا جدًّا ومجحفًا بحقنا. نحن طلاب مغتربون خرجنا أصلًا من سوريا بسبب الحرب، وندرس في جامعات سودانية بسبب الظروف نفسها. كيف يُطلب منا اليوم الذهاب إلى بلد يعيش حربًا؟ السودان غير مستقر، والظروف الأمنية والمعيشية فيه صعبة جدًّا".
وتضيف: "حاولت منذ العام الماضي نقل دراستي إلى سوريا ولم أتمكن. نتمنى من دولتنا أن تمد يدها إلينا، لأن وزارة التعليم العالي هي أملنا الأخير حتى لا نخسر مستقبلنا".
مفارقة تثير تساؤلات
وتبرز هنا مفارقة لافتة؛ إذ استمرت الجامعات السودانية طوال سنوات الحرب في إدارة العملية التعليمية عبر مراكز الاستضافة، وإصدار السجلات والشهادات الرسمية للطلاب، قبل أن يصدر قرار إنهاء هذه المراكز دون الإعلان عن آلية واضحة لمعالجة أوضاع الطلاب المتضررين.
الطلاب: نطالب بحلول عادلة وإنسانية تضمن مستقبلنا
من مدينة درعا، يصف همام موسى، وهو طالب بكلية الطب البشري، حجم القلق الذي يعيشه الطلاب منذ صدور القرار.
ويقول: "قرار العودة إلى السودان أثّر على جميع الطلاب بشكل كبير، لأن العودة في الوقت الحالي ليست خيارًا واقعيًّا في ظل استمرار الحرب وعدم استقرار الأوضاع الأمنية. كثير من الطلاب بنوا خططهم الدراسية على البدائل التي أُتيحت لهم، وأصبحوا اليوم يعيشون حالةً من القلق وعدم اليقين بشأن مستقبلهم الأكاديمي".
ويضيف: "نأمل من الحكومة السورية ووزارة التعليم العالي إعادة النظر في أوضاع الطلاب المتضررين، وإيجاد حلول تراعي الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان وتحفظ حق الطلاب في استكمال دراستهم دون تعريضهم للمخاطر أو خسارة سنواتهم الدراسية. كل ما نطمح إليه هو حلٌّ عادل وإنساني يضمن استمرار مسيرتنا التعليمية."
مذكرة تطرق أبواب دمشق... فهل تستجيب؟
في محاولة لإنقاذ مستقبلهم الأكاديمي، وجّه الطلاب مذكرةً رسميةً إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السورية، طالبوا فيها بإيجاد معالجة استثنائية تسمح بنقلهم إلى الجامعات السورية، ولا سيما الجامعات الخاصة، مع مراعاة السنوات الدراسية التي أنجزوها.
كما طالبوا باستثنائهم من شرط تقديم كشف الإقامة السنوي في السودان، باعتبار أن دراستهم جرت منذ البداية داخل مراكز الاستضافة في المملكة العربية السعودية، إضافةً إلى تسهيل الإجراءات الإدارية وتمكينهم من التسجيل مع بداية العام الدراسي الجديد، حتى لا يخسروا عامًا دراسيًّا آخر.
وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يصدر إعلان رسمي من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السورية بشأن مطالب الطلاب الواردة في المذكرة.
بين حربين... مستقبل ينتظر القرار
خرج هؤلاء الطلاب من سوريا هربًا من الحرب، ثم باغتتهم حرب أخرى في السودان، لتضع مستقبلهم العلمي أمام اختبار جديد. وبين قرار صدر في الخرطوم، ومذكرة تنتظر جوابًا في دمشق، يبقى أكثر من 800 طالب سوري معلّقين بين جامعتين وبلدين ومستقبل لا يزال رهينة قرار.
وتلخص البيلسان حكاية مئات الطلاب بكلمات بسيطة، لكنها تختصر جوهر القضية: كل ما أريده هو أن أتخرج، وأعود لأخدم بلدي بعلمي، وألّا تضيع سنوات عمري بسبب الحروب. عرض أقل
عمار الحميدي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية