أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الموالاة اللبنانية... أزمة تصنيف أم توصيف؟..د. محمد احمد النابلسي*

كنت قد كتبت مقالة في يناير 2005 بعنوان "المعارضة اللبنانية أزمة تصنيف أم توصيف" ولقي المقال المنشور في اللواء وفي مواقع الكترونية عديدة اهتماماً واثار جدلاً ساهمت فيه قناة العـربية. فكان اتفاق على كون الأزمة توصيفية. وهو ما أكده رئيس تحرير اللواء صلاح سلام في مقابلة له مع العربية حول المقال. لكن اغتيال الحريري جاء بعد أقل من شهر ليثبت العكس. وهذا لم يمنع محرر اللواء من الإتصال بي هانفياً بعد أقل من ساعة ليطلب مني تعليقاً على الحدث الجلل. إستمهلته ووعدته بمقالة بعيدة عن الإنفعالات.
عندها أدركت ان الحدث الجلل فضح أزمة التصنبف وأن مزاد الصعود في قطار المعارضة بناء على عقيدة الإغتيال قد بدأ. وبما أنني بحكم تركيبتي الشخصية بعيد عن تقديم الوسائل على الأهداف وأبعد من أن أطلب أو أقتنص ما لا أستحقه فقد آليت على نفسي متابعة ورصد الأفكار التي كتبتها قبل "عقيدة الإغتيال". وبذلك وقاية من الإنجراف وراء الحقن والتوتير الإنفعالي. وفيه أيضاً حصانة من إدعاء الحكمة بمفعول رجعي. ففي اللواء أيضاً كنت قد كتبت مقالة في ديسمبر 2004 بعنوان "هل تصمد الحكومة الكرامية" وخلاصته ان الحكومة لن تصمد بدليل المتخلفين عن ركوب وزاراتها. وهؤلاء لا يفوتون فرصة كهذه ما لم تكن لديهم تأكيدات بانها ليست حكومة الانتخابات.
في مرحلة لاحقة تلقيت دعوة مكررة لركوب قطار الإغتيال. وكانت دعوة من معدي برامج المستقبل ،تربطني بهم علاقة شخصية تمنع ذكر الأسماء، للمشاركة في برنامج على تلفزيون المستقبل حول الصدمة النفسية التي خلفها الإغتيال على الجمهور اللبناني!. ورفضت كما توقع الأصدقاء المستقبليون لمعرفتهم برفضي الظهور على قناة المستقبل قبل الإغتيال بسنوات. مع مخالفة واحدة كانت كرمى لهؤلاء الاصدقاء وكانت محصورة في مجال الاختصاص. وأنا على أية حال أشكر لهم دعوتهم التي كانت ذهبية لو ملكت بعض الإنتهازية في طبعي مع بعض الطموح المتضخم.
الدعوة الأخيرة لتلفزيون المستقبل تلقيتها من مذيعة أجزم بانها لا تعرفني. وكانت خلال حرب تموز وتتعلق بعرض معاناة الأطفال اللبنانيين النفسية بسبب الحرب. وعندما رفضت السيدة المذيعة تلقيت بعض السباب الناعم هاتفياً. ولم أكن أدري بعد ان الإغتيال قد أدخلنا في حالة أمبراطورية المذيعات والمذيعين. حتى بتنا دولة يحكمها هؤلاء ويدربون سياسييها الطارئين. حتى قيل لي ان المذيع فارس خشان يتنقل مع موكب حراسة من ستة سيارات مسلحة.
مهما يكن فاني استند الى كتاباتي السابقة للحدث الجلل وللثورات المتفرعة عنه لأقول ان التصنيف الأبسط والأقرب للأحزاب والتيارات السياسية هو ذلك الذي يقسمها الى عقائدية وغير عقائدية. حيث العقيدة تجمع منتسبي النوع الأول والمصلحة تجمع النوع الثاني. وبما ان غير العقائدية فاقدة للعقيدة فان استمرارها متعلق ببقاء الأفراد أو ورثتهم. وكنت ممن نظروا بارتياح لتصريح النائب بهية الحريري بان آل الحريري لم يعد لديهم ما يقدمونه للسياسة اللبنانية بعد الإغتيال. إلا أن زيارة للسعودية يومها أعاد العائلة الى السياسة. ولكن عودة الحريري الإبن كانت قطيعة مع سياسات رفيق الحريري.
أولى علائم هذه القطيعة هي التحالف مع الأصوليات اللبنانية العقائدية – الدينية وهي الأصوليات التي يمثلها جنبلاط وجعجع. مما وضع الحريري الإبن في موقع طائفي سني معاد للعقائدية الشيعية منذ اللحظة الأولى وبدون مقدمات. وهو ما إستعجلته الدراجات النارية المسلحة التي ارسلها جنبلاط الى الضاحية الجنوبية عقب الإغتيال مباشرة.
أما القطيعة الأهم فكانت قطيعة تيار سعد مع الطائفة السنية اللبنانية. حيث عاش التيار ويعيش حالة انفصام في شخصيته. فهو تيار متعصب سنياً لكنه معارض للأصولية السنية كما هو معارض للرموز السنية المعتدلة. وبذلك حشر التيار نفسه في دائرة التعصب الفارغ من العقائد وهي الصفة الطاغية على قياداته.
الجمهور السني لم يستوعب وربما هو غير قادر على استيعاب معادلة التعصب بدون عقيدة. فهذه المعادلة خارجة على المألوف السياسي ومنطق الأمور. وهذا ما يجعل تيار سعد عاجزاً عن ضبط ما يفترض انه شارعه أو جمهوره في مناسبات مثل مظاهرة الأشرفية ومثل ظاهرة فتح الإسلام. ومن هنا إضطرار التيار للتخلي عن كونه الداعي لتظاهرة الأشرفية والحاشد لها. وكذلك تنكره لعلاقته مع الأصوليين السنة ومنهم جماعة فتح الإسلام.
وها نحن نعيد السؤال " الموالاة اللبنانية أزمة تصنيف أم أزمة توصيف؟" على اعتبار ان المعارضة اصبحت موالاة. فنرى أن كل مكونات الموالاة تجنح الى الأصولية الدينية ما عدا المكون السني. وبذلك يصبح سنة التيار تحت رحمة رفاقهم من أصوليي الطوائف الأخرى. حيث جماعة جنبلاط وجعجع يرددون بالفم الملآن ان ميليشياتهم هي الحامية لتيار سعد الحريري لذلك فهو لا يجروء على مخالفتهم. وهذا ما يطلق تسميات "السنة الجنبلاطيين" و"سنة جعجع" على سنة التيار ويجعلها تسميات صحيحة الى حد ما.
أما عن وضع تيار سعد داخل طائفته فهو ورط مفتي الجمهورية في مواقف سيتضح أنها صعبة ومحرجة. كما أنه ناصب العداء لأصوليي السنة المعتدلين والمتطرفين معاً. والأهم أنه خسر النخب السنية على كل المستويات وبخاصة الرموز السياسية المعنوية والتاريخية للطائفة السنية. حيث لا يحوي التيار سوى تقنيين من طلاب درسوا على حساب مؤسسة الحريري واستمروا على علاقة بالمؤسسة اما بسبب عقود وقعوها أو بسبب رغبة الإستمرار بالتكسب وهم ليسوا نخباً بحال من الأحوال. ونستثني بعض الشخصيات ذات الحيثية الشخصية والإجتماعية ممن حاولوا إسداء نصح لم ينفع للنائب سعد الحريري. وهم على أية حال فضلوا الإنسحاب على المشاركة في هذه الشيزوفرانيا.
بعد اليوم وبعد التورط الذي يعقبه التنكر والتخلي. وبعد فتوى "الشيخ" سعد الحريري بتصنيف المسلمين الى مسلمين وغير مسلمين. فان النائب الحريري لم يعد قادراً على إدعاء زعامة الطائفة السنية.
ختاماً فاننا لن ننصح من يرفض النصيحة من ثقاته ومقربي والده لكننا نقرر وقائع لا بد لها من أن تفرض نفسها. وأهمها واقعة أن السنة اللبنانين عروبيين لا يغادروا عروبتهم. ومزاجهم لا يهضم الأمركة ولو كانت مرفقة بوعود الرخاء الاميركي. وأن بينهم وبين اسرائيل واميركا واصدقائهما العرب تاريخ من الرفض والظلم والإنحياز. وبما أن القاعدة تقول بأن نخب الجماعة تضبط رعاعها وتستردهم الى الطريق القويم فان نخب الطائفة لن تلبث وان تسترد جماعة التيار ولو بعد حين. فالطائفة السنية في لبنان أساسية وليست طارئة. وعليه فان لها تراثها وتاريخها وعقائدها ومرجعياتها ورجالاتها التي لا يمكن تخطيها لا بالشخصيات الكرتونية ولا بالمال السياسي المعروف المصدر والمفضوح الأهداف.

رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية
(58)    هل أعجبتك المقالة (50)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي